هل يُستشار الصحفيون قبل قرارات تخصهم؟

هل يُستشار الصحفيون قبل قرارات تخصهم؟

في كل مرة تسمع عن قرار حكومي جديد يتعلق بالإعلام والصحافة، تجد نفسك تتساءل: هل جلس أحد مع الناس الذين يعملون في هذا الحقل ليسمع رأيهم؟ هذا السؤال ليس من باب الفضول فحسب، بل هو يمس جوهر كيفية صنع القرارات التي تؤثر على مستقبل مهنة بأكملها. الحقيقة أن ثقافة الحوار والتشاور قبل الإقدام على خطوات تنظيمية جديدة ليست رفاهية، بل هي ضرورة حتمية لضمان قرارات عادلة وفعّالة.

قد تبدو هذه المسألة بعيدة عن حياتك اليومية، لكنها في الواقع تؤثر عليك بشكل مباشر. الصحفي الذي لا يشعر بأن صوته مسموع قد لا يكون قادراً على أداء دوره بكفاءة في تغطية الأحداث والقضايا التي تهمك أنت كمواطن. الإعلام الحر والقوي لا يتحقق إلا عندما يشعر المحترفون فيه بالأمان والاستقرار والاحترام.

الدعوة للحوار التي لم تُسمع

أطلقت المنظمات المهنية الممثلة لناشري الصحف وأصحاب المطابع والعاملين في القطاع الإعلامي منذ فترة صرخة استغاثة حقيقية. فقد وجدوا أنفسهم أمام تطورات وخطوات تنظيمية، خاصة فيما يتعلق بالعمليات الانتخابية الداخلية وتشكيل الهياكل الإدارية المختلفة، دون أن تُتاح لهم فرصة المشاركة الفعلية في النقاش أو تقديم مرئياتهم. هذا الاستبعاد ليس مسألة شعور بالغضب فقط، بل هو يعكس خللاً عميقاً في منهجية صنع القرار.

عندما تُتخذ قرارات تخص قطاعاً معيناً دون الاستماع لأصواته الحقيقية، نكون قد فقدنا فرصة ذهبية لبناء حل توافقي وشامل. المهنيون في أي مجال يملكون تجارب غنية وخبرات عملية على الأرض تمكّنهم من رؤية الثغرات والتحديات التي قد لا يراها صاحب القرار من مكتبه. إهمال هذه الأصوات معناه صياغة قرارات قد تكون نظرية وبعيدة عن الواقع العملي.

لماذا تستحق هذه المسألة انتباهك

الإعلام في أي دولة ليس مجرد وسيلة ترفيه أو نقل أخبار روتيني. إنه العين التي تراقب، والصوت الذي يسأل، والمرآة التي تعكس الحقائق. عندما نضعف المؤسسات الإعلامية بعدم احترام أصوات العاملين فيها، نضعف معاً قدرة المجتمع على معرفة الحقيقة بصراحة وشفافية. الصحفي الذي يشعر بأنه مهمش وغير مسموع قد لا يجد الدافع نفسه للتحقيق العميق والجودة العالية في عمله.

من جهة ثانية، فإن احترام الحوار والتشاور مع المنظمات المهنية يعزز من ثقة المواطن بالمؤسسات. عندما يرى أن القرارات تُتخذ بعد استشارة حقيقية وحوار جادّ مع أصحاب الخبرة، يزيد اعتقاده بأن هذه القرارات مدروسة وعادلة. أما عندما يشعر بأن القرارات تُفرض بصورة أحادية الجانب، فإن السخط والعدم الرضا قد يسيران في الأوساط المهنية، وهذا بدوره ينعكس على جودة الخدمة المقدمة للجميع.

التشاور كضرورة تنظيمية

في الديمقراطيات الحقة، يُعتبر التشاور مع الأطراف المعنية خطوة أساسية قبل تبني أي سياسة جديدة أو إجراء تنظيمي. هذا ليس رفاهية أو لطف، بل هو مبدأ حوكمة سليم. عندما تريد الحكومة أو الجهات المسؤولة تطبيق نظام انتخابي جديد أو إعادة تنظيم هياكل إدارية في قطاع معين، من الواجب عليها أن تستجمع آراء المتخصصين والممارسين الفعليين قبل الإقدام على التنفيذ.

هذا النوع من الحوار لا يؤخر العملية بقدر ما يحسّنها. فمن خلال الاستماع للملاحظات والاقتراحات، قد يتبين أن هناك مشاكل لم تكن واضحة، أو فرص لم تكن مرئية. النتيجة تكون قراراً أقوى وأكثر استدامة، وأسهل في التطبيق لأن جميع الأطراف شعروا أن أصواتهم حُسِبت في الحساب.

أين يكمن الخلل؟

الغياب الواضح للتشاور يطرح عدداً من الأسئلة الجدية. هل هناك ضعف في القنوات التواصلية بين الجهات المسؤولة والمنظمات المهنية؟ هل هناك تقدير ضعيف لأهمية هذه المنظمات وتمثيلها للصوت الحقيقي للقطاع؟ أم أن هناك استعجالية في الجدول الزمني تترك مجالاً ضيقاً للحوار؟ مهما كان السبب، النتيجة واحدة: شعور بالإقصاء والعدم الاحترام.

من المهم أيضاً أن نتذكر أن المنظمات المهنية ليست خصماً على الجهات الحكومية، بل هي شريك طبيعي في العملية. دورها هو الدفاع عن مصالح أعضائها بطريقة منظمة وبناءة، وتقديم الخبرة والتوجيه الذي يمكن أن يثري أي قرار. إهمالها يعني فقدان جسر تواصل مهم بين صناع السياسة وأرض الواقع.

ما الذي يجب أن يتغير؟

الطريق إلى الأمام واضح نسبياً. يجب أن تصبح الاستشارة الحقيقية جزءاً من الإجراء الإداري القياسي عند اتخاذ قرارات تخص أي قطاع مهني. هذا يعني:

أولاً، تحديد مهل زمنية واقعية قبل تطبيق أي قرار، تسمح بفترة استشارة حقيقية وليس شكلية. ثانياً، إقامة آليات حوار رسمية وفعّالة تضمن أن أصوات الممثلين الحقيقيين للقطاع تصل للمسؤولين. ثالثاً، الالتزام بنشر نتائج الحوارات والمشاورات وشرح كيف تم الأخذ بالآراء أو الردّ على الاستفسارات.

خلاصة: الحوار كاستثمار

ربما يبدو أن هذا النقاش متخصص وبعيد، لكن في الحقيقة كلنا نستفيد من إعلام قوي واحترافي. وهذا الإعلام لا يتحقق إلا عندما يشعر من يعملون فيه بأنهم محترمون ومسموعون. الحوار والتشاور ليسا رفاهية أو إجراء روتيني، بل هما استثمار في جودة القرارات وفي استقرار القطاع ورفاهيته.

ما رأيك أنت؟ هل تعتقد أن الاستشارة مع المهنيين قبل اتخاذ القرارات يجب أن تكون إلزامية بالقانون؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية