📖 انتقال الالتزام — الفصل 6 من 6 — فهرس الكتاب
الحوالة التقليدية والحوالات المبسطة
في الحياة العملية نجد أنواعا مختلفة من حوالة الحق تتعدى ما رسمه المشرع في قانون الالتزامات والعقود، فهناك أنواع أخرى تخرج عمليا عن القواعد العامة للحوالة التي من أهم خصائصها الرضائية في ابرام عقد الحوالة، سنتحدث في هذا المحور عن ثلاثة أنواع من حوالة الحق، حوالة الحق التقليدية، حوالات الحق المبسطة ثم الحوالة المصرفية .
حوالة الحق التقليدية
هي الحوالة التي ينظم أحكامها قانون الالتزامات والعقود، وهي التي تطرقنا إلى مقتضياتها خلال المحاور السابقة، حيث جاءت المقتضيات المؤطرة لها في الفصول ما بين 189 و 207 فهي عقد يبرم بين الدائن المحيل والدائن الجديد المحال له ولا حاجة في انعقادها الى رضاء المدين لأنه ليس طرفا في العقد، ويخضع هذا العقد للأحكام العامة للعقود .
حوالات الحق المبسطة
هذا النوع من الحوالات لا يخضع لأنماط عقدية أو تنازلات نظرا لتعلق هذه الحوالات بالميدان التجاري فيمكن أن تتم بسرعة وبشكل أكثر مرونة، نتحدث هنا عن السندات القابلة للتداول و حوالة الديون المهنية.
أولا : السندات القابلة للتداول
نتحدث عن السندات للحامل، السندات لأمر، والسندات الاسمية، وهي كلها منظمة في إطار القانون التجاري .
السند للحامل : تحتوي في ذاتها الحق في الدين، بحيث أن أي حامل مستند يعتبر بواقع الاحتجاز المادي للسند حائزا للدين، ويقال إن الحق الدين مندمج في السند، فالسند يثبت الدين بحد ذاته، والتنازل فيه بسيط للغاية، حيث يكتفى بنقل المستند ماديا الى أي شخص ليصبح حاملا للسند وصاحب حق في الدين ويمكنه تقديم السند للدفع .
صور هذا السند متعددة في مدونة التجارة المغربية منها :
الشيك للحامل : جاء في المادة 262 من مدونة التجارة ” يجوز للحامل متى تضمن التظهير عبارة “مبلغ محصل” أو عبارة “من أجل الاستخلاص” .. أن يمارس جميع الحقوق الناتجة عن الشيك ..”
الكمبيالة للحامل : جاء في المادة 168 من مدونة التجارة ” ينقل التظهير جميع الحقوق الناشئة عن الكمبيالة، يجوز للحامل في حالة التظهير على بياض : أن يملأ البياض باسمه أو باسم أي شخص آخر، أن يظهر الكمبيالة من جديد على بياض لشخص آخر، أو يسلم الكمبيالة للغير دون ملء البياض ودون تظهيرها “
القيم المنقولة للحامل : أو أسهم الشركات
بطاقة اللوتو، أو الرهان المتبادل المديني الذي يدفع للحامل في حالة الربح
كل سند مدني يمكن تنظيمه “للحامل” مثل بطاقة المشاهد أو غيرها .
السندات لأمر : ويتعلق الامر هنا بمستند يحمل أمرا للمدين بالدفع “لأمر فلان” أي الشخص الذي يعينه، وتشكل السندات لأمر أو ما يسمى بالسندات التجارية مثل الشيكات والكمبيالات، وسائل دفع حيث يدفع الدائن لدائنيه بأن ينقل على هذا النحو الدين الذي يحوزه على مدينه، ويمكن أن يتعلق بديون مدنية أو تجارية، نشير إلى أن السند لأمر تطبق عليه أحكام الكمبيالة حسب المادتين 234 و 235 من مدونة التجارة .
السندات الاسمية : توصف بذلك لأنها تحمل اسم صاحبها، ويوجد سجل خاص بملكية السندات الاسمية لدى الجهات المصدرة، هذه السندات الاسمية أو المسجلة يمكن أن تكون مسجلة بالكامل حيث يشمل التسجيل هنا الدين الاصلي وفائدته، كما يمكن أن تكون مسجلة تسجيلا جزئيا ويقتصر التسجيل هنا على أصل الدين فقط، أما الفائدة فتأخذ شكل كوبونات ترفق بالسند وتنزع منه بمجرد استحقاقها لتحصيلها من البنك، ويمكن أن نسميها السندات المنظمة باسم الدائن مع تسجيل اسمه في سجلات المدين و هذا التسجيل يؤدي وحده الى نقل الدين لصالح الحائز، ولا يستعمل هذا الشكل الا بالنسبة الى سندات القرض المسماة بالأسهم المتعلقة بالأشخاص العموميين أو الشركات التجارية والاسهم والحصص في شركة .
حوالة الديون المهنية وفق مدونة التجارة
ثانيا : حوالة الحق المهنية أو حوالة الديون المهنية
نظمت مدونة التجارة هذا النوع من الحوالة في المواد ما بين 529 و 536، وواضح ان حوالة الديون المهنية مرتبطة بالنشاط المهني وهو ما نصت عليه المادة 529 من مدونة التجارة بالقول : ” يمكن لكل شخص طبيعي أثناء مزاولة نشاطه المهني أو لكل شخص معنوي خاضع للقانون الخاص أو للقانون العام، تحويل كل دين ممسوك على أحد الأغيار، سواء أكان شخصا طبيعيا أثناء مزاولة نشاطه المهني أم شخصا معنويا خاضعا للقانون الخاص أو القانون العام، بمجرد تسليم قائمة لمؤسسة بنكية. ينقل التفويت للمؤسسة المفوت لها ملكية الدين المحال سواء مقابل تسبيق كلي أو جزئي لمبلغه أو ضمانا لكل ائتمان سلمته المؤسسة أو ستسلمه للمحيل “
وحيثما تعلق الامر بالديون المهنية فإنها تقبل الحوالة سواء كانت حقوقا أو ديونا ثابتة أو متنازع فيها، و سواء كانت ناتجة عن تصرف متوقع الحدوث أم لا، وسواء كان مبلغ الدين وتاريخ حلوله غير محددين أو كان ذلك محددا، وسواء تمت بموافقة المدين أم لا . كما تنقل الحوالة المهنية للمحال له الضمانات التي تضمن الدين، وحيثما كان الحق في الحوالة المهنية مضمونا فإن المحيل يضمن بالتضامن أداء الدين المحال .
بيانات قائمة الديون المهنية : فالقائمة التي تسلم الى المؤسسة البنكية والمتعلقة بالديون المهنية المشار اليها في المادة 529 يجب أن تتضمن بيانات ورد ذكرها في المادة 531 ” توقع القائمة من طرف المحيل . تؤرخ من طرف المحال له، تتضمن البيانات التالية:
1 – التسمية: “محرر حوالة ديون مهنية”؛
2 – الإشارة إلى أن المحرر خاضع لمقتضيات هذا الباب؛
– 3اسم أو تسمية المؤسسة البنكية المستفيدة؛
– 4لائحة الديون المحالة، مع الإشارة، بالنسبة لكل واحد منها، للعناصر التي تمكن من تشخيصها، وخصوصا بذكر اسم المدين ومكان الأداء ومبلغها أو قيمتها وتاريخ استحقاقها واحتمالا رقم الفاتورة.
غير أنه، حين يتم نقل الديون المحالة بطريق إعلاماتي يسمح بالتعريف بها، فإن اللائحة يمكن أن تقتصر، إضافة إلى البيانات موضوع البنود 1 و2 و3 واحتمالا 5 من هذه المادة، على الإشارة إلى الوسيلة التي تم النقل بواسطتها وإلى عدد الديون ومبلغها الإجمالي.
في حالة المنازعة المتعلقة بوجود أو بنقل أحد تلك الديون، يحق للمحال له أن يثبت بجميع الوسائل أن دينه موضوع المنازعة يدخل في المبلغ الإجمالي المسجل في القائمة.
– 5كل البيانات التي تسمح بالتحقق من الائتمان المضمون.
إذا كان السند غير موقع من طرف المحيل، وغير مؤرخ من طرف المحال له، فلا يعتد به كحوالة ديون مهنية متى كان ينقصه أحد البيانات المشار إليها أعلاه.”
اضافة لذلك فإن القائمة يمكن أن تنجز “لأمر” وآنذاك لا تنتقل إلا لمؤسسة بنكية أخرى
لنعط مثالا، في البداية تكون للمقاول ديون على شركة أو شخص طبيعي في نطاق مزاولة نشاط تجاري، وهذه الديون مثبتة بوثائق كالطلبية وورقة الاستلام والفاتورة. يملأ المقاول قائمة بجرد لديونه، التي سيحيلها لفائدة البنك مع الإشارة للعناصر، التي تساعد على تشخيصها، نذكُر بالخصوص اسم المَدِين، ومكان الأداء، ومبلغ الفاتورة، رقمها وتاريخ أجلها. ويجب أن تحمل القائمة اسم «مُحَرَّر حوالة ديون مهنية»، مع الإشارة كتابيا إلى أنها تخضع لمقتضيات المادة 531 من مدونة التجارة، ثم يسلم المقاول القائمة مذيلة بتوقيعه ومُرفَقة بالوثائق التي تُثبِت واقعية ديونه المذكورة أعلاه.
للإشارة، ابتداء من تاريخ توقيع المحرر، لا يمكن للمُحيل (أي المقاول) أن يغير مدى الحقوق المرتبطة بالديون التي أحالها. مثلا ليس له الحق في تمديد الآجال أو منح تخفيض في الثمن، لأن الفواتير، وبالتالي الديون المتعلقة بها، لم تعد في ملكيته، بل آلت إلى مؤسسة التمويل. كذلك ليس له الحق في سحب كمبيالة على التجار الذين فَوَّت ديونهم لأنه سيدخل في خانة مَن سيستخلص دينا مرتين، إشارة ثالثة ذات أهمية هي أن حوالة الديون المهنية ممكنه حتى في ما يتعلق بعملية متوقعة الحدوث، لكنها لم تقع بعد وإن كان تاريخ حلولها ومبلغها غير محددين .
بُعَيْد مراقبة الوثائق، تقوم مؤسسة التمويل بتبليغ التجار أو الشركات المدينة للتاجر، بأن ديونهم أُحِيلت لفائدتها من طرف هذا الأخير، وأنهم يجب أن يؤدوا ما بذمتهم بين أيديها حصريا. ثم تضع رهن إشارة المقاول مُقابل الفاتورات لكي يستفيد منها. بعدئذ تتابع مؤسسة التمويل استخلاص الفواتير حسب التواريخ المبينة في اللائحة التي أودعها المقاول لديها. ما العمل في حالة عدم أداء الفواتير؟ حسب المادة 532 من مدونة التجارة، تَنْقُل الحوالة للمُحالِ لَه الضمانات التي تضمن الدين، ويضْمن المُحيل بالتضامن أداء الدين المُحَال. وهذا يعني أن المحال له (مؤسسة التمويل) يستفيد من الضمانات الشخصية، التي كان يستفيد منها التاجر، مثلا حق استرجاع البضاعة. في آخر المطاف وإن اقتضى الحال في حالة إعسار المُحيل (أو المُفَوِّت) أي المقاول الذي أحال لها الفاتورة، يمكن لمؤسسة التمويل الرجوع عليه، لأنه هو الضامن، كما يجوز لها ملاحقة المدين بالفاتورة مباشرة بفعل محرر حوالة الديون.
لكي نفهم مسألة تفويت الديون المهنية لعملية متوقعة الحدوث، مبلغها وتاريخ حلولها غير محددين، نسوق المثال الآتي، لنفترض أن شركة توزيع الماء والكهرباء بمدينة ما، تنوي إنجاز استثمارات مهمة في ميدان تطهير المياه العادمة، أو مد مناطق بعيدة بالماء الصالح للشرب، وأنها تريد الحصول على تمويل بنكي لهذه المشاريع، ستقوم بتحويل ديون مهنية على عشرات الآلاف من المشتركين في شبكة توزيع الماء والكهرباء لفائدة مؤسسة التمويل، لكن حيث أنها لا تستطيع تحديد الاستهلاك مسبقا لكل مشترك، كما أنها لا تعرف متى سيؤدي هذا المشترك الفاتورة، كانت ستكون في مأزق وسيتعذر عليها الحصول على التمويل. من أجل حل هذا النوع من الإشكاليات، جاءت المادة 530 من مدونة التجارة التي تقول «خلافا لمقتضيات الفصلين 190 و192 من قانون الالتزامات والعقود، يكون كل دين قابلا للتحويل حتى وإن نتج عن تصرف مُتَوَقع الحدوث، وكان مبلغه وتاريخ حلوله غير محددين» فيجوز إذن قانونا تحويل ديون متوقعة مسبقا والحصول على التسبيقات عنها في انتظار إنجاز المقابل، أما في ما يخص الأمور المدنية فهذه العملية لا تجوز، لأن الأصل أن الديون المحتملة لا يمكن نقلها أو تفويتها. مثلا لا يمكن للمكتري أن يوقع التزاما قطعيا بأداء كراء السنوات الثلاث المقبلة لشخص من الأغيار (بنك مثلا) يُعَيِّنُه مالك المحل المكري، لأن المكتري لا يضمن أنه سيبقى مكتريا طوال هذه المدة.
آثار حوالة الديون المهنية :
المواد 534 و 535 و 536 من مدونة التجارة .
المادة 534
“يسري مفعول الحوالة ما بين الأطراف ويواجه به الأغيار، من التاريخ المدون على القائمة. ابتداء من هذا التاريخ، لا يمكن للمحيل بدون موافقة المحال له، أن يغير مدى الحقوق المرتبطة بالديون المعددة بالقائمة.”
المادة 535
“يمكن للمحال له في أي وقت أن يمنع المدين بالدين المحال، من الأداء بين يدي المحيل. لا يتحلل المدين تبعا له بصورة صحيحة إلا بالأداء للمحال له.”
المادة 536
” بناء على طلب المحال له، يمكن للمدين أن يلتزم بأن يؤدي له مباشرة؛ يثبت هذا الالتزام، تحت طائلة البطلان، كتابة بعنوان “محرر قبول حوالة دين مهني”، في هذه الحالة، لا يمكن للمدين مواجهة المحال له بالدفوع المبنية على علاقاته الشخصية بالمحيل إلا إذا تعمد المحال له بقبوله الدين الإضرار بالمدين.”
الحوالة المصرفية العادية والإلكترونية
ثالثا : الحوالة المصرفية أو الحوالة المركبة
هي نوع آخر من أنواع الحوالات، تتصف بنوع من الرسمية الاجرائية، وينظم أحكامها المواد من 519 الى 523 من مدونة التجارة، ويتعلق الامر بالحوالة المصرفية بنوعيها التقليدية والالكترونية، والسبب في اطلاق وصف المركبة على هذا النوع من الحوالات يرجع الى تداخل أحكامها وصعوبة تكييفها .
النوع الاول : الحوالة البنكية أو الحوالة المصرفية العادية
عرفتها المادة 519 من مدونة التجارة : ” التحويل عملية بنكية يتم بمقتضاها إنقاص حساب المودع، بناء على أمره الكتابي بقدر مبلغ معين يقيد في حساب آخر.
تمكن هذه العملية من:
1 – نقل مبلغ نقدي من شخص إلى آخر، لكل منهما حساب، لدى المؤسسة البنكية ذاتها أو لدى مؤسستين بنكيتين مختلفتين؛
2 – نقل مبلغ نقدي بين حسابات مختلفة مفتوحة باسم نفس الشخص لدى المؤسسة البنكية ذاتها أو لدى مؤسستين بنكيتين مختلفتين.
إذا كان المستفيد من التحويل مكلفا بنقل المبلغ إلى الجانب الدائن من حساب شخص آخر، وجب ذكر اسم هذا الأخير في أمر التحويل.”
يتبين أن الحوالة المصرفية هي عملية بنكية مفادها نقل مبلغ نقدي من حساب الى حساب اخر في نفس المؤسسة البنكية أو في مؤسسة بنكية أخرى، فهي عملية لا تكون دائما قاصرة على تحويلات بين حسابات في مؤسسة بنكية واحدة بل يمكن نقل وتحويل الاموال بين حسابات في بنوك مختلفة ولو كانت من بنك مغربي الى بنك اجنبي أو العكس، كما نلاحظ اشتراط شكلية الكتابة لأمر التحويل المصرفي لأن الكتابة هنا شرط انعقاد . والمشرع المغربي لا يجعل أمر اثبات اسم المحول أو المستفيد من التحويل من الشكليات الاساسية في العقد، لكنه أشار الى حالة واحدة يجب أن يكون أمر التحويل فيها اسميا وهي الحالة ما اذا كان المستفيد من التحويل مكلفا بنقل المبلغ الى الجانب الدائن من حساب شخص اخر ففي هذه الحالة يجب ذكر اسم هذا الاخير في أمر التحويل .
التكييف القانوني للحوالة المصرفية :
جانب من الفقه اعتبرها حوالة حق، لأن رصيد الآمر يمثل دينا مستحقا له في مواجهة البنك، وبالتالي فان هذا الدين ينتقل من حساب الآمر بالتحويل الى حساب المستفيد منه، وبالتالي لا بد أن يكون التحويل المصرفي في جوهره حوالة حق، وتبعا لهذا التكييف يكون الآمر بالتحويل هو المحيل والمستفيد هو المحال له والبنك هو المدين المحال عليه، ويعني ذلك أن البنك يمكنه التمسك بكافة الدفوع التي كانت ثابتة له قِبل الآمر بالتحويل، وفي ذلك ما يقيد إجراءات تداول الحوالة المصرفية، حيث أن أي خلاف قد ينشأ بين أطرافها قد يحول دون تنفيذها كما أن ذلك لا يستقيم مع طبيعة عمل البنك بصفته وكيلا .
لهذا كان تكييف الحوالة المصرفية بكونها إحدى صور حوالة الحق أمر لا يمكن قبوله ولا الاخذ به نظرا لكثرة التعقيدات التي تعيق الحوالة المصرفية بسبب هذا التكييف، لذلك كان لا بد من ضرورة تحرر الحوالة المصرفية من قيود القانون المدني التي تؤخر تنفيذها للمستفيد منها، كما أن هذا الوصف لا ينطبق على الحالة التي تتم فيها الحوالة المصرفية بين حسابين لنفس الشخص، لذلك وجب استيعاد قواعد القانون المدني عن هذا النوع من الحوالات وإن جاز من حيث الطبيعة اعتبارها حوالة حق، لكنها تبقى عمليات بنكية ناشئة عن نظم قانونية حديثة، فهي بذلك عمليات مادية تشبه عملية تسليم النقود من الناحية المادية والقانونية، كما أن التداول بالطرق التجارية يتميز عن التداول بالطرق المدنية ببساطة الاجراءات وسرعتها فضلا عن زيادة الضمان حتى تتمكن الورقة التجارية من أداء وظيفتها على أكمل وجه باعتبارها وسيلة ائتمان فعالة بين التجار .
أحكام الحوالة المصرفية :
نجدها في المواد ما بين 520 و 523 من مدونة التجارة
المادة 520
يصح الأمر بالتحويل سواء تعلق بمبالغ تم تقييدها بحساب الآمر أو بمبالغ يجب تقييدها به، داخل أجل سبق الاتفاق عليه مع المؤسسة البنكية.
المادة 521
يصبح المستفيد من التحويل مالكا للمبلغ الذي يتعين نقله من وقت خصمه من طرف المؤسسة البنكية من حساب الآمر.
ويجوز التراجع عن الأمر بالتحويل إلى ذلك الحين.
المادة 522
يبقى الدين الذي صدر أمر التحويل وفاء له قائما بضماناته وتوابعه إلى أن يقيد المبلغ فعلا في الجانب الدائن من حساب المستفيد.
المادة 523
إن بنك الآمر يسأل عن أخطاء الأبناك التي يحلها محله في تنفيذ التحويل سواء اختارها أم لا، مع حفظ حق بنك الآمر في الرجوع على تلك الأبناك.
النوع الثاني : الحوالة المصرفية الالكترونية
لا تختلف في مفهومها عن عقد التحويل المصرفي العادي سوى بوجود وسائل اتصال عن بعد “الكترونية” تتدخل في العقد سواء في انشائه أو تنفيذه .
نورد هنا التعريف الذي اقترحه قانون تحويل الاموال الإلكترونية الامريكي للحوالة المصرفية الالكترونية الذي نص على ما يلي ” أي عملية تحويل للأموال تبدأ أو تنفذ من خلال وسيلة إلكترونية كالهاتف أو الحاسوب أو شريط مغناطيسي بهدف أمر أو توجيه أو تفويض منشأة مالية بإجراء قيد دائن أو مدين في الحساب” كما يعرف هذا القانون الاتصال الالكتروني بأنه ” الرسالة المرسلة الكترونيا بين العميل والمنشأة المالية بصورة تسمح بعرض ورؤية نص الرسالة بواسطة وسيلة عرض كشاشة الحاسوب الشخصي ” ويكاد يكون هذا التعريف هو التعريف التشريعي الوحيد الموجود لعقد التحويل المصرفي الالكتروني .
تكييف عقد الحوالة المصرفية الالكترونية
ذهب الاستاذ هامل الى أن التحويل المصرفي عملية واحدة مركبة من عدة عناصر، لكل منها طبيعتها القانونية، فقد قسم التحويل المصرفي الى عدة عناصر :
أولها الأمر بالتحويل الصادر عن الآمر الى البنك، ومن ثم عملية الوفاء من قبل البنك للمستفيد، وقد اعتبرها كعملية تسليم نقدي للقيمة، وآخرها ايداع المستفيد للمبلغ الموفى (قيمة الحوالة) في حسابه لدى البنك الموفي .
لقد اعتبر الاستاذ هامل أن البنك عندما ينفذ عملية التحويل فإن عملية مركبة تتم في لحظات ويرتب كل جزء من هذه العملية آثاره القانونية . فبالنسبة للآمر بالتحويل يعد التحويل وفاء للدين الذي في ذمته للمستفيد واستيفاء لدينه لدى البنك، أما بالنسبة للبنك فتعتبر وفاء بدين في ذمته للآمر والتزاما جديدا ينشأ في ذمته لصالح المستفيد، أما بالنسبة للمستفيد فالعملية استيفاء لدينه الذي في ذمة الآمر وايداع للمبلغ لدى البنك .
لكن جانبا آخر من الفقه لم يتفق على تجزئة العملية، واعتبر أن التزام البنك قبل المستفيد لا يجد سببه في أمر التحويل وإنما يجد سببه في هذا القيد الذي يجعل البنك مدينا للمستفيد بالمبلغ الذي تم قيده في حساب المستفيد .
جاءت نظرية ثالثة على إثر النقد الموجه الى هامل وقالت بأن التحويل المصرفي عملية مركبة من عمليتين رئيسيتين هما الامر بالتحويل، وتنفيذ هذا الامر، فيصبح بمقتضاه البنك مدينا للمستفيد واعتبرت هذه النظرية أن العملية الثانية نتيجة للأولى وليس بينهما وحدة قانونية وبالتالي فالتحويل المصرفي وسيلة فنية لتنفيذ عدة عمليات قانونية .
هذه النظريات كلها تعاملت مع الحوالة المصرفية سواء العادية أو الإلكترونية باعتبارها عملية مصرفية أو وسيلة فنية لنقل الاموال عن طريق المناولة أو التسليم اليدوي تستمد مشروعيتها من العرف المصرفي وترتب نتائجها بمقتضاه . يبقى أن هذه النظريات أغفلت شيئا مهما وهو أن هذا التحويل يرتب التزامات وواجبات متبادلة بين الاطراف، والوسيلة التي تستطيع أن ترتب هذه الالتزامات في الذمة هي التي نسميها عقدا، خاصة اذا علمنا أن جوهر هذه العملية المصرفية أو البنكية هو كونها تصرف قانوني ناشئ عن تراض بين طرفين بتطابق الايجاب من أحدهما وقبول الاخر، هما الآمر بالصرف والبنك على اعتبار أن التعاقد قد ينشأ بينهما دون تدخل من المستفيد كونه ليس طرفا في هذا العقد .
📗 خلاصة الباب
- إلى جانب الحوالة التقليدية، طوّر القانون التجاري صوراً مبسّطة وأسرع: السندات القابلة للتداول (للحامل، لأمر، الاسمية) وحوالة الديون المهنية (م529-536 مدونة التجارة) التي تتم بمجرد تسليم قائمة موقّعة لمؤسسة بنكية.
- حوالة الديون المهنية تجيز تحويل ديون مستقبلية غير محددة المبلغ والتاريخ خلافاً للقاعدة المدنية العامة، خدمة لاحتياجات التمويل البنكي الحديث.
- الحوالة المصرفية (التقليدية والإلكترونية) عملية بنكية مركّبة يختلف الفقه في تكييفها بين اعتبارها حوالة حق أو عملية بنكية مستقلة، وتنظمها المواد 519-523 من مدونة التجارة.
◀ الفصل السابق: الباب الرابع: حوالة الحق
اترك تعليقاً