حين يتراجع الدرهم أمام الدولار: لماذا ينفي الخبراء وجود أزمة عملة؟

حين يتراجع الدرهم أمام الدولار: لماذا ينفي الخبراء وجود أزمة عملة؟

لم يتأخر الخبير الاقتصادي الحسين يمني في تفكيك موجة القلق التي رافقت المنحنى التنازلي للعملة الوطنية. في تصريح أوردته جريدة «أحداث.أنفو»، وضع الرجل يده على الفارق الجوهري: ما يشهده الدرهم المغربي اليوم ليس “أزمة عملة” ولا انهياراً مالياً هيكلياً، بل هو تحرك ميكانيكي يعكس تقلبات الأسواق الدولية وضغوط المؤشرات الخارجية. لكن هذا التوصيف التقني الهادئ يفتح فوراً نافذة على سؤال أكثر شراسة: إذا كانت الخزينة وبنك المغرب لا يعيشان أزمة نقدية، فلماذا يشعر المواطن العادي في جيبه بارتدادات هذا التراجع كلما دخل إلى دكان أو محطة وقود؟

الحديث عن سلامة الدرهم في ميزان المدفوعات لا يعني بالضرورة سلامة قفة المستهلك من رياح الغلاء المستورد. هنا بالضبط تتشكل الفجوة بين الأرقام الرسمية والحياة اليومية.

ما الذي وقع للعملة الوطنية بالضبط؟

تراجعات الدرهم الأخيرة لم تأت من فراغ مؤسساتي، ولم تنجم عن عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية أو سداد ديونها، وهي الشروط التقنية التي تصنف أي اقتصاد تحت بند “أزمة عملة”. المؤشرات الاحتياطية من النقد الأجنبي لدى بنك المغرب ظلت ضمن مستويات مريحة تغطي عدة أشهر من الواردات، ما يجعل الهلع المالي غير مبرر محاسباتياً.

القصة تكمن في مكان آخر تماماً. العملة المغربية مرتبطة بسلة عملات تتوزع بين اليورو بنسبة ستين في المائة والدولار بنسبة أربعين في المائة، داخل نطاق تقلب محدد ومضبوط بنسبة خمسة في المائة صعوداً وهبوطاً. وحين يقفز الدولار عالمياً تحت وطأة قرارات الفيدرالي الأمريكي أو تداعيات الصراعات الجيوسياسية، يجد الدرهم نفسه مجبراً على التراجع أمامه تلقائياً، بغض النظر عن قوة الاقتصاد الداخلي أو ضعفه.

ليست هناك صدمة محلية ضربت العملة إذن. ما حدث هو انعكاس لقواعد اللعبة التي اختارها المغرب تدريجياً لتعويم مرن ومحسوب، الهدف منه حماية التوازنات الكبرى وتفادي الصدمات المفاجئة، لكن هذا الخيار نفسه هو ما يجعل الدرهم مكشوفاً أمام كل هبة ريح تهب من أسواق السندات والطاقة الدولية.

فخ التضخم المستورد: الفاتورة تصل إلى المطبخ

حين تتراجع العملة، يتغير سعر الأشياء التي نعجز عن إنتاجها محلياً، وهنا تحديداً تنقلب التطمينات النظرية إلى أعباء مادية. المغرب يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته من المحروقات، والقمح، والمواد الأولية المسعرة بالدولار. كل سنتيم يخسره الدرهم أمام العملة الخضراء يتحول مباشرة إلى كلفة إضافية تدفعها الشركات المستوردة عند فتح الاعتمادات المستندية في الأبناك.

الشركات لا تمتص هذه الخسارة من أرباحها، بل تعيد توجيهها ببرود إلى سعر البيع النهائي. هنا تصبح تراجعات الدرهم، حتى وإن وُصفت بأنها “مضبوطة وطبيعية”، وقوداً مباشراً لظاهرة التضخم المستورد.

المستهلك في الدار البيضاء أو فاس أو مراكش لا يتابع شاشات التداول في بورصة العملات، لكنه يفهم هبوط الدرهم حين يرتفع سعر لتر الكازوال، وحين تزيد تكلفة نقل السلع بين المدن، وحين تصبح السلة الغذائية أثقل كلفة وأقل وزناً. النتيجة الحتمية هي تآكل حاد في القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود والمتوسط، الذين لا تملك أجورهم الثابتة أي درع يحميها من قفزات الأسعار المرتبطة بضعف العملة.

معادلة الرابح والخاسر: من يجني الثمار؟

في كل حركة للعملات يوجد من يفرك يديه فرحاً ومن يضع يده على قلبه. الاقتصاد ليس قالباً واحداً يتألم بالكامل أو يفرح بالكامل.

في خانة الرابحين يقف قطاع التصدير، وعلى رأسه الفوسفاط ومشتقاته والمنتجات الفلاحية والسيارات، إضافة إلى قطاع السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج. تراجع الدرهم يجعل الصادرات المغربية أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية، ويجعل المملكة وجهة سياحية رخيصة وجذابة لحاملي العملات الصعبة، كما يمنح تحويلات الجالية قيمة أكبر عند تصريفها في الداخل.

على الطرف النقيض، يدخل المستوردون في نفق الحسابات المعقدة، وتتسع معهم دائرة الخاسرين لتشمل كل قطاع يعتمد على المعدات وقطع الغيار والتجهيزات التقنية القادمة من الخارج. حتى ميزانية الدولة نفسها، التي تحتاج إلى شراء كميات هائلة من المواد الأساسية وتمويل مشاريع البنية التحتية، تجد نفسها مجبرة على دفع مبالغ إضافية بالدرهم لتغطية نفس الكمية من الواردات.

كيف يتفق القول إذن بأن الوضع “ليس أزمة عملة” مع حقيقة أن تكلفة المعيشة تزداد اشتعالاً مع كل تراجع طفيف للدرهم؟ التناقض ظاهري فقط، لكنه يكشف المفارقة البنيوية للنموذج الاقتصادي: النقد سليم من زاوية البنك المركزي، لكن الاقتصاد الحقيقي هش أمام تقلبات الخارج لأننا نستورد أكثر بكثير مما نصدر بالعملة الصعبة نفسها التي نشتري بها قوتنا وطاقتنا.

ما الذي تكشفه الأرقام عن مستقبل الدرهم؟

الواقع يفرض الاعتراف بأن بنك المغرب لا يزال ممسكاً بزمام المبادرة عبر أدوات السياسة النقدية وسعر الفائدة ونطاق المرونة، وهو ما يمنع السيناريوهات الكارثية التي عرفتها اقتصادات إقليمية أخرى انهارت عملاتها كأحجار الدومينو. النظام المالي المغربي بعيد كل البعد عن تلك الهاوية بفضل الانضباط الماكرو-اقتصادي والاحتياطات المريحة.

غير أن السؤال الصحفي الأكثر إلحاحاً، والذي يتجنب الخطاب التبريري مواجهته، يدور حول المدى الزمني لتحمل الجبهة الاجتماعية. هل تستطيع الطبقة العاملة والوسطى امتصاص مزيد من تراجعات الدرهم في حال استمر الدولار في مساره التصاعدي دولياً؟

الأزمة الحقيقية ليست في دفاتر البنك المركزي ولا في تقارير المؤسسات المالية الدولية التي تشيد دائماً بـ “مرونة التدبير المغربي”. الأزمة تصنعها الفجوة المتسعة بين استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي واختناق الاقتصاد اليومي للمواطنين. والتعامل مع تراجع العملة بوصفه تفصيلاً تقنياً عابراً يتجاهل حقيقة أن كل نزول بسيط للدرهم أمام الدولار هو بمثابة اقتطاع مباشر وصامت من الأجور اليومية للمغاربة.

هل يكفي أن نطمئن لسلامة احتياطي الصرف، بينما تصبح كلفة الخبز والوقود رهينة صعود وهبوط شاشات التداول في وول ستريت؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية