عندما تفتح نافذة غرفة نومك صباحاً في الدار البيضاء أو فاس، وترى أحد أصدقائك يحزم أمتعته متوجهاً نحو أوروبا، لا تشعر برغبة في اللوم أو النقد فحسب. تشعر بالألم. هذا الألم الذي يعيشه آلاف الأسر المغربية كل عام ليس مجرد حكاية إنسانية عابرة، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في بنية المجتمع والاقتصاد والفرص المتاحة لجيل كامل.
في الآونة الأخيرة، أعادت أحزاب وتنظيمات سياسية فتح ملف الهجرة غير الشرعية والنزوح الطوعي للشباب، موجهة أصابع الاتهام نحو الحكومات التي تعاقبت على إدارة شؤون الدولة على مدار السنوات الماضية. هذا النقاش ليس جديداً، لكنه يستعيد أهميته كلما زاد عدد الشباب المختفين في أعماق البحار أو الصحاري، أو أولئك الذين يضطرون إلى البحث عن حياة أفضل بعيداً عن أوطانهم. فهل حقاً يقع على عاتق الحكومات وحدها السبب في هذا النزيف المستمر؟
الحقيقة المرة: فجوة بين الطموح والواقع
الشباب المغربي لم يختر الهجرة بدافع الغرور أو حب الاستطلاع البسيط. المعادلة أبسط وأقسى من ذلك: الطموح يقابله الإحباط. فالشاب الذي ينهي دراسته الجامعية أو المهنية بتفانٍ وجد، يفتش عن فرصة عمل تليق بكفاءته وشهاداته، فلا يجد إلا عروضاً هزيلة بأجور لا تكفي حتى لسداد إيجار غرفة صغيرة. هذا ليس تهويلاً أو مبالغة، بل واقع معاش يومياً في سوق العمل المغربي.
الحكومات المتعاقبة، والتي تنوّعت اتجاهاتها السياسية، لم تستطع أن توفر البيئة الاقتصادية الحاضنة لخلق فرص عمل كافية وذات جودة. قطاع السياحة والخدمات يستقطب عدداً معيناً، لكنه لا يستوعب الملايين من الخريجين والعاطلين عن العمل. الصناعة لم تشهد النمو المتوقع. والزراعة، رغم أهميتها، لا تجذب الشباب المتعلم الذي يرغب في حياة أفضل. هنا يكمن جزء من المشكلة، وجزء آخر يتعلق بسياسات تعليمية وتدريبية لم تتمكن من مواكبة احتياجات السوق الفعلية.
دور الحكومة: من المسؤولية إلى التقصير
لا شك أن الدولة تتحمل مسؤولية كبيرة في معالجة هذا الوضع. فالاستثمار في التعليم والتدريب المهني، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة للشركات الوطنية والأجنبية، كل هذا من صميم واجبات الحكومة تجاه مواطنيها. إذا لم توفر الدولة هذه الشروط الأساسية، فإنها تترك أبناءها بلا خيار سوى البحث عن حظهم في الخارج.
لكن هنا يجب أن نكون عادلين في تقييمنا. ليست كل الحكومات متساوية في الأداء، وليست كل السياسات التي اتخذت كانت خاطئة بالكامل. هناك محاولات حقيقية لتحسين البيئة الاقتصادية وتطوير البنية التحتية، لكن السرعة والفعالية لم تكونا بالمستوى المطلوب في كثير من الأحيان. التقصير موجود، نعم، لكن الحل ليس بالبساطة التي قد تبدو عليها بعض النقادات السياسية.
لماذا لا نتحدث عن المسؤولية الجماعية؟
هنا تكمن النقطة التي غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام. الهجرة ليست مشكلة الحكومة وحدها، بل هي مشكلة مجتمعية معقدة تشترك فيها عوامل متعددة. الأسرة تلعب دوراً في تشكيل تطلعات الشاب وتوجيه اختياراته. المؤسسات التعليمية تتحمل مسؤولية إعداد أجيال قادرة على التكيف مع سوق العمل. القطاع الخاص يجب أن يساهم في خلق فرص عمل حقيقية. والمجتمع نفسه يجب أن يعيد النظر في قيمه وأولوياته، وأن لا يقلل من قيمة العمل اليدوي والتقني مقابل تمجيد الوظائف الحكومية التقليدية.
الشاب المغربي الذي يغادر وطنه لا يفعل ذلك لأنه يكره بلده، بل لأنه يحب نفسه ويريد لها الكرامة والاستقرار. قد يكون قرار الهجرة خياراً شجاعاً أو خياراً مرغماً، لكنه في كل الأحوال يعكس فشلاً جماعياً في بناء منظومة توفر للشباب ما يستحقه.
الحاجة إلى حوار حقيقي وليس لوم متبادل
بدلاً من أن نظل نتبادل الاتهامات بين الأحزاب والحكومات والمؤسسات، ربما حان الوقت لنجلس جميعاً على طاولة واحدة. الحكومة بمختلف توجهاتها، الأحزاب السياسية، رجال الأعمال، الأكاديميون، والشباب أنفسهم، يجب أن يتحاوروا بجدية حول خارطة طريق حقيقية وملموسة لخلق فرص عمل، وتحسين الأجور، وجعل البقاء في الوطن خياراً محترماً وليس قسراً أو هزيمة.
هذا الحوار يجب أن يركز على حلول عملية: تطوير المناطق الهامشية، تشجيع ريادة الأعمال الشابة بحوافز حقيقية، إنشاء مدارس ومراكز تدريب متخصصة تواكب احتياجات السوق الحقيقية، وليس احتياجات البرامج التقليدية التي لم تعد ذات صلة.
كلمة أخيرة: المسؤولية مشتركة والحل جماعي
الحقيقة أن الحكومات فعلاً تتحمل حصة كبيرة من المسؤولية، لكنها ليست الوحيدة. هذا لا يعني أن نتخلى عن المطالبة بأداء أفضل من جانب الدولة والقيادة السياسية، بل يعني أن نكون واقعيين وشاملين في فهمنا للمشكلة وحلولها. لا يمكن أن ننسى أيضاً أن كل شاب يغادر بلاده هو خسارة حقيقية للمجتمع، فهو يأخذ معه طاقته وكفاءته وقدرته على الإبداع والمساهمة في البناء.
ما رأيك أنت؟ هل تعتقد أن الحكومات وحدها مسؤولة، أم أن المسؤولية مشتركة بين أطراف عديدة؟ شاركنا تجربتك وآراءك في التعليقات.







اترك تعليقاً