📖 المدخل لدراسة العلاقات الدولية — الفصل 4 من 4 — فهرس الكتاب
أولا: المرتكز القانوني
تستند الدول في علاقاتها إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة سواء في حالة الحرب أو السلم. فطبيعة المجتمع الدولي هي التي تخلق التنظيم القانوني الدولي وتحكم الصراع بين الدول، كما أن ضرورة التعاون بين الدول تؤدي بها إلى قيام علاقات منظمة ومستقرة، فالقانون الدولي بمصادره المختلفة يشكل الإطار التنظيمي الذي من خلاله تسعى الدول إلى تنظيم العلاقات فيما بينها. لكن هناك تيار ينكر وجود قانون دولي، بينما التيار الثاني يقر بوجوده.
إنكار وجود القانون الدولي
إذا كان القانون الداخلي يطبق الإكراه من طرف السلطة العامة فإن القانون الدولي يتسم بالرضائية بين الدول، فالدول لها سيادة وتقدر مدى حقوقها ولا يمكنها أن تتقيد بأي قرار لا يحظى بموافقتها، وإلا كانت فاقدة للسيادة. لذلك فالقانون الدولي لا ينشأ إلا بموافقة الدول المخاطبة به. يفند أنصار هذه النظرية رأي خصومهم الذين ينكرون على القانون الدولي صفة القانونية، بالقول بأن المعايير مثل المشرع والقاضي والإجبار هي معايير فاسدة من حيث الأساس ولا تصلح للتمييز بين القواعد القانونية. كما أن المشرع في القانون الدولي موجود وهو الدول، سواء عن طريق الاتفاقيات الثنائية والمعاهدات الجماعية، فأما المحاكم فموجودة (مثال ذلك محكمة العدل الدولية في لاهاي، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، أما عنصر الإجبار فموجود وتمارسه الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاق الهيئة. وقد اتفقت الأسرة الدولية على إعطاء بعض المبادئ القانونية الإلزامية صفة قواعد قانونية آمرة نظرا لأهميتها في صيانة الأمن والسلام، جاء في معاهدة فيينا 1969: «قاعدة آمرة قاعدة وسامية وافقت وأقرت بها الجماعة الدولية لمجموع الدول كقاعدة لا يجوز نقضها ولا تعديلها إلا بقاعدة قانونية جديدة من قواعد القانون الدولي العام لها نفس الصفة».
مصادر القانون الدولي وآليات تنظيم الحياة الدولية
تلجأ الدول إلى القانون الدولي في أربع حالات: عند وضع قاعدة قانونية جديدة، عند الحاجة إلى الكشف عن القاعدة القانونية الدولية التي سيطبقها القاضي الدولي، عند تحديد القانون الساري المفعول في وقت معين، وعند تعديل القاعدة القانونية لتساير وضعا دوليا جديدا. ومصادر القانون الدولي حسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية هي: الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة، والعرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، واجتهادات المحاكم الدولية وآراء الفقهاء القانونيين، وقواعد الإنصاف والعدالة.
دور المعاهدات في تنظيم العلاقات بين الدول
تحتل المعاهدات صدارة مصادر القانون الدولي العام، إلى جانب العرف والمبادئ العامة للقانون. المعاهدة، كما يعرفها الأستاذ Colliard، هي اتفاق تثبت بموجبه دولتان أو أكثر قاعدة قانونية يتم فرضها نفسها في إطار العلاقات الدولية، ويتضح من التعريف أن عنصر الإجبار في المعاهدة يتم بناء على التراضي المسبق. تُميَّز المعاهدات عن الاتفاقيات والاتفاقات والمواثيق استنادا إلى معايير أبرزها: أن المعاهدات تطلق على العقود الدولية التي لها أهمية خاصة بالنسبة لأهدافها أو لمكانة الدول الواقعة عليها وغالبا ما تكون ذات صيغة سياسية، بينما الاتفاقيات فإنها تتضمن تعهدات ثانوية محدودة قد تخص مسائل اقتصادية أو تجارية أو غير ذلك من المجالات.
من أنواع الاتفاقات الدولية: المعاهدة (اتفاق قانوني بين دولتين لتنظيم علاقتهما أو تحقيق هدنة وتصالح، أو حماية بعضهم ضد عدوان خارجي، أو معاهدة الدفاع المشترك)، والاتفاق (قد يكون سريا أو علنيا، لمدة محددة أو مفتوحة)، والميثاق (عمل ينشأ من خلاله منظمة دولية كبيرة، كميثاق الأمم المتحدة)، واتفاق توضيح قانوني، ووثيقة تعهد. ومن أسباب انتهاء المعاهدة الدولية: تنفيذها، انقضاء أجلها، اتفاق الأطراف المتعاقدة على إلغائها، الفسخ، ثبوت استحالة تنفيذ المعاهدة، زوال الشخصية القانونية لإحدى الدول المتعاقدة، والتغير الجوهري في الظروف.
ثانيا: المرتكز الدبلوماسي
من بين أهم الآليات التي تساعد الدول على التعامل والتفاهم فيما بينها هي الدبلوماسية، حيث تسخر الدول الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بطريقة سلمية وعلمية تحافظ من خلالها على العلاقات الخارجية. مصطلح الدبلوماسية مشتق من الكلمة اليونانية «طوى» للدلالة على الوثائق المطوية والأوراق الرسمية الصادرة عن الملوك والأمراء، ثم تطور معناها لتشمل الوثائق التي تتضمن نصوص الاتفاقيات والمعاهدات. أما في معناها العام الحديث، فيمكن تعريفها بأنها مجموعة المفاهيم والقواعد والإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسيين، بهدف خدمة المصالح العليا للدول (الأمنية والاقتصادية والسياسية) وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال والتبادل وإجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقيات.
التمثيل الدبلوماسي والقنصلي
هو مظهر من مظاهر السيادة، وعلى ذلك فللدول كامل الحق في إيفاد أو قبول المبعوثين الدبلوماسيين، ويمثل كل دولة أمام دولة غيرها من رئيسها، وينوب عنه في إدارة الشؤون الخارجية وزير الخارجية، ويساعده الدبلوماسيون والقناصل. يتكون تكوين البعثة الدبلوماسية من رئيس البعثة (المسؤول عن بعثته، يتولى تمثيل الدولة والإشراف على أعمال البعثة وأفرادها) وموظف البعثة وهم الأشخاص الذين تعينهم الدولة الموفدة لمعاونة رئيس البعثة في المهام الموكولة إليه. تشترط اتفاقية فيينا لعام 1961 والعرف الدولي أن يراعي الممثل الدبلوماسي عددا من الواجبات، أهمها: احترام قوانين وأنظمة الدولة المعتمد لديها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم إساءة استعمال الأماكن التي تشغلها البعثة، وحصر مرجعه مبدئيا بوزارة الخارجية، وعدم ممارسة أي نشاط غير ذلك المكلف به بصفة رسمية.
الحصانة الدبلوماسية
يتمتع الدبلوماسيون بامتيازات وحصانات متعددة أثناء خدمتهم خارج بلادهم، وتعود هذه الامتيازات لكونهم الممثلين المباشرين لقوى ذات سيادة. وهناك أربعة مزايا للحصانات الدبلوماسية: لا يجوز إلقاء القبض عليهم أو على أفراد عائلاتهم لأي سبب، ولا يجوز تفتيش أو احتجاز مساكنهم وأوراقهم وأمتعتهم، ولا يجوز فرض ضرائب على ممتلكاتهم الشخصية من قبل البلاد التي يخدمون فيها، ويتمتع الدبلوماسيون وعائلاتهم وموظفوهم بحرية العبادة الكاملة.
الدبلوماسية العالمية الجديدة
تختلف الدبلوماسية الجديدة عن الدبلوماسية التقليدية، فهي أكثر اتساعا وإيجابية وتنوعا وانطلاقا، فهي دبلوماسية سلام وليست دبلوماسية حرب. ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للدبلوماسية تتدرج من حيث القوة في الاستراتيجية العالمية: فهناك الدبلوماسية الخافضة، والدبلوماسية الجهورة، والدبلوماسية المتحفزة، ثم الاستراتيجية الهجومية.
ثالثا: المرتكز الاستراتيجي والاقتصادي
الاستراتيجية عند اليونان هي فن القيادة، وقد ارتبطت الكلمة تاريخيا بالحرب وقيادة الحرب، وهي نوع من التفكير لتحقيق غايات محددة عبر أكمل وجه، وتفادي المخاطر. الإستراتيجية أو علم التخطيط بصفة عامة هي مصطلح عسكري بالأساس وتعني الخطة التخطيطية للعمليات العسكرية قبل نشوب الحروب، وفي نفس الوقت فن إدارة تلك العمليات عقب نشوب الحروب. عرّفها روادُ المدرسة الغربية بتعريفات متعددة: ليتري (فن إعداد خطة الجيش وتوجيهه)، مولتكه (الأستراتيجية مجموعة الوسائل التي تستخدم لتحقيق الوصول لغرض محدد)، فون فالكنهايتز (فن التدابير الواسعة)، فوش (فن الإرادات)، ريمون آرون (فن قيادة وتوجيه مجمل العمليات العسكرية)، أندريه بوفر (فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف السياسة). أما المدرسة الشرقية فتعرّفها بأنها نظام المعارف العلمية المتعلقة بقوانين الحرب كصراع مسلح من أجل تحقيق مصالح، وتبحث على أساس دراسة خبرة الحروب والمواقف السياسي والعسكري والإمكانيات الاقتصادية والمعنوية للبلاد ونوع وسائل الصراع الحديثة ووجهة نظر العدو في الحرب المقبلة.
أنواع الاستراتيجية
الاستراتيجية المباشرة: حيث تعتبر القوة العسكرية الأداة الرئيسة لتحقيق الأهداف الوطنية، ولا تُستثنى استخدام عناصر القوة الأخرى إلى جانب القوات العسكرية، فالعناصر السياسية والاقتصادية والثقافية تشكل أجزاء مكملة للقوة العسكرية. تتحقق هذه الاستراتيجية بأحد الصور: إما إستراتيجية مباشرة تستهدف الحصول على النصر العسكري نتيجة الاشتباك مع قوات العدو الرئيسة (كما طبق الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية)، أو إستراتيجية مباشرة تستهدف الحصول على النصر العسكري ليس عن طريق الالتحام المباشر ولكن بعمل يؤدي إلى إخلال بتوازن العدو (كما طبقتها ألمانيا)، أو إستراتيجية مباشرة تبحث في تحقيق الهدف عن طريق التهديد باستخدام القوة (كما استخدمتها الولايات المتحدة في أزمة الصواريخ بكوبا). أما الاستراتيجية غير المباشرة، فتبحث في تحقيق الأهداف بوسائل غير عسكرية بالدرجة الأولى وبإنهاك العسكري بالدرجة الثانية، أي بمعنى أنها تبحث عن الحسم عن طريق استخدام الوسائل النفسية كالدعاية والإشاعة وتسميم السياسة والاقتصاد والضغط الدولي والتفتيت الداخلي وغيرها، وتستهدف كذلك تدمير معنويات العدو والحفاظ على معنويات الأصدقاء، وتخضع لثلاثة مراحل: الحفاظ على الأمل وخلق ثقة بالنصر مهما طال الصراع، وتثبيط همّ العدو حتى يتحقق الحسم النفسي، وردع العدو ومنعه من استخدام وسائل العسكرية المتفوقة.
الاستراتيجية المعاصرة
تعتمد الاستراتيجية المعاصرة على اختيار الأسلوب المناسب والممكن والملائم لحالة معينة، فلم يعد الخيار العسكري هو المطروح دائما بل هناك وسائل أخرى كاستخدام القدرات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعنوية. ومن الاستراتيجيات الأمريكية المعاصرة: استراتيجية الاحتواء (أبرز تجلياتها منع الاتحاد السوفياتي من التوسع خارج المعسكر الغربي والعالمي، لذلك أنشأت الولايات المتحدة العديد من التحالفات الدولية العسكرية أبرزها حلف شمال الأطلسي)، واستراتيجية الردع (أي الردع النووي المدمر من أجل منع الخصم من الهجوم على الولايات المتحدة)، والاستراتيجية الوقائية (تتجلى في الحروب الاستباقية التي خاضتها الولايات المتحدة ضد المجموعات الإرهابية والدول المارقة التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل).
المرتكز الاقتصادي
العوامل الاقتصادية تلعب دورا حاسما في قوة الدول أو ضعفها، بل إنه يلعب دورا مهما في خلق النزاعات، فالنقص في الموارد الاقتصادية يمكن أن يسبب حربا ويمكن أن يساهم في خلق التعاون. ومن مظاهر الصراع حول الثروات الاقتصادية عبر التاريخ: التسابق الاستعماري الذي سببه الثورة الصناعية والحاجة إلى المواد الأولية والأسواق، والحرب العالمية الأولى التي كان سببها الخلاف الفرنسي الألماني حول منطقة الألزاس واللورين، والحرب العالمية الثانية التي كان من أسبابها النزعة التوسعية لدى إيطاليا وألمانيا، والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 التي كانت غايته السيطرة على قناة السويس، والنزاعات حول الحدود اقتصاديا، والنزاعات حول المناطق البحرية بسبب مواردها. ويمكن اعتبار العامل الاقتصادي صلة الوصل بين الدول وسببا من الأسباب التي تدفعها للتعاون فيما بينها، وهذا هو الاتجاه الذي سار فيه العالم بعد الحرب الباردة؛ فالاقتصاد يمثل عامل وحدة وتجمع بين الدول، فالدول الصغرى مرغمة على أن تتجمع وتتوحد اقتصاديا مع بعضها لمواجهة الاقتصاديات الكبرى، والدول الغنية لا تتوقف عن التدخل اقتصاديا في الدول الصغرى، لذلك تطالب الدول النامية بإيجاد نظام اقتصادي دولي عادل يقوم على التعاون وليس الاستغلال.
📗 خلاصة الباب
- المرتكز القانوني: القانون الدولي موجود فعلا رغم إنكار البعض له، وتلجأ الدول إليه في أربع حالات، ومصادره وفق المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية خمسة، والمعاهدات في صدارتها.
- المرتكز الدبلوماسي: الدبلوماسية أداة تحقيق الأهداف الاستراتيجية سلميا، عبر بعثات دبلوماسية منظمة بواجبات وحصانات محددة اتفاقية فيينا 1961.
- المرتكز الاستراتيجي: تعددت تعريفاته بين المدرستين الغربية والشرقية، وتنقسم الاستراتيجية إلى مباشرة (عسكرية) وغير مباشرة (نفسية واقتصادية)، وتشمل المعاصرة الاحتواء والردع والوقاية.
- المرتكز الاقتصادي: العامل الاقتصادي محرك تاريخي رئيسي للصراعات الدولية، لكنه اليوم أيضا صلة وصل وتعاون بين الدول ضمن نظام اقتصادي دولي يُطالَب بأن يكون أكثر عدلا.
◀ الفصل السابق: الملامح الرئيسية للمجتمع الدولي المعاصر
اترك تعليقاً