فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الأول: ماهية عقد التأمين

📖 قانون التأمين — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب

الفصل الأول : التطور التاريخي لعقد التأمين

منذ القدم تعرض الانسان للمخاطر التي تصيب ذاته أو ماله أو ممتلكاته أو مسؤوليته المدنية ، وكان لا بد من إيجاد وسيلة لدرء هذه المخاطر والتخفيف من عبئها فكانت البداية مع ممارسة التأمين التبادلي أو التعاوني الذي يعتبر النواة الأولى للتأمينات الحالية التي يطغى عليها حاليا الطابع الربحي أكثر من الطابع التعاوني الذي هو أساس عقد التأمين .

المبحث الأول : فكرة التأمين لدى المجتمعات القديمة

عرفت المجتمعات القديمة نماذج متعددة وبسيطة في ميدان التكافل فكانت التأمينات على غير ما هي عليه حاليا فكانت جمعيات دفن الموتى لدى قدماء المصريين نموذجا في تحمل نفقات التحنيط والدفن مقابل اشتراكات يدفعها الفرد طيلة حياته ليتمتع بعد وفاته بتحنيط جيد و دفن راقي لأن اعتقادهم كان بحياة سعيدة بعد الممات لو بقي الجسد محنطا و في حالة جيدة ، فكانت هذه الجمعيات تقوم بجمع الاشتراكات السنوية أثناء الحياة مقابل ضمان المصروفات اللازمة للتحنيط .

نفهم أن التعاقد الحاصل بين الشخص وجمعية التحنيط يؤدي إلى دفع أقساط سنوية نقدية أو زراعية مقابل تسديد نفقات التحنيط .

كما عرفت المجتمعات البابلية والفينيقية والرومان والاغريق عقد القرض البحري لكنه لم يرق إلى مستوى عقد التأمين إلا لاحقا ، وهو عبارة عن رهن يقع على السفينة ذاتها ضمانا لمال يؤدى على سبيل القرض خلال رحلتها فإذا هلكت السفينة فقد المقرض المبلغ الذي دفعه وإذا وصلت السفينة سالمة لا تكون مسؤولة عن أداء مبلغ القرض فقط ولكن تسأل ايضا عن فائدة محددة متفق عليها .

عقد القرض على السفينة يتشابه مع عقد التأمين في ما يلي :

إن المقرض يلعب دور المؤمن له

المبلغ الذي يدفعه هو عوض التأمين

الفائدة التي يدفعها المقترض تمثل قسط التأمين

أما الاختلاف بينه وبين عقد التأمين فيكمن في دفع قسط التأمين في عقد التأمين سواء تحقق الخطر أم لم يتحقق ولكن لا تدفع الفائدة في عقد القرض عند عدم تحقق الخطر .

عوض التأمين في عقد التأمين لا يدفع إلا عند تحقق الخطر أما في عقد القرض البحري فإن المبلغ يدفع قبل ذلك وان كان المقترض يرده إلى المقرض عند تخلف الخطر بالإضافة الى الفائدة المتفق عليها .

لكن الفقه الاسلامي يرى في هذا الأمر مقامرة ورهانا بشكل واضح . كما حرمه البابا جيجوار سنة 1230 م تأسيسا على الفائدة الربوية .

المبحث الثاني : فكرة التأمين لدى المجتمعات الاسلامية

شهدت المجتمعات الاسلامية أنماطا معينة من التأمينات التي طغى عليها عنصر التكافل والتعاون والتضامن ذلك أن الشريعة الاسلامية كانت حاضرة من أجل تخفيف أعباء المخاطر عن الاشخاص.

فالأمن من نعم الله على عباده ، قال تعالى ” وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ” قريش .

“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ” حديث شريف

والحديث عن التأمين في ظل المجتمعات الاسلامية اختلف فيه بين مجيز و محرم .

المطلب الأول : الرأي الذي أجاز التعامل مع التأمين

أورد الكثير من الفقهاء جواز التأمين من بينهم الاستاذ مصطفى الزرقاء والاستاذ عبد الرحمان عيسى وقد استعملوا القياس على جوازه خصوصا بالنسبة لـ :

عقد الموالاة : فيقول شخص مجهول النسب للعربي ” أنت وليي تعقل عني إذا جننت و ترثني إذا أنا مت ” فعقد الموالاة هذا صورة حية عن عقد التأمين الذي يتحمل مسؤولية مجهول النسب في كل ما يصدر عنه من أضرار فوجه الشبهة بين عقد الموالاة وعقد التأمين هو تحمل المسؤولية لا غير .

ضمان خطر الطريق عند الحنفية : فيقول شخص لآخر ” أسلك هذه الطريق وإن أصابك شيء فأنا الضامن ” فإذا حدث له ضرر وجب تعويضه ، هذه الفكرة الفقهية تصلح أن تكون نصا قويا لجواز عقد التأمين

قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية : ومفاد الفكرة أن الشخص إذا وعد غيره بقرض أو تحمل خسارة أو غير ذلك مما ليس بواجب عليه في الاصل فيصبح ملزما بالوفاء بوعده ، وهنا متسع لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمستأمنين .

نظام العواقل في الاسلام : وتتلخص الفكرة في أن شخصا إذا قتل شخصا آخر بغير عمد وكان عليه آداء الدية لا القصاص فإن الدية توزع على أفراد عائلته أو أن تصيب شخص مصيبة في ماله أو غنمه أو زرعه فيتكافل معه أفراد عائلته بما يخفف عنه الخسارة ، وهنا نجد عقد التأمين حاضرا للتعويض عن الخسائر .

نظام التعاقد والمعاش لموظفي الدولة : فيقتطع من مرتبات الموظفين مبلغ محدد حتى إذا بلغوا سن الشيخوخة وجدوا من مبلغ المعاش ما يساعدهم على قضاء حوائجهم ويستمر المعاش طيلة حياته ثم لأرملته بعد وفاته ، وهذا النظام التقاعدي لا يرى فيه العلماء أي ضرر أو تحريم وهو يشبه إلى حد كبير التأمين على الحياة .

المطلب الثاني : الرأي الذي حرم التعامل مع التأمين

أبرز من حرمه من الفقهاء المتأخرين العلامة محمد بن عابدين في كتابه باب المستأمن ، وقال إن على الامام نصرة المستأمنين من أهل الحرب ما داموا في دار الاسلام وأنه لا يحل لمسلم أن يتعاقد في دار الاسلام مع المستأمن إلا ما يحل من العقود مع المسلمين كما لا يجوز أن يؤخذ من المستأمن شيء لا يلزمه شرعا وإن جرت به العادة كالذي يؤخذ من زوار بيت المقدس .

ويقيسه على بيع الغرر وهو بيع السمك في الماء الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

و يحرمه أيضا الدكتور عيسى عبده في كتابه ” التأمين الأصيل والبديل ” حيث يقول : هل شركات التأمين مؤسسات تجارية ؟ أم شركات تعاونية ؟ أم هي وسيلة نهب وسرقة غايتها ابتزاز أموال الناس وتفريغ الجيوب والإثراء بدون سبب ؟

فلو كانت شركات التأمين مؤسسات تجارية لوجب أن يخضع كل مساهم في شركات التأمين للربح والخسارة وفق تعاليم الاسلام ، لكن الذي يقع أن المؤمن يدفع المال لشركة التأمين فإذا لم يقع ضرر لا يسترد منه شيء بينما إذا وقع ضرر لا يستفيد سوى من مبلغ لا يعوض الخسارة وفق العقد مع قدرة الشركة على خلق الأعذار والمنافذ للتملص من التعويض .

أما إذا كانت شركات تكافل فيجب أن تتحقق شروط من بينها :

أن يدفع الشخص نصيبه على وجه الأخوة والتكافل

لا يجوز استغلال هذا المال إلا بالوسائل المشروعة شرعا

لا يجوز له ان يطالب بمبلغ معين عند وقوع حادث بل يقنع بما تسمح به الجماعة

التبرع هبة والرجوع إليه مكروه والراجع في هبته كالراجع في قيئه حسب بعض النصوص

وهذه الشروط لا تنطبق على شركات التأمين .

المطلب الثالث : الموازنة والترجيح

يبدو أن الذين ذهبوا إلى تحريم عقود التأمين أقوى حجة وأتم دلالة وأرسخ ارتباطا بنصوص الشريعة و قواعدها العامة .

المجوزون للتأمين اعتمدوا على استنادات قياسية بينما الذين قالوا بحرمة عقد التأمين استندوا إلى نصوص شرعية صحيحة قوية ، و الفرق واضح بين أدلة القياس وأدلة النصوص .

المجوزون للتأمين اعتمدوا على تعليلات في الجواز ما يقال فيها معنى المقامرة و الغرر والرهان المحرم والربا ، بينما الذين قالوا بالتحريم استندوا على نصوص شرعية قوية تنص على أن عقود التأمين فيها شيء من القمار والرهان والغرر والربا .

المجوزون للتأمين اعتمدوا على مبادئ التكافل في الاسلام كالموالاة ونظام العواقل وهي كلها مفاهيم تكافل وليس شركات تأمين ربحية بينما استند المحرمون إلى المكاسب الكبيرة التي تحصلها شركات التأمين عن طريق ابتزاز الاموال والمرابحة الفاحشة والاثراء بلا سبب

من قواعد الشريعة ” إذا تعارض المحرم والمباح رجح المحرم وإذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع ” فبناء على هذه القاعدة كان تحريم عقد التأمين كونه يتعارض مع الجانب المبيح عملا بالأحوط

المجوزون نسوا أن تحقيق الأمن والسلامة لكل مواطن هو من الخدمات التي يجب أن توفرها الدولة وليس شركات التأمين فكيف يجوز لشركة أن تستغل هذه الخدمة لابتزاز الاموال من المواطنين وتحقيق الربح بلا سبب ؟ حتى أن الأمر وصل إلى التأمين على سيقان الممثلات و جمال العاهرات وأصوات المغنين .

المطلب الرابع : البديل الذي يجب أن يكون

الأصل في الأمر هو إحقاق العدل وتأمين الحياة الكريمة لكل مواطن وهذا الأمر من مهام الدولة وليس من مهام الافراد أو الشركات لاستغلال ذلك من أجل الربح ، ومن أهم المبادئ التي وضعها الاسلام للدولة :

تأمين الدولة أسباب العمل للقادرين

تأمين الدولة الكفالة للعاجزين والمحتاجين كالأيتام واللقطاء والمنحرفين والارامل والمطلقات والشيوخ والعجزة والمنكوبين والفقراء وأصحاب العاهات .

تأمين الدولة للحد الأدنى للمعيشة فإذا جاع الناس أخذت الدولة من الاغنياء وأعطت للفقراء

تأمين الدولة للطرقات

تأمين الدولة كفالة اصحاب الجوانح كحوادث السير أو الغرق أو ضياع المال بل حتى الذي أصابته جانحة أو فاقة له من في بيت مال المسلمين حق

تأمين الدولة للتوازن الاقتصادي بين الافراد فتتدخل الدولة لتقسيم الاعطيات والغنائم تحقيقا للتوازن بين طبقات المجتمع حيث ثبت أن رسول الله أعطى للمهاجرين ولم يعط للأنصار لأنهم كانوا في حاجة

تأمين كفالة الافراد لبعضهم البعض عند الحاجة ، كحال الشدائد والازمات الاقتصادية

إشراف الدولة على مبادئ التكافل والتعاون ، وتعاونوا على البر والتقوى .

هذه بعض مهام الدولة حسب شريعة الاسلام ، وشركات التأمين لا ينطبق عليها نظام التكافل إلا إذا بالشروط التالية :

أن يدفع الفرد المساهم نصيب المال على وجه التبرع والتكافل

يستغل هذا ال مال بالوسائل المشروعة فقط

لا يجوز لفرد أن يتبرع بشيء على أساس أن يعوض خسارته

التبرع هبة ولا يجوز الرجوع فيه

هذه أهم المبادئ التي جاء بها الاسلام ولا يجوز لنا أن نستنبط من الانظمة من الغربية أو الشرقية ما يخالف شريعتنا السمحة التي جاءت متوازنة بين الاخرة والدنيا بل هي أكثر رحمة بالناس من مثيلاتها من النظم المستوردة .

المبحث الثالث : فكرة التأمين في المجتمعات الحديثة

التأمين بمفهومه الحديث هو مشروع تجاري قائم على اساس الربح بالدرجة الاولى من خلال الاضطلاع بتنظيم التكافل بين طالبي التأمين ، وقد أدت ثلاثة عوامل إلى تكون صورة التأمين في هيأته الحديثة :

العامل الأول : يتجسد في محاربة الكنيسة للقروض الربوية على نحو تم التفكير في نمط جديد لتوفير الضمان

العامل الثاني : ظهور مشروعات ضخمة متخصصة في توفير الأمان

العامل الثالث : ظهور علم الاحصاء وتقدير الاحتمالات بما أتاحه هذا العلم من قياس احتمالات الاخطار واتخاذ هذا القياس اساسا لحساب الاقساط

وقد تطور التأمين من التأمين البحري إلى البري إلى الجوي

المطلب الأول : تطور فكرة التأمين البحري

ظهر هذا النوع من التأمين في صورته الحديثة منذ العصر الوسيط وتولدت فيه أنظمة قانونية تعنى بالمخاطر البحرية نظرا لرواج التجارة في البحر المتوسط ، وقد ظهر أساسا في المدن الايطالية والبلجيكية منذ القرن 14 و التامين البحري وطد أركانه انطلاقا من القرن 16 حيث ساهم ادوارد لويدز بقسط كبير في هذا التوطيد وبالذات عن طريق مقهى لويدز الشهيرة والتي أصبحت فيما بعد من أكبر مؤسسات التأمين في العالم ، حيث ظهرت سنة 1871 وصدر قانون جعلها شخصية قانونية مهمتها تحقيق ثلاثة أغراض 1- حماية المصالح التجارية والبحرية لأعضائها 2- تيسير عملية التأمين 3- تجميع المعلومات البحرية .

كل هذا ساهم في ظهور التأمين التبادلي : والذي يقصد به كل جماعة يهدد أعضائها نفس الخطر فيتعاهدون على تقسيم تكاليف الأضرار فيما بينهم ، وظهرت بشدة في القطاع البحري الانجليزي وتأسست نوادي للحماية والتعويض البحري والهدف منها تغطية الأخطار التي لا تحميها شركات التأمين كالمسؤوليات المتعلقة بالبضائع والأشخاص فهي تضمن مسؤولية ملاك السفينة اتجاه الطاقم بسبب الوفاة أو المرض وتعويضات غرق أو هلاك السفينة وتسوية المنازعات .

المطلب الثاني : تطور فكرة التأمين البري

بعد أن حقق التأمين البحري نجاحات صار انتقاله إلى البر رهينا بالظروف المواتية وقد تحقق ذلك مع ظهور الرأسمالية الصناعية وازدياد مخاطر استعمال الالة .

الفرع الأول : تطور فكرة التأمين ضد الحريق

ظهرت الفكرة في انجلترا بعد حريق حصد أكثر من 3000 منزل و 100 كنيسة فتأسست اول جمعية تعاونية للتأمين من الحريق سنة 1669 ، ثن انتقلت الفكرة إلى تأسيس شركات مساهمة متخصصة للقيام بهذا التأمين ثم انتشرت الفكرة في باقي أرجاء العالم وتوسعت حتى شملت التأمين على المباني والمنقولات .

الفرع الثاني : فكرة التأمين على الحياة

نظر إليه لمدة طويلة على انه منافي للأخلاق فقد حرمه لويس14 و وجد معارضة كبيرة من فقهاء القانون ولم يكتسب الشرعية إلا في منتصف القرن 19 بعدما تمكن الرياضيون من وضع جداول للوفيات تقوم على أسس رياضية وثيقة ، لكنه كان يمارس قبل هذا التاريخ على حياة الملاحين ورجال البحر من حوادث القرصنة و البحر .

الفرع الثالث : نظام التأمين من المسؤولية

حدث بعد انتشار المواصلات واستعمال الآلات والتطور المصانع والتجمعات السكانية و كثرة المخاطر ، فكان التأمين من المسؤولية التي تنشأ من نشاط الآلات بل إن المشرع فرض على أرباب العمل القيام بهذا التأمين لصالح العمال ، ومع تطور الانظمة الاقتصادية ظهرت أنظمة للتأمين ضد السرقة والحوادث الطبيعية والحروب ومزاولة مهنة والدين والضمان .

المطلب الثالث : تطور فكرة التأمين الجوي

بدأ اساسا بعد الحرب العالمية الثانية وتوسع التجارة الخارجية وانتشار استعمال الطائرات فكان ضروريا التأمين على الطائرات وعلى البضائع التي تنقل جوا مثل الادوية .

ولا زال الانتشار والتوسع لأنواع جديدة للتأمين تشق طريقها لتشكل نظاما سيضفي عليه القانون طابع الشرعية

المطلب الرابع : تطور فكرة التأمين بالمغرب

ظهر التأمين البحري بالمغرب سنة 1879 من خلال شركة تدعى ” الاسبانية في مدينة طنجة ” تلاها بعد ذلك تأسيس شركتين ألمانيتين هما مانهايم و لويد . أما التأمين البري أي التأمين ضد الحريق فقد ظهر سنة 1883 من خلال شركتين فرنسيتين ، وفي سنة 1916 كانت أول شركة تأمين مغربية بمدينة طنجة إلا أنها توقفت مع الحرب العالمية الاولى ثم ظهرت سنة 1950 شركات التأمين أولها الشركة المغربية للتأمين وتكاثرت بعد الاستقلال حتى وصلت إلى 230 شركة للتأمين فتدخل المشرع لتحديد الضمانات لرأس المال فتقلصت إلى 54 شركة . وقد تطور هذا القطاع وشهد عدة قوانين منظمة أولها ظهير شريف منظم للتأمين في 1937 متعلق بحوادث السيارات وآخرها مرسوم 2003 .

الفصل الثاني : مفهوم عقد التأمين وخصائصه

المبحث الأول : مفهوم عقد التأمين

يصعب إعطاء مفهوم محدد لعقد التأمين لأن جميع التعاريف كانت محل نقد .

المطلب الأول : المفهوم لدى القانونيين والاقتصاديين

يركز القانونيون على الجانب القانوني بينما يركز الاقتصاديون على الجانب الفني

الفرع الأول : المفهوم لدى القانونيين

يعرفه الفقيه الفرنسي بلانيول بأنه “عقد يتعهد بمقتضاه شخص يسمى المؤمن أن يعوض شخصا آخر يسمى المؤمن له عن خسارة احتمالية يتعرض لها هذا الأخير مقابل مبلغ مالي يقوم المؤمن له بدفعه للمؤمن .

ركز هذا التعريف على الجانب القانوني وأغفل الجانب الفني كما أنه اقتصر على تأمين الاضرار دون تأمين الاشخاص حيث أن الحياة لا يمكن تقديرها .

ويعرفه الفقيه الانجليزي سلوتر ” التأمين هو شراء الأمن ، ذلك أن المؤمن له مدفوعا بالرغبة في حماية نفسه ضد خطر ما يشتري من المؤمن حق التعويض إن وقع ضرر بسبب ذلك الخطر ويقال لثمن الشراء قسط وغالبا ما يكون سنويا ويندرج وعد المؤمن بالتعويض عن حالة وقوع الحادثة المؤمن ضدها فيما يقال له البوليصة “

الفرع الثاني : المفهوم لدى الاقتصاديين

عرفه الاقتصادي فريدمان ” إن الفرد الذي يقوم بشراء تأمينات من الحريق على منزله يفضل تحمل خسارة مالية صغيرة مؤكدة بدلا من أن يبقى متحملا احتمال خسارة مالية كبيرة “

نلاحظ أنه ركز على الجانب الفني وليس القانوني

التعريف الراجح

يميل أغلب الباحثين القانونيين إلى اعتبار تعريف الاستاذ هيمار أفضل تعريف للتأمين لاشتماله على جانبي عقد التأمين وهما الجانب القانوني والجانب الفني .

يقول هيمار في كتابه “التأمينات البرية : ” عقد التأمين هو عملية يحصل بمقتضاها أحد الفريقين وهو المؤمن له مقابل بلغ معين وهو القسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير في حالة تحقق خطر معين من الفريق الآخر وهو المؤمن الذي يأخذ على عاتقه مجموعة المخاطر يجري المقاصة فيما بينه طبقا لقوانين الاحصاء “

ويبقى التعريف الأكمل هو ” عقد التأمين عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغا من النقود محددا أو ايرادا مرتبا أو أي تعويض مالي آخر عند وقوع خطر معين خلال مدة معينة مقابل قسط للتأمين يؤديه المؤمن له للمؤمن “

وقد تطرق هذا التعريف إلى مختلف جوانب عقد التأمين من مؤمن و مؤمن له وشكل العقد تجاري أو غير تجاري و تطرق للمبلغ المتفق عليه بجميع أنواعه تقسيطا أو مرتبا أو أي شكل آخر وتطرق إلى الخطر المعين ثم المدة المعينة المؤمن خلالها وكل ذلك مقابل قسط التأمين المؤدى والمتفق عليه

المطلب الثاني : المفهوم لدى الفقه الاسلامي

ما يزال الجدل قائما حول مفهوم عقد التأمين في الفكر الاسلامي ، لكنه في الغالب حرم التأمين التجاري و حاول إقرار التأمين التبادلي من أجل تحقيق حاجة المسلمين إلى التأمين ومن أشهر الفقهاء المسلمين الذين اباحوا التأمين مصطفى الزرقاء

المبحث الثاني : خصائص عقد التأمين

المطلب الأول : الخصائص العامة

تعتبر عامة لأنها يشترك فيها عقد التأمين مع باقي العقود

الفرع الأول : عقد التأمين تبادلي

يعني أن لكل من المؤمن والمؤمن له التزامات متبادلة يجب تنفيذها عند التعاقد وأثناء العقد وبعد تحقق الخطر . أي أن المؤمن له يلتزم بدفع الاقساط ويلتزم المؤمن بدفع عوض التأمين عند تحقق الخطر .

يوجد مثل هذا النموذج في سائر صور التأمين على الحياة إذ تعد التزامات كل طرف حقوقا للطرف الأخر حتى وإن اختلفت كيفية أو توقيت أو طريقة أداء كل طرف لالتزاماته ، فهو من العقود الملزمة للطرفين . حتى وإن لم يتحقق الخطر فهو احتمالي الوقوع بطبيعته فالغاية هي طمأنينة نفس المؤمن له .

الفرع الثاني : عقد التأمين من العقود المستمرة

أو ما يسمى بالعقود الزمنية لأن الزمن عنصر جوهري في هذا العقد ، فالتزامات الطرفين مرتبطة بالزمن ، فالمؤمن له يدفع أقساطه بصفة متكررة في فترات زمنية منتظمة فيبقى العقد مستمرا بالنسبة للمؤمن له ، ويترتب على ثبات صفة استمرارية عقد التأمين انحصار أثر فسخ العقد على المرحلة المستقبلية ولا يسري الفسخ بأثر رجعي ، بحيث تبقى الاقساط المدفوعة في الماضي دون أثر وهذا تطبيق للقواعد العامة السارية على العقود المستمرة وهو خلاف للعقود الملزمة للطرفين لأن المؤمن له لا يمكنه استرداد ما دفعه من أقساط لأنها كانت مقابل ما تحمل المؤمن من خطر .

الفرع الثالث : عقد التأمين من العقود الرضائية

فينعقد العقد بمجرد التراضي بين الطرفين وتوافق الإرادتين بالإيجاب والقبول ويستلزم الكتابة لإثبات العقد فيثبت بوثيقة تأمين يوقع عليها المؤمن ، وهو أمر لا ينافي اعتبار عقد التأمين عقدا رضائيا لأن الكتابة تكون من أجل إثبات العقد لا لانعقاد العقد أي أن الكتابة ليست شرطا لانعقاد العقد وقد يجوز الاتفاق على جعل الكتابة شرطا لانعقاد العقد فعندئذ يصبح عقد التأمين شكليا وتكون وثيقة التأمين “البوليصة” ضرورية للانعقاد لا للثبات .

الفرع الرابع : عقد التأمين من عقود المعاوضة

لأن كل طرف يحصل على منفعة مقابل ما يؤديه من التزام ، بحيث يحصل المؤمن له على الأمان من الخطر ويحصل المؤمن على أقساط التأمين ، فالحماية ضد الاخطار من طرف المؤمن تعتبر منفعة تبرر دفع الاقساط من طرف المؤمن له ، بينما يدفع المؤمن العوض في حالة تحقق الخطر ، ويظل عقد التأمين من عقود المعاوضة حتى لو يكن المؤمن له هو المستفيد من التأمين وإنما شخص آخر فالاشتراط لمصلحة الغير لا يؤثر على طبيعة العقد ، مثلا التأمين حياة شخص ما .

الفرع الخامس : عقد التأمين مدنيا وتجاريا

يعتبر مدينا أو تجاريا حسب صفة كل من طرفي العقد ، وقد يكون مدنيا لطرف وتجاريا لطرف آخر

فبالنسبة للمؤمن يعد التأمين عملا تجاريا في معظم الحالات إلا فيما يتعلق بالتأمين بالاكتتاب إذ إن الهيئات التي تباشره لا تعتبر من قبيل الشركات ونتحدث هنا عن حالتين :

الحالة 1 : نجد فيها من التأمين العادي بالأقسام المحددة التي تقوم به شركات التأمين المساهمة ، فالعقد يعد بالنسبة اليها دائما تجاريا لأنها تباشر أعمالها لغرض تحقيق الربح .

الحالة 2 : في التأمين التعاوني أو التبادلي يكون للهيئات القائمة عليه لا تزاوله بغرض الربح وبالتالي تكون أعمالها ليست تجارية لانتفاء فكرة المضاربة وتحقيق الربح كما يعد في هذه الحالة التأمين التعاوني حتى بالنسبة للمؤمن له مدنيا .

أما بالنسبة للمؤمن له فيعتبر عملا تجاريا إذا التأمين متعلقا بأعماله التجارية كالتأمين على البضائع والمحلات التجارية والسيارات التي يستعملها في معمله ، أما تأمينه على حياته مثلا فيعتبر مدنيا .

المطلب الثاني : الخصائص الخاصة

هذه الخصائص ينفرد بها عقد التأمين ويمكن إجمالها في ما يلي :

الفرع الأول : عقد التأمين من عقود الاذعان

نظرا لوجود اختلال بالتوازن بين مركز المتعاقدين وانعدام التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين بحيث يكون الطرف الأقوى في العقد هو المؤمن وعلى المؤمن له قبول أو رفض بنود العقد ولا يجوز له مناقشتها ولو بصورة عامة ، فيكون المؤمن في مركز قانوني أقوى بحيث يضع شروط العقد ويضعها للعموم وما على الطرف الراغب في التعاقد سوى القبول فيكون المؤمن في مركز اقتصادي أقوى فيجمع الاقساط من المؤمن لهم . لذلك تتدخل الدولة أحيانا من أجل تخفيف الاذعان كما أن القضاء والمشرع يتدخلان أيضا من أجل مناصرة المذعن والتقليل من الاذعان . لذلك تدخل المشرع المغربي ليفرض رقابة صارمة على شركات التأمين فأصبح المؤمن له يستطيع الاختيار بين عدة شركات للتأمين تعرض نفس الخدمات .

الفرع الثاني : عقد التأمين من عقود الاحتمالية

لأن المتعاقد لا يعرف مقدار ما يعطي أو مقدار ما يأخذ ، ولا يعرف أطرافه على وجه التحديد ، وعقد التأمين من أكثر العقود احتمالية ويظهر ذلك بجلاء في نوع التأمين من المسؤولية المدنية ، على غرار عقود تأمين الأشخاص التي تلعب فيها الإحصائيات دورا مهما هناك من صنفه ضمن عقود الغرر والمقامرة حيث لا يدري المؤمن له مقدار ما سيتحصل عليه عند تحقق الخسارة وكذلك المؤمن لا يعرف مقدما هل سيأخذ عوض التأمين المشترط أم لا ، وتعد صفة الاحتمالية من أبرز خصائص عقود التأمين فالاحتمال هو جوهر التأمين فإذا انتفى الاحتمال وقت العقد وقع التأمين باطلا وأيضا إذا زال الاحتمال أثناء سريان العقد انقضى التأمين بقوة القانون أي الفسخ .

لكن بعض الفقهاء ذهب إلى نفي صفة الاحتمالية عن المؤمن ذلك أنه يستعين بالإحصائيات ليحدد مركزه الاقتصادي مقدما فلا يتعرض للخسارة في أغلب الحالات لكن مع ذلك لا يمكن لشركة التأمين أن تحدد ربحها بدقة وتبقى صفة الاحتمالية قائمة فهو لا يضمن المخاطر .

الفرع الثالث : عقد التأمين من عقود حسن النية

وتلعب حسن النية دورا مهما لحظة إبرام العقد بما يفرضه على المتعاقد خاصة من التزام بالإدلاء ببيانات متعلقة بمحل التأمين وظروفه أو في فترة تنفيذ العقد بما يوجب إخطار المؤمن بكل ما من شأنه أن يفاقم الخطر ويزيد من فرص تحققه . حيث يلتزم المتعاقد بالإبلاغ عن كل ما يعرفه من الظروف التي تزيد من احتمالية وقوع الخطر ومجرد الصمت من جانبه عن أوضاع معينة للخطر عند ابرام العقد يمكن أن يؤدي إلى إبطال العقد .

لذلك كان حسن النية من مستلزمات عقد التأمين فهو لا يلزم طرفا دون آخر بل يلزم الطرفين معا بعدم إخفاء أي بيانات مهمة عن الآخر ، كما يجب على المؤمن عند تحرير عقد التأمين تقديم النصيحة للمؤمن له وشرح نصوص القانون لمن يجهلها بقصد تمكينه من اختيار الغطاء المناسب له و خطر تقديم بيانات غير صحيحة .

الفصل الثالث : صور عقد التأمين

استخدام عقد التأمين في مجالات متعددة جعلت منه عقدا متميزا عن باقي العقود وله خصوصيات ينفرد بها ، وعمليات الاستخدام المتنوعة لعقود التأمين افرزت صورا مختلفة منه تماشيا مع المخاطر الجديدة المطروحة فتظهر أنواع جديدة من عقود التأمين بشكل اضطراري نظرا لظهور مخاطر جديدة ، و نظرا لعدم القدرة على الاحاطة بجميع أنواع التأمينات وصعوبة معالجة كل صورة على حدة سنقتصر على دراستها من حيث المضمون ثم من حيث الشكل .

المبحث الأول : عقد التأمين من حيث الشكل

المطلب الأول : التأمين التعاوني

ويسمى أيضا التأمين بالاكتتاب وهو التأمين الذي يتفق فيه مجموعة من الأشخاص على صرف مبالغ محددة لمن يقع له أي منهم خطر معين فيتعهدون فيما بينهم على وجه التقابل بتعويض الضرر الذي قد يطرأ على أحدهم ، الميزة الاولى أن في هذه الحالة كل عنصر من المجموعة يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له ، الميزة الثانية هو التضامن والتكافل الموجود حيث يتحمل الجميع الخسارة بشكل جماعي وقد يكون مبلغ الاشتراك غير ثابت بين أعضاء المجموعة .

المطلب الثاني : التأمين بأقساط محددة

أو التأمين التجاري ، ويلتزم المؤمن له بدفع مبلغ محدد يسمى القسط إلى المؤمن الذي غالبا ما يكون شركة مساهمة نظير التزام الأخير بدفع عوض مالي عند تحقق الخطر محل العقد

من خصائص هذا التأمين

القسط يحدد مسبقا ، فلا ينتظر وقوع الخطر لتحديدها ويتم تحديد القسط بعد دراسة معدل الكوارث ونسب حدوثها .

يحدد مسبقا مبلغ العوض المالي الذي يلتزم المؤمن بدفعه للمؤمن له عند تحقق الخطر ، وهو ما يساعد شركات التأمين على الوقوف بدقة على حجمها المالي وبالتالي الميزانية وتحديد التزاماتها المستقبلية ، وغالبا ما تفوق قيمة مجموع الاقساط قيمة مجموع التعويضات ويحدث الافلاس في حالة العكس .

في حالة عدم تحقق الخطر محل العقد تستفيد الشركة من الاقساط المدفوعة دون تقاسمه مع المؤمنين لهم أي أن هذه الشركات تحرص على الربح أكثر من حرصها على التضامن .

خلاصة القول أن جمعيات التبادل التعاوني خالية من هدف الربح وليس لديها رأسمال وليس فيها مساهمون يحصلون على أرباح وإنما لهم دور مزدوج فهم مؤمنون ومؤمنون لهم في نفس الوقت ، بينما التأمين بقسط هدفه الربح وتكون وراءه غالبا شركات مساهمة ذات رأس مال محدد من طرف القانون وأقساط التأمين فيها ثابتة لذلك سميت شركات ذات الأقساط الثابتة .

المطلب الثالث : التأمين الاجتماعي

التأمين الاجتماعي فهو نظامٌ يقومُ على تحقيق مصلحةٍ عامَّةٍ تتمثَّلُ في تغطية المخاطر الاجتماعيَّة التي يتعرَّض لها أفرادُ الطبقة العاملة والتي قد تحُولُ بينهم وبين مُباشرة عملهم، كالمرض والعجز والشيخوخة والبطالة. فهذا التأمين يستجيب لاعتباراتٍ اجتماعيَّةٍ تستندُ في جوهرها إلى فكرة التضامن أو التكافل الاجتماعي. لذلك تُساهم الدولة مع أصحاب الأعمال والعُمَّال في تحمُّل عبء هذا التأمين، أي اشتراكاته.والتأمين الاجتماعي تأمينٌ إجباريّ، وليس اختياريًّا للعامل أو صاحب العمل، متى توافرت شرُوطه. فالاشتراك في هذا التأمين التزام مصدرهُ القانون الذي يُحدد أحواله وشُروطه وآثاره ولا يملك أي طرف من أطراف العلاقة التعديل في ذلك ، وبذلك يختلف التنظيم القانوني لِهذا التأمين عن ذلك الذي يخضع لهُ التأمين الخاص. فالتأمين الخاص يخضع لِقاعدة العقد شريعةُ المُتعاقدين ومبدأ سُلطانُ الإرادة، وذلك في إطار القواعد الآمرة، أمَّا التأمينُ الاجتماعيّ فيتولّى المُشرِّع تنظيمه من كافَّة جوانبه سواء من حيثُ الشُروط والأحكام أو المُستفيدين، كما تتولّى الدولة مُراقبة تنظيمه وتتولّى إدارة شؤونه .

المطلب الرابع : أوجه الاختلاف بين أنواع التأمين الثلاثة

الاختلاف بين التأمين بقسط ثابت والتأمين التبادلي أو التعاوني : من الناحية الاقتصادية يكون الربح حاضرا بقوة في التأمين بقسط في حين لا يكون هو الهدف لدى هيئات التأمين التبادلي، أما من الناحية الفنية فالتأمين التجاري تغيب فيه فكرة التضحية أو التضامن بينما يكون هذا المفهوم حاضرا في التأمين التبادلي ، أما من الناحية القانونية فإن العقد يبرم بين المؤمن له و المؤمن في التأمين بقسط بينما يبرم في التأمين التبادلي بين مجموعة من المتعاقدين مهددين بنفس الخطر . أضف إلى ذلك غياب حساب الاحتمالات في التبادلي وحضوره في ت بقسط

الاختلاف بين التأمين التجاري والتأمين الاجتماعي : الهدف في التجاري هو الربح بينما في الاجتماعي تحسين وضعية الطبقات الضعيفة ، التجاري يقع على عاتق المؤمن له بينما يتقاسمه في الاجتماعي الدولة وأرباب العمل والمؤمن له ، في التجاري هناك إرادة حرة في إبرام العقد واختيار الشركة وتغطية أي نوع من المخاطر وحق القبول والرفض وتحديد الشروط والسعر وغيره بينما في الاجتماعي فهو تأمين إجباري يحدده القانون ويحدد المستفيدين منه وشروط الاستفادة ويتولى التشريع تحديد المبالغ و حجمها وشروط استحقاقها وضوابط دفعها ، كما أن التأمين التجاري أوسع مجالا ويغطي عديد المجالات بينما تضيق مجالات التأمين الاجتماعي ، أما الجهة المزاولة في التجاري فهي الشركات بينما في الاجتماعي هي الدولة .

الاختلاف بين التأمين التبادلي والاجتماعي : في التبادلي التأمين اختياري بينما إجباري في التأمين الاجتماعي ، يتحمل النفقات في التبادلي أطراف العقد بينما يتحمل ذلك في الاجتماعي الدولة وأرباب العمل والمستفيدين بشكل بسيط ، الاجتماعي أوسع مجالا من التبادلي الذي غالبا ما يحمي من خطر معين .

المبحث الثاني : تقسيم التأمين من حيث الموضوع

المطلب الأول : التأمين الفردي والتأمين الاجتماعي

ينظر هذا التأمين في المصلحة المبتغاة فردي أو جماعي

الفرع الأول : التأمين الفردي ( التأمين الخاص أو التجاري )

هو التأمين الذي تطغى فيها لمصلحة الخاصة حيث يقوم المؤمن الفرد بهدف تحقيق غاية خاصة بغض النظر عن المصلحة الجماعية فهو يستهدف تأمين مستقبل الفرد من المخاطر والذي يتكفل به هو الشركات الخاصة التي ترمي إلى تحقيق الربح ، وهو تأمين اختياري في أغلب الحالات إلا في حالات المسؤولية المدنية كالتأمين على حوادث السير فيكون حينها تأمينا إجباريا يدخل في إطار تأمين اجتماعي يهدف المشرع من خلاله إلى تحقيق مصلحة اجتماعية متمثلة في مصلحة المضرورين من حوادث السير .

الفرع الثاني : التأمين الاجباري

هدفه هو تحقيق الأمان الاجتماعي وهو مظهر من مظاهر التعاون والتضامن تهدف الدولة من خلاله إلى تحسين ظروف عيش المواطنين والطبقات المعوزة خصوصا ، ويطال بالاهتمام العمال والعاطلين والمرضى والعجزة والمعوقين وتقوم به مؤسسة تابعة للدولة أو يشرف على ذلك صندوق الضمان الاجتماعي وربما يدخل هذا التأمين في إطار قانون الشغل ، لذلك كان التأمين الاجتماعي يخضع لقانون الشغل وليس لأحكام عقود التأمين .

المطلب الثاني : التأمين البحري والجوي والبري

ينكب هذا النوع على طبيعة الأخطار التي هي محل العقد

الفرع الأول : التأمين البحري

هو أقدم صور التأمين ، وهذا الصنف يتجسد في السفينة وما فيها ومسرحه البحر ويشمل الاخطار التي تتعرض لها السفينة ومن فيها من بحارة طيلة الرحلة البحرية كالحريق والغرق او ضياع بضاعة أو أذية مسافر و نادرا ما تبحر سفينة دون التأمين عليها حتى أضحت كل العلاقات البحرية تسوى بين المؤمنين وحتى كثير من القواعد الخاصة بالقانون البحري لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان ذوي الشأن يقومون بالتأمين على مصالحهم في الرسالة البحرية .

الفرع الثاني : التأمين الجوي

هو من صور التأمين الجديدة ومحله مخاطر النقل الجوي ويغطي مخاطر الطائرة أو حمولتها أو المسافرين ويخضع للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالطيران .

الفرع الثالث : التأمين البري

هو أهم أنواع التأمين لأنه يشمل صورا متنوعة تهم الأشخاص والممتلكات على سطح الارض

المطلب الثالث : تأمين الأشخاص والتأمين من الاضرار

التأمين البري ينقسم غلى قسمين رئيسيين : تأمين الاشخاص والتأمين ضد الاضرار

الفرع الأول : التأمين على الأشخاص

هو كل تأمين يتضمن خطرا يكون هو الشخص نفسه محلا للتأمين ، فقد تكون وفاة أو عجزا مؤقتا أو دائما أو إصابة خطرة او جرحا أو مرضا . ويحتوي على نوعين التأمين على الحياة والتأمين من الاصابات :

البند الأول : التأمين على الحياة

يتعهد في هذا العقد المؤمن أن يدفع للمؤمن له أو لشخص آخر ثالث مبلغا من المال عند موت المؤمن له أو عند بقائه حيا بعد مدة معينة مقابل أقساط محددة تكون على شكل مبلغ دفعة واحدة أو أقساط مرتبة حسب الاتفاق في بوليصة التأمين ، وهناك حوالي 100 نوع من صور التأمين على الحياة نقتصر على ذكر بعضها .

التأمين لحالة الوفاة : فيكون المؤمن له هو الذي يواجه خطر الموت فيستفيد من مبلغ التعويض طرف ثالث مذكور في العقد ويسمى التأمين العمري وله ثلاثة أنواع : التأمين مدى الحياة فيدفع المؤمن له الاقساط بشكل دوري مدى الحياة لتستفيد الزوجة مثلا بعد وفاته من مبلغ التعويض وهنا نجد نوعين أيضا فإما التأمين لحالة الوفاة المؤقت أي أن الوفاة يجب أن تحدث خلال زمن محدد وإلا لا يستفيد المؤمن له أو ورثته من التعويض مثال ذلك لو كان الدائن يخاف على ماله من موت المدين والنوع الثاني التأمين ببقاء المستفيد حيا فيدفع المؤمن التعويض لو بقي المؤمن له حيا في تاريخ محدد فالخطر المؤمن منه هو بقاء المستفيد على قيد الحياة في نهاية فترة معينة .

التأمين لحالة البقاء : فيستحق المؤمن له التعويض لو بقي حيا إلى تاريخ معين فيكون مثلا قد اصبح عجوزا أما إذا مات قبل ذلك التاريخ فتنتهي مسؤولية المؤمن .

التأمين المختلط ويجمع بين التأمين على ا لوفاة خلال مدة معينة والتأمين لحالة البقاء على قيد الحياة بعد ذلك .

البند الثاني : التأمين من الاصابات

يسمى بالحوادث الشخصية فيلتزم المؤمن بدفع تعويض للمؤمن له أو ورثته مقابل أقساط يؤديها المؤمن له عند تحقق الخطر محل العقد ، هذا الخطر يسبب عجزا مؤقتا أو دائما ، جزئيا أو كليا ، فيفقد معه المؤمن له القدرة على العمل أو يسبب له الوفاة لسبب مفاجئ غير المرض الذي لا يشمله التأمين . ويختلف مبلغ التأمين باختلاف الاصابة البدنية هل موت أو عجز دائم أو مؤقت ، أما التأمين على المرض فإذا وقع المرض داخل الأجل المحدد فالمؤمن له يستفيد من استرداد مصروفات العلاج والأدوية كلها أو بعضها . والتأمين على المرض ينضوي تحت التأمين على الاشخاص عندما يدفع المؤمن المبلغ دفعة واحدة للمؤمن له بصرف النظر عن مقدار الاصابة والضرر الحاصل جراء المرض بينما ينضوي تحت تأمين الاضرار عند رد مصروفات العلاج والدواء فالمؤمن يعوض المؤمن له عما أصابه من خسارة ويتحمل معه نفقات العلاج والدواء وهذا هو الالتزام الرئيسي في التأمين على المرض .

وللتأمين من الاصابات 3 صور :

التأمين التكميلي : عند حدوث عجز للمؤمن له يتدخل المؤمن ليكمل اقساط التأمين على الحياة

التأمين الجماعي : تعقده جماعة مع المؤمن فالمستفيدون غير محددين في الوثيقة وإنما بصفته أعضاء داخل الجماعة التي أبرمت العقد مع شركة التأمين ويحتسب القسط حسب المبلغ الإجمالي للأجور في شكل عقد جماعي ويكون عقدا إجباريا .

التأمين الشعبي : هو تأمين على الحياة يكون لفائدة الطبقات المعوزة ويتميز بانخفاض قيمة القسط

الفرع الثاني : التأمين ضد الأضرار

ويسمى التأمين للممتلكات ، وهو التأمين الذي يهدف إلى تعويض المؤمن له عند تضرر ذمته المالية

ويصعب معه تحديد مبلغ التأمين مقدما كما في التأمين على الاشخاص نظرا لارتباطه بالأضرار الواقعة بعد تحقق الخطر ، فيرتبط التعويض بحجم الضرر وهذا لا يمنع من تحديد الحد الاقصى للتعويض ، وهو يعتبر تعويض خسارة وليس وسيلة إثراء على حساب المؤمن فلا يجب أن يتجاوز قيمة الضرر الفعلية . نظم المشرع المغربي هذا التأمين في ظهير 2002 في الفصول 39-64 .

والتأمين من الاضرار ينقسم إلى قسمين : التأمين على الاشياء والتأمين من المسؤولية

البند الأول : التأمين على الاشياء

ويقصد به تعويض المؤمن له عند خسارة تطال أمواله ، أو أي شيء قابل للتلف أو الهلاك ، المادة 41 من مدونة التأمينات الحالية . ويكون محل التأمين معينا بالذات وقت التأمين كـمنزل معين مثلا أو معدات أو بضائع أو المزروعات ، فيتم التأمين ضد السرقة أو الكسر أو التلف ، وفي تأمين الدين يكون المحل هو خطر عدم وفاء الدين أو إعسار المدين . نتطرق لمثالين :

التأمين ضد الحريق : طبقا لشروط العقد مقابل أقساط محددة ، لو حدث حريق وليس بركان أو زلزال إلا لو ذكر ذلك في العقد ، مادة 56 من المدونة .

التأمين ضد موت الماشية : ويتم تقدير الخسارة طبقا لسعر السوق ، مادة 60 من المدونة .

تأمين الاستثمار ، تأمين الرأسمال ، تأمين ضد العواصف و الانفجارات

البند الثاني : التأمين من المسؤولية

ويقصد به ضمان المؤمن له بسبب المسؤولية الناتجة عن إلحاق الضرر بالغير ، فتكون حماية لذمة المؤمن له المالية وليس تعويضا للمتضرر فيحل المؤمن محل المؤمن له في تعويض المتضرر .

والمتضرر هنا هو من يطالب شركة التأمين بالتعويض فيقدم طلبا وديا أو قضائيا إلى المؤمن أو المؤمن له .

ويمكن اختزال صور التأمين من المسؤولية في ثلاثة صور : تأمين المسؤولية المدنية الخاصة وتأمين المسؤولية المدنية لصاحب المهنة وتأمين المسؤولية المدنية لرب العمل .

اولا : تأمين المسؤولية المدنية الخاصة ، يحتوي على ضمان المؤمن له شخصيا بما قد يلحقه من إضرار بالغير بسبب قيامه بعمل أو امتناع عن عمل .

ثانيا : تأمين المسؤولية المدنية لصاحب المهنة ، الصيادلة – الأطباء – الرياضيين – المحامون .

ثالثا : تأمين المسؤولية المدنية لرب العمل ، اصابات العمل التي تصيب الاشخاص العاملين لديه أثناء قيامهم بالعمل أو أضرار الآلات التي يستعملها .

ويمكن القول أن أنواع التأمين من المسؤولية كثيرة ومتنوعة كالتأمين عن حوادث المصاعد والنقل الصيد و حوادث السير .

ويعتبر التأمين على المسؤولية المدنية للسيارات إجباريا ف يحق كل شخص طبيعي أو معنوي من الممكن أن يسأل مدنيا نتيجة الاضرار المادية التي يسببها للغير بواسطة عربة ذات محرك ، فالأضرار المضمونة في التأمين الإجباري هي الاضرار المادية أو البدنية التي تنتج عن مسؤولية مدنية فيجب استبعاد الغرامات والضمانات المالية المحكوم بها نتيجة المسؤولية الزجرية التي يتحملها أحيانا المسؤول المدني طبقا لمدونة السير كما تستبعد المسؤولية المدنية الناتجة عن الأخطاء العملية وتلك التي تخالف النظام العام ، فالغاية من التأمين الاجباري هو حماية الذمة المالية للمسؤولية المدنية ضد كل طلب صادر من الغير يهدف إلى الحصول على تعويض لضرر مادي أو جسمي أصيب به الضحية أو صاحب الحق بواسطة عربة ذات محرك تنطبق عليها الشروط التي حددها المشرع في العربة وبسبب مسؤولية المؤمن له .

📗 خلاصة الباب

  • عرف التأمين أشكالا بدائية للتكافل منذ المجتمعات القديمة (جمعيات التحنيط المصرية، القرض البحري عند الفينيقيين والرومان)، وشهدت المجتمعات الإسلامية اجتهادا فقهيا منقسما بين إجازة التأمين قياسا على أنظمة التكافل الإسلامي (الموالاة، العواقل) وتحريمه لمشابهته الغرر والقمار، قبل أن يتخذ التأمين شكله التجاري الحديث في أوروبا بدءا من التأمين البحري ثم البري (ضد الحريق، على الحياة، من المسؤولية) فالجوي.
  • دخل التأمين المغرب سنة 1879 عبر شركة إسبانية بطنجة، وتطور تدريجيا إلى قطاع منظم. يصعب حصر عقد التأمين في تعريف واحد جامع، إذ يميل الفقه الراجح إلى تعريف الأستاذ هيمار الذي يجمع الجانبين القانوني والفني، ويتميز العقد بخصائص عامة (تبادلي، مستمر، رضائي، معاوضة) وأخرى خاصة (إذعان، احتمالية، حسن نية).
  • تتعدد صور عقد التأمين من حيث الشكل (تعاوني، بأقساط محددة، اجتماعي) ومن حيث الموضوع (فردي/اجتماعي، بحري/بري/جوي، على الأشخاص/من الأضرار)، وتحكم كل صورة قواعد خاصة بحسب طبيعة الخطر المؤمَّن منه.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية