فتحت رئاسة الحرس الملكي في السعودية باب التجنيد والوظائف العسكرية لدورة جديدة، محدّدة المؤهلات ورابط التسجيل الإلكتروني. الخبر الذي بثته وسائل إعلام عربية، من بينها موقع “العين الإخبارية”، بدا للوهلة الأولى شأناً داخلياً صرفاً يهم السعوديين وحدهم. لكن المفارقة ظهرت سريعاً على منصات التواصل وشبكات التراسل الفوري في المغرب، حيث أعيد تداول الإعلان بكثافة داخل مجموعات البحث عن فرص العمل، مصحوباً بأسئلة تبحث عن ثغرة تتيح للأجانب التقديم.
ما الذي يجعل إعلاناً عسكرياً سيادياً في أقصى الخليج يتحول إلى مادة تثير ترقب شباب في الدار البيضاء، وفاس، ومراكش؟ وأين تقع الحدود الفاصلة بين حقيقة الشروط الصارمة المعلنة، وبين أوهام “العقود الخليجية” التي تصطاد الحالمين بالهجرة؟
تفاصيل الإعلان وشروط البوابة الموصدة
بحسب المعطيات المنشورة، وضعت قيادة الحرس الملكي السعودي حزمة من الشروط النظامية والمؤهلات المطلوبة للراغبين في الالتحاق بصفوفها. الشروط، كالعادة في القطاعات الأمنية الحساسة، تركز على اللياقة البدنية الصارمة، والمستوى التعليمي الذي يبدأ من الثانوية العامة فما فوق، إضافة إلى اجتياز الفحوص الطبية والمقابلات الشخصية عبر الرابط الرسمي المخصص للتسجيل الإلكتروني.
الأهم من كل تلك التفاصيل التقنية هو الشرط البديهي الأول: الجنسية السعودية أصلاً ومنشأً. هذا القيد ليس استثناءً، بل هو القاعدة الثابتة في كافة الأجهزة العسكرية والأمنية الملكية حول العالم، تماماً كما هو الحال في المغرب مع جهاز الحرس الملكي أو القوات المسلحة الملكية، حيث الانتماء الوطني والولاء الدستوري شرطان لا يقبلان التفاوض أو التدويل.
المنصات الرسمية وفرت رابطاً تقنياً واضحاً لتسجيل الطلبات وتدقيق الوثائق، محذرة من الانسياق وراء أي روابط وسيطة أو جهات تدعي تسريع القبول. البيانات واضحة ولا لبس فيها: وظائف عسكرية لمواطني المملكة العربية السعودية، لمرحلة زمنية محددة، وبآليات فحص دقيقة تعتمد الهوية الوطنية الرقمية.
لماذا يتداول المغاربة خبراً لا يعنيهم رسمياً؟
حين يصل إعلان وظيفي سعودي إلى صدارة النقاش في صفحات التوظيف المغربية، فإن المشهد يتجاوز مجرد خطأ في القراءة. الإشكال هنا نفسي واجتماعي بالأساس. ثمة تعطش مستمر لأي نافذة عمل في الخليج العربي، تغذيه الصورة النمطية القديمة عن الامتيازات المالية وفرص الاستقرار، حتى لو كان القطاع المعلن عنه جهازاً أمنياً نخبوياً يدرك أي متابع استحالة فتحه أمام غير حاملي الجنسية.
بعض الصفحات الرقمية غير المسؤولة تسهم في تعميق هذا اللبس. تلجأ تلك المنصات إلى صياغة عناوين مضللة من قبيل “فتح باب التوظيف برواتب مغرية في الحرس الملكي”، مع إغفال كلمة “السعودي” حيناً، أو إسقاط شرط “الجنسية” أحياناً أخرى، بهدف حصد النقرات وزيادة التفاعل. يسقط الباحث المغربي عن العمل في فخ هذا العنوان المبتور، متوهماً وجود مبادرة لتوظيف كفاءات أمنية أو حراسات خاصة بعقود عمل خارجية.
التشابه في المصطلحات يلعب دوره أيضاً. كلمة “الحرس الملكي” في المخيال المغربي ترتبط بالهيبة، والانضباط، ومؤسسة عريقة متجذرة في التاريخ العسكري للمملكة المغربية. وحين يقرأ المتصفح العادي خبراً عن “وظائف الحرس الملكي”، قد يختلط عليه الأمر بين إعلان وطني مغربي وإعلان سعودي، قبل أن تقوده التفاصيل إلى حقيقة التوزيع الجغرافي للوظيفة.
الفجوة بين المعلن وسوق الوهم
الظاهرة تكشف عن فجوة أعمق وأخطر تتعلق باقتصاد الوهم الرقمي. في الوقت الذي تنشر فيه المؤسسات الرسمية روابطها الحكومية الآمنة، تستغل شبكات النصب الإلكتروني هذا النوع من الأخبار الرائجة لإطلاق صفحات تسجيل وهمية، تستهدف الشباب في شمال إفريقيا. يطلب هؤلاء من الضحايا ملء بيانات شخصية دقيقة، أو دفع رسوم رمزية تحت ذريعة “معالجة الملف” أو “حجز موعد مقابلة” لفرص عمل في الخليج.
المعطيات الصادرة عن الرياض لا تحتمل التأويل، ولم تتضمن أي إشارة إلى برامج استقدام خارجي أو عقود مدنية مساندة يمكن أن تشمل جنسيات أخرى. ورغم هذا الوضوح الحاسم، يصر البعض في الفضاء الأزرق على طرح أسئلة من قبيل: “هل يشمل التسجيل أبناء الجاليات؟” أو “كيف يمكن لحاملي الدبلومات المغربية التقديم؟”، وهو ما يبرز فجوة هائلة في الثقافة القانونية المرتبطة بأنظمة الوظيفة العمومية والعسكرية في البلدان الشقيقة.
السعودية نفسها تسير بخطى متسارعة نحو توطين قطاعاتها الحيوية، فكيف بقطاع حماية المنشآت والشخصيات السيادية؟ خطط التوطين هناك لم تعد تقتصر على الوظائف العسكرية المحسومة تاريخياً، بل امتدت لتشمل قطاعات تقنية ومدنية وإدارية كانت تستقبل آلاف الكفاءات العربية، ما يعني أن مساحة استقدام اليد العاملة تضيق عملياً في معظم الميادين، لا سيما في الوظائف الرسمية.
ما الذي يتغير فعلاً عند القارئ المغربي؟
حين ينجلي غبار العناوين المثيرة، لا يجد الباحث المغربي عن فرصة عمل في هذا الخبر سوى معلومة خارجية عن شأن بلد شقيق ينظم شؤون دفاعه وحراسته. ما يتغير حقاً هو ضرورة النضج في التعامل مع المحتوى الإخباري المتدفق عبر الحدود.
الخبر الذي بثته منصات عربية مثل “العين” هو تقرير خدمي موجه بالدرجة الأولى إلى القارئ في الداخل السعودي، لكن نشره في بيئة مفتوحة حوله إلى طعم رقمي في أسواق التوظيف المغاربية. المستفيد الوحيد من ترويج هذه الإعلانات خارج سياقها الوطني هم صناع المحتوى الباحثون عن المشاهدات الرخيصة، بينما يدفع الشاب الباحث عن أفق مهني كلفة الإحباط بعد كل رحلة بحث تنتهي أمام بوابة مغلقة بشرط الجنسية.
إن إعادة قراءة مثل هذه الأخبار بوعي صحفي رصين تضع الأمور في نصابها الصحيح: الحرس الملكي السعودي يجدد دماء كوادره من بين أبناء بلده وفق معايير صارمة، كما تفعل كل دولة تحترم سيادتها. أما انتظار فرصة عمل هناك عبر رابط إلكتروني عام، فليس أكثر من ركض وراء سراب صنعته خوارزميات التضليل.
إذا كانت شروط التجنيد في الأجهزة السيادية واضحة إلى هذا الحد ولا تترك متسعاً لأي لبس، فلماذا تصر منصات رقمية مغاربية على بيع الأوهام لشباب يقتات على أمل الهجرة؟







اترك تعليقاً