عندما تتابع حركة إسلامية تاريخية مثل جماعة العدل والإحسان على مدار سنوات، تشعر بأسئلة تطرق بابك بإلحاح. لماذا تراجعت الديناميكية التي كانت تميز هذا التنظيم؟ لماذا لم تعد قادرة على صنع الكوادر والرموز التي تستقطب الشباب في الثانويات والجامعات؟ هذه الأسئلة ليست مجرد فضول أكاديمي، بل تعكس قلقاً حقيقياً من الملاحظين والمهتمين بمسيرة العمل الإسلامي في المغرب والمنطقة العربية.
الحقيقة المرّة أن الكثيرين لاحظوا بوضوح أن هذه الجماعة، التي كانت طليعة حركية في المجتمع، بدأت تفقد قوتها التأثيرية. والسؤال الأساسي الذي يطرحه الناشطون والمهتمون: هل المسؤول الحقيقي هو تراجع هذه الطليعة نفسها في أداء دورها الريادي؟
تراجع الدور الريادي والقيادة الركود
عندما نتحدث عن تراجع جماعة العدل والإحسان، لا يمكننا تجاهل ملاحظة جوهرية: استمرار القيادة القديمة على رأس الدائرة السياسية للجماعة منذ تأسيسها، دون أن تفسح المجال لأجيال جديدة من الكوادر الفعّالة. هذا الركود القيادي يعكس عزلة تنظيمية عن واقع الشباب المتطور والمتغير باستمرار. الجماعة التي يفترض أن تكون محرّكة للمجتمع أصبحت تعاني من ضعف في إنتاج الكوادر الصادقة والمتفانية، بل إن الدليل على ذلك يظهر في نقص الرموز الفعّالة داخل مؤسسات التعليم والتنظيم نفسه.
هذا الواقع يطرح سؤالاً محرجاً: هل جماعة تعجز عن صنع كوادر تربوية وفكرية قادرة على قيادة المجتمع تستحق فعلاً أن تُدعى “طليعة”؟ الجواب، للأسف، يميل نحو الاعتراف بأزمة حقيقية في البنية التنظيمية والفكرية للجماعة.
الفصل المتكرر للكوادر الصادقة والانحراف المنهجي
من أكثر الظواهر المؤلمة والمقلقة ما يشهده المراقبون من عمليات فصل متكررة لكوادر وصدقوا في انتمائهم وصدقوا في غيرتهم على المشروع الإسلامي. هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يُفترض أن يكونوا العمود الفقري لأي تنظيم حي، وجدوا أنفسهم خارج الصف لأسباب قد لا تتعلق بالانحراف العقدي أو الخيانة، بل بخلافات إدارية أو تنظيمية.
هذا يشير إلى أزمة منهجية عميقة: الجماعة تتطبق على نفسها، وتفقد الكفاءات التي كان يمكن لها أن تجدّد مسارها. والسؤال المشروع الذي يطرحه المراقبون: هل هذا الفصل المتكرر علامة على صرامة تنظيمية حاكمة، أم علامة على انحراف عن المنهج الياسيني الأصلي الذي تأسست الجماعة عليه؟
الانجراف نحو السياسوية المصلحية والابتعاد عن الروح الإسلامية
مع مرور الزمن، لاحظ الناشطون والمفكرون تحولاً خطيراً في أولويات الجماعة: الانجراف التدريجي نحو المصالح السياسية والحسابات الانتخابية على حساب الأساس الروحاني والعمل التربوي الإسلامي. الجماعة التي كانت تؤمن بضرورة التربية الروحية العميقة والبناء الإيماني بدأت تركّز على الألعاب السياسية والصراعات الحزبية.
هذا الانحراف لم يكن عرضياً، بل يعكس دخول عناصر جديدة من أصحاب الشهادات الأكاديمية والخبرات السياسية الذين لا علاقة لهم بجوهر العمل الإسلامي التربوي. هؤلاء الأشخاص بدأوا يتحكمون في مفاصل الجماعة بمنطق غربي أكاديمي بعيد كل البعد عن الثوابت الإسلامية. الروحانية الإيمانية اختفت تدريجياً، وحلّ محلها أسلوب إداري بارد خالٍ من النبض الديني الأصيل.
البنية الديكتاتورية والقيادة المركزية المطلقة
من أعمق أزمات جماعة العدل والإحسان الأسلوب الديكتاتوري الذي تسيطر به القيادة على جميع فاعليها. الهيكل التنظيمي للجماعة يعطي سلطة حقيقية محدودة الطبيعة للقيادات الوسيطة والمحلية. كل شيء يجب أن يمرّ عبر القيادة العليا. هذه السيطرة الستالينية (على حد تعبير النقاد) على مفاصل التنظيم والطلبة والدائرة السياسية والفاعلين جميعاً خنقت الحيوية والإبداع.
الإسلام لا يعرّف هذا النوع من الاستبداد الداخلي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمنون بعضهم أولياء بعض”، وهذا يعني أن الحياة الإسلامية الصحيحة تقوم على التشاور والعدل والرقابة المتبادلة، لا على السيطرة المركزية المطلقة. الجماعة، بممارساتها هذه، ابتعدت عن هذا المبدأ الأساسي.
ظهور فئة إدارية بلا جذور إسلامية حقيقية
ربما كانت واحدة من أخطر الظواهر التي حدثت داخل الجماعة هي ظهور طبقة من الدكاترة والسياسيين الذين ليس لهم انتماء حقيقي للعمل الإسلامي بمعناه التربوي والروحاني. هؤلاء الأشخاص، وإن كانوا متعلمين أكاديمياً، إلا أنهم فاقدون تماماً للثقافة الشرعية العميقة والفهم الإسلامي الصحيح. هم يتعاملون مع الجماعة كمشروع سياسي بحت، وليس كحركة تربوية إسلامية.
هؤلاء المسؤولون الجدد بدأوا يفرضون رؤى إدارية غربية المنبت على تنظيم يفترض أن يكون إسلامياً الجوهر. النتيجة: انعدام الروح الإسلامية، اختفاء الروحانية الإيمانية، وسيطرة المنطق الآلي البيروقراطي على كل شيء. الجماعة لم تعد تشعر بأنها حركة دينية، بل مؤسسة إدارية عادية.
لماذا يهمك هذا الموضوع كمغربي
إذا كنت تهتم بمستقبل الحركة الإسلامية في المغرب، أو إذا كنت تتابع التجارب التنظيمية الإسلامية، فمن المهم أن تفهم أن أزمة جماعة العدل والإحسان ليست حالة معزولة. إنها درس حي عن كيف يمكن لحركة قوية أن تفقد بريقها عندما تنحرف عن أساسياتها وتخضع قيادتها للاستبداد والمركزية المفرطة.
خلاصة وأفق مستقبلي
أزمة جماعة العدل والإحسان ليست بسيطة ولا تحمل إجابة أحادية. لكن الدليل واضح أن التراجع في الديناميكية لا يعود فقط لعوامل خارجية أو لضعف عام في الصف الإسلامي، بل إلى خيارات داخلية مسؤولة. الفصل المتكرر للكوادر، الانجراف السياسي، السيطرة الديكتاتورية، ودخول عناصر بلا جذور إسلامية حقيقية — كل هذه عوامل داخلية تحت مسؤولية قيادة الجماعة مباشرة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستستيقظ قيادة جماعة العدل والإحسان على حقيقة أزمتها، وتعود إلى جذورها الروحانية والتربوية الأصيلة؟ أم أنها ستستمر في طريقها نحو مزيد من الانحدار؟ الوقت وحده سيخبرنا.
ما رأيك أنت؟ هل تتفق مع هذا التشخيص، أم أن لديك رؤية مختلفة عن أسباب هذا التراجع؟ شارك تعليقك معنا.







اترك تعليقاً