عندما تدخل سوقاً عامراً بالحركة والبضائع، هل تفكر للحظة في الأسلاك الكهربائية فوق رأسك؟ غالباً لا. لكن في طنجة، اكتشفت السلطات مؤخراً حقيقة مزعجة: عشرات المتاجر والمحلات تسرق الكهرباء بطرق خطيرة جداً، مما يعرض أرواح الآلاف من المتسوقين والباعة لأخطار حقيقية لا يشعرون بها.
هذه ليست قضية اقتصادية بحتة عن ضياع أموال الدولة فحسب، بل هي مسألة أمان شخصي مباشر. السلاك المشدودة بشكل عشوائي، والتوصيلات غير الآمنة، والأحمال الكهربائية الزائدة — كل هذا هو حريق كامن ينتظر الشرارة الأولى.
ما الذي حدث في طنجة؟
شنّت أجهزة التفتيش والرقابة في طنجة حملة وقائية موسعة على أسواق المدينة، وتركزت الجهود على منطقة “كاساباراطا” التجارية الحيوية. خلال هذه الحملة، تم توثيق وضبط أربعين حالة اختلاس للكهرباء من قِبل أصحاب المحلات والمتاجر. لم تكن هذه الحملة عشوائية، بل جاءت كجزء من استراتيجية استباقية تهدف إلى منع حدوث كوارث حريق قبل أن تقع.
الهدف من هذا التحرك الأمني لم يكن العقاب فقط، بل كان التوعية والتصحيح. السلطات أدركت أن المشكلة انتشرت بشكل واسع وتحتاج تدخلاً حازماً وسريعاً قبل أن يصاب أحد ما بسوء.
لماذا يسرق الناس الكهرباء؟
هنا يكمن جزء من التعقيد الإنساني في القضية. معظم صاحبي المحلات الصغيرة والباعة في هذه الأسواق يواجهون ضغوطاً اقتصادية حقيقية. فاتورة الكهرباء في أوقات الصيف خاصة تصبح عبئاً ثقيلاً على الميزانية الضيقة، وخاصة في المتاجر التي تعتمد على التبريد والإضاءة المكثفة طوال ساعات العمل الطويلة.
بعضهم يلجأ لهذا الطريق بدافع الضرورة، يعتقد أنها “حل مؤقت” لأزمة مالية، بينما لا يدرك — أو يغفل — المخاطر الفادحة التي يجلبها هذا التصرف على نفسه وعلى الآخرين. إنها سلوكية نتيجة جهل بالخطر أو استهتار بالعواقب أو كليهما معاً.
الخطر الحقيقي: الحرائق والصعقات الكهربائية
السلاك المسروقة بشكل غير نظامي تعني توصيلات مرتجلة بدون معايير أمان. هذه الأسلاك غالباً ما تكون مكشوفة، أو متشابكة بطريقة فوضوية، أو محملة بأحمال كهربائية تتجاوز سعتها. هذا الوضع ينتج عنه:
أولاً: خطر الحريق المباشر. أي سلك محمّل بتيار زائد يعني حرارة مفرطة، والحرارة الشديدة تشعل العزل حول السلك، ثم الحريق ينتشر بسرعة البرق في مكان مزدحم بالبضائع وبالناس. حريق في سوق مغلق أو ضيق يعني كارثة إنسانية حقيقية.
ثانياً: خطر الصعقات الكهربائية. أسلاك مكشوفة في مكان رطب أو قريب من الماء، أو سلاك مهترئة قد تصعق أي شخص يلمسها بالصدفة. خاصة الأطفال الذين قد يكونون فضوليين.
ثالثاً: تأثر البنية التحتية للشبكة الكهربائية. هذا السحب العشوائي للكهرباء يخلق عدم توازن في التيار، مما قد يؤثر على بقية المنطقة ويسبب انقطاعات متكررة أو تلف المعدات.
التعليق: لماذا تهم هذه القضية كل مغربي؟
ربما تسكن خارج طنجة تماماً، أو في حي سكني بعيد عن الأسواق. لكن هذه الظاهرة موجودة في معظم الأسواق الشعبية والتجارية في المغرب — من الدار البيضاء إلى فاس، ومن مراكش إلى الناظور. القضية لم تظهر أمس، بل هي مزمنة وتحتاج تعاملاً شاملاً.
ما يحدث في طنجة يعكس ثغرة نظامية أوسع: كيف يتم المتاجرة بالأمان العام في سبيل توفير بضعة دراهم؟ وكيف يمكن للسلطات المحلية أن تعزز الوعي لدى أصحاب المحلات بأن الاستثمار في التوصيلات الآمنة ليس خسارة، بل استثمار في حياتهم وحياة زبائنهم؟
هذه حملات التفتيش مهمة، لكن الحل الحقيقي يحتاج إلى:
كيف يمكن الحل من جذوره؟
التوعية المستمرة: يجب على المؤسسات الحكومية والجماعات المحلية أن تنظم حملات توعوية دورية موجهة لأصحاب المحلات والتجار، توضح الأخطار الفعلية ليس بطريقة تخويف، بل بطريقة تثقيفية وعملية. إظهار صور حقيقية لحرائق وحوادث سابقة قد يفتح العيون أكثر من أي كلام.
تسهيل الحلول القانونية: بدل أن تكون العقوبات الوحيدة هي الغرامات والإغلاق، يمكن للسلطات أن تقدم برامج تمويلية ميسرة لأصحاب المحلات الصغيرة لتحديث أسلاكهم والامتثال للمعايير الآمنة. استثمار وقائي من الدولة قد يوفر كوارث لاحقاً.
المتابعة المنتظمة: الحملات الاستباقية مثل تلك في طنجة لا يجب أن تكون استثناء، بل عادة دورية. مفتشو السلامة والكهرباء يجب أن يصبحوا وجهاً مألوفاً في هذه الأسواق كل فصل على الأقل.
المسؤولية المجتمعية: التجار أنفسهم يجب أن يشعروا بالمسؤولية تجاه أنفسهم والآخرين. المكسب السريع من سرقة الكهرباء يفقد معناه عندما ندرك أنه قد يكلف حياة إنسان.
خاتمة: الأمان ليس نفقة بل استثمار
يقول المثل الشعبي: “الوقاية خير من العلاج.” والحقيقة أن أغلب الحرائق في الأسواق والمحلات يمكن تجنبها بنسبة كبيرة جداً لو تم توخي الحذر والالتزام بالمعايير البسيطة منذ البداية.
الحملة في طنجة خطوة موفقة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى استمرارية وشراكة حقيقية بين السلطات والمجتمع والتجار أنفسهم. الأمان العام مسؤولية جماعية، وكل واحد منا — سواء كان بائعاً أو مشترياً — له دور في حماية نفسه ومن حوله.
ما رأيك أنت؟ هل شاهدت موقفاً مشابهاً في سوق قريبة منك؟ هل تعتقد أن التوعية كافية أم أن الحل يحتاج لخطوات أصعب؟ شارك رأيك في التعليقات.







اترك تعليقاً