الانتخابات في أي مجتمع تمثّل لحظة فاصلة، لحظة يُفترض أن تكون نبيلة الهدف، حيث يتنافس المرشحون على إقناع الناخبين برؤاهم وبرامجهم. لكن ماذا يحدث عندما تتحوّل هذه العملية الديمقراطية إلى أداة للضغط والابتزاز على رجال الأعمال والمستثمرين؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في الأيام الأخيرة على ساحة العمل السياسي والاقتصادي المغربي.
في مدينة طنجة، التي تُعتبر من أهم المراكز الاقتصادية والتجارية بالمملكة، ظهرت وقائع مقلقة تكشف أن بعض المرشحين في السباق الانتخابي لا يترددون في استغلال نفوذهم السياسي المتوقع للضغط على المستثمرين والمطورين العقاريين. هذه الممارسات لا تمسّ فقط سمعة العملية الانتخابية، بل تضرب في الصميم ثقة المجتمع بالنزاهة والشفافية، وتؤثر بشكل مباشر على استقرار المناخ الاقتصادي والاستثماري.
نمط متكرر في فترات الانتخابات
الممارسات غير الأخلاقية التي يشهدها المجال الاقتصادي قبل الاستحقاقات الانتخابية ليست ظاهرة جديدة تماماً، لكن تطورها وتنوّع أساليبها يثير قلقاً متزايداً بين أوساط العاملين في القطاع الخاص. ما يحدث هو أن بعض المرشحين أو من ينوب عنهم يتواصلون مع المستثمرين والمطورين بطلبات مباشرة أو ضمنية، قد تأخذ أشكالاً متعددة من التبرعات المالية إلى توظيف معارفهم، مقابل الحصول على “حماية” سياسية أو تسهيلات إدارية.
هذه الديناميكية تخلق سوق سوداء من النفوذ، حيث لا ينتصر من ينتج أو يستثمر بكفاءة، بل من يملك علاقات سياسية قوية أو يستطيع تحمّل نفقات “العلاقات العامة” مع المرشحين. والنتيجة أن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك قدرات مالية ضخمة تجد نفسها في موقع ضعيف، بينما تسير الموارد نحو جهات لديها القدرة على الاستجابة لهذه الطلبات الضمنية.
تأثير مباشر على المناخ الاستثماري
عندما يشعر المستثمر بأن نجاح مشروعه أو استقراره لا يعتمد على جودة عمله وكفاءة إدارته، بل على علاقته بمرشح سياسي، فإن هذا يفسد آليات السوق الصحيّة. رجال الأعمال الذين أخبرتهم وسائل إعلام محلية عن معاناتهم من هذه الضغوط يؤكدون أن الخوف من رفع الأسعار أو فرض قيود إدارية أو حتى سحب التراخيص يُستخدم كأداة ضغط فعّالة جداً.
هذا المناخ من عدم الاستقرار والخوف ينعكس بسلبية واضحة على قرارات الاستثمار والتوسّع والتوظيف. فشركة تشعر بأن نشاطها رهن بأهواء سياسية موسمية لن تجرؤ على الاستثمار في مشاريع طويلة الأجل أو توظيف عمّال إضافيين. هذا يعني قلة فرص عمل للشباب، وركود اقتصادي محلي، وفقدان ثقة المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن بيئة استثمارية آمنة وقابلة للتنبؤ.
جانب أخلاقي لا يمكن تجاهله
من الناحية الأخلاقية والدينية، هذه الممارسات تشكّل خروجاً واضحاً عن المبادئ التي يجب أن تحكم الحياة العامة. الإسلام يحرّم الابتزاز والظلم والاستغلال، والقرآن الكريم يذكّرنا بأهمية العدل والأمانة في التعامل. رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول”، وهذا الحديث يعكس رفضاً واضحاً لأي شكل من أشكال الفساد أو الاستغلال من قبل من يتولى مسؤولية ما.
المرشح الذي يسعى للسلطة باستخدام الابتزاز والضغط لا يختلف عن من يسرق أو يختلس، لأنه يأخذ حقاً ليس له بطرق ملتوية. وعندما يفعل هذا باسم العملية الانتخابية التي من المفترض أن تكون مقدسة وخدمة للصالح العام، فإن الإساءة تصبح مضاعفة.
الحماية القانونية والرقابة
من المهم أن نتذكّر أن هناك أطراً قانونية موجودة لحماية المستثمرين من هذه الممارسات. القانون المغربي يجرّم الابتزاز والضغط والفساد، وهناك هيئات رقابية مسؤولة عن مراقبة الأخلاقيات في السلوك الانتخابي. لكن الفجوة بين القانون والتطبيق غالباً ما تكون واسعة، خاصة عندما يتعلق الأمر برفع قضايا ضد مرشحين أو أشخاص ذي نفوذ، لأن المستثمرين يخافون من الانتقام أو الضغط الإضافي.
هنا تكمن مسؤولية الأجهزة الرقابية والقضائية في أن تأخذ هذه الشكاوى بجدية، وتفتح تحقيقات نزيهة بعيدة عن أي تدخلات سياسية. كما أن دور وسائل الإعلام في فضح هذه الممارسات يبقى حاسماً في خلق رقابة شعبية وسياسية على المرشحين.
ماذا على ناخب مغربي أن يفعل؟
كناخب، لديك سلطة حقيقية عند صندوق الاقتراع. عندما تسمع قصصاً عن مرشح يمارس الضغط والابتزاز على المستثمرين، يجب أن تسأل نفسك: هل يستحق هذا الشخص تمثيلي؟ هل سيخدم المصلحة العامة أم مصلحته الشخصية؟ التصويت الذكي يبدأ من معرفة سلوك المرشح قبل وصوله للسلطة.
كما أن المستثمرين أنفسهم يجب ألا يستسلموا للصمت. التبليغ عن هذه الممارسات، حتى بشكل مجهّل إذا لزم الأمر، يساعد على كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين.
في الختام
الانتخابات فرصة لاختيار قادة نزهاء وكفؤين، لا أداة للابتزاز والفساد. عندما تتحول إلى منصة للضغط على المستثمرين وابتزازهم، فإننا جميعاً خاسرون: المستثمرون يخسرون أموالهم وحرّيتهم، والاقتصاد يخسر استقراره، والمجتمع يخسر ثقته بالعملية السياسية ذاتها.
نحتاج إلى وعي جماعي بأهمية رفض هذه الممارسات من جميع الأطراف: المرشحون يجب أن يركزوا على برامجهم وليس على الابتزاز، والمستثمرون يجب ألا يستسلموا للضغط، والمؤسسات الرقابية يجب أن تقف بجدية ضد هذه السلوكيات.
ما رأيك؟ هل شهدت أو سمعت عن ممارسات مشابهة؟ شارك تعليقك وآراءك، فصوتك مهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وشفافية.







اترك تعليقاً