فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الملامح الرئيسية للمجتمع الدولي المعاصر

📖 المدخل لدراسة العلاقات الدولية — الفصل 3 من 4 — فهرس الكتاب

أولا: طبيعة المجتمع الدولي بين المثالية والواقعية

تتميز الحقيقة أن المجتمع الدولي بمجموعة من الخصائص الوطنية، وتتغير مراكز القوة فيه، ونجد هنا مدرستين متضادتين في تحديد طبيعة المجتمع الدولي: المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية.

المدرسة المثالية

ينطلق أصحاب المنهج المثالي في دراسة العلاقات الدولية من مقدمات عقائدية وميتافيزيقية وأخلاقية للانتهاء بالتحليل الفلسفي، وهذه المدرسة قديمة، فمنذ فجر العصور الحديثة والفلاسفة المثاليون يتناولون هذه العلاقات في ضوء القيم المثالية ويعتبرون الضمير الإنساني هو الحكم الأعلى في ضبط العلاقات. لكن المثالية لم تتبلور كمدرسة إلا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وقف المثاليون موقف الرفض من مجموعة المبادئ السائدة في العلاقات الدولية خلال الحرب، مثل مبدأ توازن القوى ومبدأ استخدام القوة، وطرحوا مبادئ مقابلة تتمثل في الحقوق والالتزامات القانونية الدولية. كتب كوندوركت أساسيات المثالية للعلاقات الدولية عام 1795 فقال: الأساس الفلسفي (جذورها تعود إلى الفلسفة القديمة الساعية إلى إقامة الحياة الفاضلة)، والرأي العام والحكومة العالمية (دور ضمير الإنسان والضمير العالمي)، والمدافعون عن القانون الدولي (دور القانون الدولي في ضبط الاتصال بين الدول). ومن أهم الانتقادات الموجهة إليها: أنها لا تظهر إلا في حالة وجود المبادئ الأخلاقية في الدول، وأن إنزالها إلى الواقع لا بد من القضاء على النظام الشمولي واستبدالها بالنظم الديمقراطية.

المدرسة الواقعية

أدت الحرب العالمية الثانية إلى إفلاس المدرسة المثالية وظهور المدرسة الواقعية التي تتبنى مفهوم الفوضى، فهي تقول بأن المجتمع الدولي المعاصر يتسم بالفوضى، حيث يعتمد على القوة، وتتغير مراكز القوة وتحضر سياسة توازن القوى، فهناك صراع دائم سرمدي بين الأمم. يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن تناوب حالة السلم والحرب هي من أهم صفات المجتمع الدولي وليس القانون الدولي أو الضمير الدولي أي أهمية. ومن مبادئ النظرية الواقعية: إعطاء الحقائق معاني من خلال معرفة الأسباب، والتركيز على مفهوم المصلحة الوطنية، وإعطاء أهمية كبرى للمناخ السياسي في تحديد القرار السياسي، وأن كل صناع القرار يركضون خلف مصالحهم الوطنية. ومن أهم الانتقادات الموجهة إليها: أنها تعاني الغموض والتضارب لأنه لا يوجد تعريف عالمي لنظرية القوة، وأنها تفترض خطأ أن القوة هي أهم هدف تبحث عنه الدول والعامل الوحيد المؤثر.

ثانيا: تغير مراكز القوة وبنية المجتمع الدولي

النظام الدولي هو الأساس القانوني الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، خاصة العلاقات بين الدول الكبرى التي تصنع تلك العلاقات وفقا لمصالحها. ويمكن التمييز بين ثلاثة نماذج للمجتمع الدولي حسب مراكز القوة فيه:

نظام التعددية القطبية

يقوم هذا النظام على توازن القوى (الأقطاب)، حيث لا توجد فيه قوة سياسية واحدة تقوم بوظيفة القيادة داخل النظام الدولي، وتتم العلاقات بين القوى في الغالب على أنها علاقات صراع وتنافس في غياب القوة القائدة، بحيث تتحالف القوى المتنافسة لمنع أي طرف من الهيمنة على النظام العالمي.

نظام القطبية الثنائية

يقوم هذا النظام على وجود قطبين سياسيين تلعبان دور القيادة في النظام الدولي، لأنهما تمثلان القوة الأعظم في هذا النظام؛ وقد ميّز هذا النظام في القرن العشرين معاداة الحرب الشاملة (ظهرت في هذا الإطار عصبة الأمم ثم منظمة الأمم المتحدة للقيام بدور عالمي في تحقيق السلام والحد من الاحتقانات)، وولادة العالم الثالث من قبيل دول عدم الانحياز للخروج عن حالة الاستقطاب.

النظام الدولي أحادي القطبية

يقوم هذا النظام على سيطرة قوة سياسية واحدة على كافة تفاعلات النظام الدولي، بمعنى احتكار طرف واحد للقوة السياسية في العالم، حيث يملك هذا الطرف نفوذا سياسيا واقتصاديا وعسكريا هائلا. ومن أهم خصائصه: تقسيم العالم إلى شمال غني وجنوب فقير، وسيطرة المؤسسة الأمنية الكبرى في العالم، وبروز النزعة العسكرية ضد الدول التي ما زالت تدور في فلك الثنائية القطبية، والاستفراد بزعامة العالم وجعل بقية مكونات المنظومة العالمية على الهامش.

بنية المجتمع الدولي: تعدد أطراف اللعبة الدولية

تتعدد الأطراف المشاركة في الحياة الدولية، فبجانب الدول كفاعل رئيسي، هناك المنظمات الدولية. فالدول هي أهم مقومات المجتمع الدولي المعاصر وتشكل السيادة أهم مرتكز تقوم عليه الدول، وبذلك تعتبر متساوية من الناحية القانونية وإن كانت تختلف في الواقع من حيث قوتها وعدد سكانها لذلك تبقى الدول القوة المحركة للنظام الدولي المعاصر وأهم مؤثر فيه. وإلى جانب الدول، نجد المنظمات الدولية التي أصبح تأثيرها قويا يفوق تأثير كثير من الدول، وقد وصل الأمر إلى أن بعض المنظمات الدولية أصبحت ذات تأثير في تنظيم شؤون المجتمع الدولي والمساهمة في تكريس التعاون الدولي.

ثالثا: متغيرات الحياة الدولية

شهد العالم منذ التسعينات أحداثا كبرى وتحولات أثرت وكيفا على الساحة الدولية، تميزت هذه التحولات بخصائص منها تغير بنية النظام العالمي ثم عولمة الأيديولوجيا الليبرالية بعد انتصارها على الأيديولوجيا الاشتراكية، ثم هيمنة الولايات المتحدة.

أهم التحولات

  • انهيار النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، من ذلك انتهاء الحرب الباردة وسباق التسلح بين حلف وارسو والحلف الأطلسي، وبذلك انتهت الحروب التي كانت تخوضها دول العالم الثالث بالوكالة عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم تضاؤل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة لحساب مجلس الأمن الذي تقوى دوره نسبيا بقدر قوة الدول الدائمين على أعضائه.
  • دخول حركة دول عدم الانحياز في حالة انعدام توازن، وأصبحت تعاني من أزمة وجود وتفكك.
  • انطفاء بعض البؤر المشتعلة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
  • تقسيم العديد من الوحدات السياسية إلى وحدات أصغر كالاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا، هذا التفكك تزامن مع إقامة وحدات اقتصادية كبرى في أوروبا وأمريكا وآسيا.
  • ظهور قوى عالمية منافسة للولايات المتحدة لكنها غير معادية لها، كالاتحاد الأوروبي واليابان والصين وألمانيا وروسيا.
  • انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم.
  • زيادة الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب.
  • تميز التدبير الأمريكي للعالم بالازدواجية، عوض المعاملة بالمثل.

أبرز التطورات

من أبرز التطورات: تغير وضع الدولة كشخص من أشخاص القانون العام الدولي (حيث لم تعد وحدها مخاطبة بهذا القانون ولم تعد وحدها الفاعل في منظومة العلاقات الدولية، بل ظهرت أشكال قانونية جديدة كالمنظمات غير الحكومية وجماعات الضغط الدولية والهيئات والمؤسسات والشركات الدولية متعددة الجنسيات، كل هذا أصبح يطلق عليه اسم «المجتمع المدني الدولي»)، وبروز مفهوم العالمية أو الكونية، وبروز مشكلات دولية جديدة كالتلوث البيئي ونقص المياه واللاجئين والإرهاب والعنف السياسي، وتغير مجموعة من المعطيات السياسية كالثنائية القطبية والحرب الباردة والاستعمار وعدم الانحياز، وإعادة النظر في مفهوم السيادة نتيجة لضرورات الحياة الدولية المعاصرة، والعولمة.

العولمة

العولمة بمعنى السير نحو تأسيس هيئات مجتمع مدني دولي وزيادة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري، يحمل الكثير من سمات العولمة. جملة من التغيرات التي ينبغي أن تسود العالم دون عوائق ولا اعتبار للحدود فيها للاعتبار القومية. ومن عناصر عملية العولمة: يتمثل صلب العولمة باتجاه تحرير الاقتصاديات العالمية على نمط السوق الحر، ولتحقيق تحرير الاقتصاديات العالمية تصبح الليبرالية السياسية مطلبا ضروريا، وتسعى العولمة إلى إزاحة الحواجز الجغرافية في العلاقات الدولية، وتجسد العولمة تفوق النمط الأمريكي باعتباره النموذج الذي يتعين على العالم الاحتذاء به.

📗 خلاصة الباب

  • المدرسة المثالية (بعد الحرب الأولى) تراهن على القانون الدولي والضمير الإنساني، بينما المدرسة الواقعية (بعد الحرب الثانية) تعتبر الفوضى وتوازن القوى جوهر المجتمع الدولي.
  • ثلاثة نماذج لتوزيع القوة الدولية: التعددية القطبية (توازن قوى)، القطبية الثنائية (قطبان)، وأحادية القطبية (هيمنة طرف واحد).
  • بنية المجتمع الدولي تتعدد بين الدول (الفاعل السيادي المحوري) والمنظمات الدولية المتزايدة التأثير، ضمن آلية الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة.
  • متغيرات ما بعد التسعينات: انهيار النظام الثنائي القطبية، عودة اللاتوازن لعدم الانحياز، تفكك دول وقيام تكتلات اقتصادية، وبروز العولمة كسمة محورية لتحرير الاقتصاد وإزاحة الحدود.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية