📖 العقود المسماة — الفصل 3 من 7 — فهرس الكتاب
المبحث الأول: تعريف عقد الكراء وخصائصه
عرف المشرع المغربي عقد الكراء في الفصل 627 من قانون الالتزامات والعقود بأنه عقد بمقتضاه يمنح أحد طرفيه للآخر منفعة منقول أو عقار خلال مدة معينة في مقابل أجرة يلتزم الطرف الآخر بدفعها له. ويستفاد من هذا التعريف أن محل العقد هو المنفعة لا الرقبة، وأن الزمن عنصر جوهري فيه، وأن العوض شرط لقيامه، إذ لو انتفى لانقلب العقد إلى عارية.
ويترتب على هذا التعريف جملة من الخصائص التي تحكم النظام القانوني للعقد:
- عقد ملزم للجانبين: ينشئ التزامات متقابلة، فالتزام المكري بالتمكين من الانتفاع يقابله التزام المكتري بأداء الوجيبة الكرائية، وهو ما يفتح المجال أمام إعمال الدفع بعدم التنفيذ وطلب الفسخ.
- عقد معاوضة: يأخذ فيه كل طرف مقابلا لما يعطي، خلافا لعقد العارية الذي يقوم على التبرع.
- عقد زمني (مستمر التنفيذ): لا يتصور تنفيذه دفعة واحدة، بل يتم على امتداد المدة المتفق عليها، ولهذا فإن فسخه لا يسري بأثر رجعي إلا في حدود ما لم ينفذ.
- عقد ناقل للانتفاع لا للملكية: يبقى المكتري حائزا عرضيا يحوز لحساب المكري، ولا يمكنه التمسك بالتقادم المكسب مهما طالت مدة إشغاله للمحل.
- عقد رضائي في الأصل، شكلي بالاستثناء: فبعد أن كانت القاعدة العامة في ظهير الالتزامات والعقود هي الرضائية، أصبحت الكتابة مفروضة بمقتضى القانونين 67.12 و49.16، وهو ما يمثل تحولا جوهريا في طبيعة العقد.
المبحث الثاني: أركان عقد الكراء
يقوم عقد الكراء، شأنه شأن سائر العقود، على الأركان العامة من رضا وأهلية ومحل وسبب، غير أن له عنصرين مميزين هما الوجيبة الكرائية والمدة.
فبخصوص الرضا، يشترط أن يكون صادرا عن ذي أهلية وخاليا من عيوب الإرادة. وتثور هنا مسألة أهلية المكري: فالكراء يعد من أعمال الإدارة إذا لم تتجاوز مدته ثلاث سنوات، ومن أعمال التصرف إذا تجاوزتها، وهو ما ينعكس على سلطة الوصي والمقدم والوكيل. أما محل العقد فهو منفعة الشيء المكترى، ويشترط فيه أن يكون معينا أو قابلا للتعيين، وأن يكون مما يجوز التعامل فيه، فلا يصح كراء الأملاك العامة للدولة وفق قواعد القانون الخاص لخروجها عن دائرة التعامل.
وتشكل الوجيبة الكرائية العنصر المقابل للانتفاع، ويجب أن تكون معلومة وجدية ونقدية في الغالب، وإن كان لا يوجد ما يمنع من أدائها عينا. وأخيرا تعد المدة عنصرا جوهريا، فإذا لم يحددها الطرفان اعتبر العقد مبرما للمدة المحددة لدفع الوجيبة، مع إمكانية إنهائه بالإشعار وفق ما تقتضيه القواعد العامة، مع مراعاة القيود الآمرة التي أوردتها القوانين الخاصة.
المبحث الثالث: تعدد الأنظمة القانونية للكراء بالمغرب
لا يخضع الكراء بالمغرب لنظام قانوني واحد، بل لمجموعة من الأنظمة تتوزع بحسب وجهة استعمال المحل وطبيعة العقار:
- ظهير الالتزامات والعقود: يشكل الشريعة العامة للكراء، ويطبق على ما لم يشمله نص خاص، كما يظل المصدر الاحتياطي الذي يرجع إليه القاضي لسد الفراغ في القوانين الخاصة.
- القانون رقم 67.12: يحكم كراء المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، وقد صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.13.111 بتاريخ 19 نونبر 2013.
- القانون رقم 49.16: يحكم كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، وقد صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.99 بتاريخ 18 يوليوز 2016، ليحل محل ظهير 24 ماي 1955 الذي ظل ساريا لأزيد من ستين سنة.
- القانون رقم 07.03 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان الكراء: لم يعد يسري إلا على المحلات المعدة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، بعد أن نسخت المادة 75 من القانون 67.12 سريانه على المحلات السكنية والمهنية.
- القانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار: وهو عقد مركب يجمع بين الكراء والوعد بالبيع.
- أنظمة خاصة أخرى: كراء الأراضي الفلاحية، وكراء أملاك الأوقاف، وكراء الأملاك الخاصة للدولة والجماعات الترابية، ولكل منها نصوصه ومساطره.
📗 خلاصة الباب
- عرّف الفصل 627 ق.ل.ع عقد الكراء بأنه عقد ينقل المنفعة المؤقتة لا الملكية، ويقوم على أركان الشيء المكرى والوجيبة والمدة، وهو عقد ملزم للجانبين ومعاوضة وزمني التنفيذ.
- أصل عقد الكراء الرضائية، لكن هذا الأصل تراجع تدريجيا لصالح اشتراط الكتابة في النصوص الخاصة حماية لطرفي العلاقة الكرائية.
- لا يخضع الكراء بالمغرب لنظام قانوني واحد، بل لتعدد الأنظمة بحسب وجهة الاستعمال: ق.ل.ع كشريعة عامة، والقانون 67.12 للسكنى والاستعمال المهني، والقانون 49.16 للاستعمال التجاري والصناعي والحرفي، إلى جانب أنظمة خاصة أخرى.
اترك تعليقاً