الاستماع للمواطن: أساس الحكم الرشيد؟

الاستماع للمواطن: أساس الحكم الرشيد؟

عندما تسير في الشارع وتشعر بمشكلة تؤرقك، هل تجد من يستمع فعلاً؟ هل تشعر أن صوتك يصل إلى صناع القرار، أم أنك تصرخ في الفراغ؟ هذا السؤال ليس فلسفياً بحتاً، بل يعكس واقعاً يومياً يعيشه ملايين المواطنين العرب الذين يأملون في حكومة قريبة منهم، تسمع همومهم قبل أن تقرر سياساتها.

المشاركة الحقيقية للمواطن في الحياة العامة لا تبدأ من الانتخابات وحسب، بل من هذه اللحظات البسيطة والعميقة في الوقت ذاته: حوار مباشر بين الحاكم والمحكوم، جلسة تأخذ الوقت الكافي للاستماع والفهم قبل الحكم والتنفيذ. والخبر الذي وصلنا من منطقة شرم الشيخ يشير إلى نموذج من هذه الممارسة التي بدأت تأخذ حيزاً أوسع في الإدارة المحلية.

ما الذي حدث فعلاً؟

وفقاً لما تناقلته الأوساط الإعلامية، قام محافظ محافظة جنوب سيناء بتنظيم لقاء مباشر مع أهالي مدينة شرم الشيخ، واختار توقيتاً معبّراً: بعد صلاة الجمعة مباشرة. هذا الاختيار الزمني ليس عشوائياً، فالساحات والمساجد بعد الانتهاء من الصلاة تشهد تجمعاً طبيعياً، وفرصة ذهبية للوصول إلى قطاع عريض من المجتمع دون الحاجة إلى حملات إعلانية معقدة. الأهالي يأتون لأداء فريضتهم، فيجدون المسؤول الإداري ينتظرهم مستعداً للإنصات.

في هذا اللقاء، لم يكن الحديث موجهاً من الأعلى للأسفل كما تقليد البيانات الرسمية والخطابات الروتينية. بل كان فرصة لسماع المشاكل الحقيقية التي يعاني منها السكان: قضايا الخدمات العامة، الصحة، التعليم، البنية التحتية، الأمن والاستقرار، وحتى الشكاوى الشخصية التي قد لا تجد طريقها إلى مكاتب الموظفين العاديين. هذا ما يُعرّف بـ “الاستماع الحقيقي”، وليس مجرد سماع كلمات.

لماذا هذا النهج مهم للمواطن العربي؟

في الكثير من الدول العربية، ومنها المغرب بالطبع، يشتكي المواطنون من القطيعة بين الحكومات والشارع. الإجراءات البيروقراطية تحول دون وصول الأصوات والاحتياجات الحقيقية إلى من يملك القرار. كم مرة حاولت الشكوى عبر نظام رسمي فوجدت نفسك تملأ استمارات، ثم تنتظر أسابيع دون جواب؟ هذا الفراغ بين المواطن والإدارة يخلق شعوراً بالإحباط والانعزال.

لذلك فإن أي محاولة لكسر هذا الجدار، حتى لو كانت بسيطة وموضعية، تحمل أهمية رمزية وعملية في آن واحد. عندما يشعر المواطن أن حاكمه متاح له، قريب منه جسدياً وروحياً، ينخفض منسوب الغضب والاستياء. وليس هذا من قبيل التعامل العاطفي مع المشاكل، بل هو خطوة أولى حقيقية نحو حلول فعلية، لأن الحاكم لن يستطيع اتخاذ قرارات صحيحة إلا إذا عرف الواقع الفعلي على الأرض.

الدرس الأخلاقي والديني

من المثير للاهتمام أن نتذكر أن الإسلام منذ البداية أكد على أهمية العدل والاستماع. قال تعالى في سورة النساء: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”، والعدل يبدأ من الاستماع والفهم الحقيقي لقضايا الناس. الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون بين الشعب، يسمعونهم، يردون عليهم مباشرة. هذا النموذج القديم ما يزال ذا قيمة لم تنته صلاحيتها.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للمسؤول أن يحكم بعدل دون أن يعرف احتياجات من يحكم لهم؟ الإجابة واضحة: لا. الحكم الصالح يتطلب معرفة عميقة بالواقع، وهذه المعرفة لا تأتي من التقارير الورقية وحدها، بل من الحوار المباشر والاستماع الفعال.

كيف يمكن لهذا أن ينسحب على حياتك؟

إذا كنت تعيش في حي أو مدينة، فكر: هل لديك فرصة فعلية للتواصل مع من يتخذون القرارات التي تؤثر على حياتك؟ هل تعرف كيف تصل شكواك أو مقترحاتك؟ هل تشعر أن صوتك محبّ؟ الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة تساعدك على فهم جودة الحكم المحلي في محيطك.

من جهة أخرى، إذا كنت من المسؤولين أو قريباً من دوائر اتخاذ القرار، فالدرس واضح: قرّب نفسك من الناس. لا تنتظر أن يأتوا إليك، بل اذهب إليهم. افهم مشاكلهم من أفواههم مباشرة. هذا ليس فقط واجب إداري أو أخلاقي، بل هو الطريق الوحيد الفعال نحو تنمية حقيقية ومستدامة.

ما الخطوة التالية؟

نعم، لقاء واحد لا يحل جميع المشاكل، وعدالة واحدة لا تنهي سنوات من الإهمال. لكن البدايات يجب أن تكون صادقة. ما يهمنا حقاً هو ما سيتبع هذا اللقاء: هل ستتحول الشكاوى المسموعة إلى إجراءات فعلية؟ هل ستكون هناك متابعة وحساب؟ هل سيصبح هذا النمط من التواصل روتينياً وليس استثناءً؟

هذا هو الاختبار الحقيقي للحكم الرشيد: الاستماع ثم العمل، والشفافية مع الناس عن النتائج والتحديات. المواطن ليس كائناً مجهولاً تُفرض عليه السياسات من دون استشارته. هو شريك في الحياة العامة، وحقه أن يسمع صوته.

الخاتمة

الحكومة الناجحة ليست التي تحسن الدعاية أو تصدر بيانات براقة، بل التي تسمع شعبها قبل أن تقرر. وعندما يشعر المواطن بأنه مسموع، ومحترم، يصبح أكثر ثقة بالمؤسسات ويزداد التزامه بالعمل الجماعي من أجل بناء مستقبل مشترك.

ما رأيك أنت؟ هل تشعر أن صوتك مسموع في إدارتك المحلية؟ شارك تجربتك معنا في التعليقات.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية