📖 العقود المسماة — الفصل 4 من 7 — فهرس الكتاب
المبحث الأول: نطاق تطبيق القانون 67.12
يقصد بالكراء المدني، في مفهوم هذه الدراسة، ذلك الكراء الذي لا يرد على محل يستغل فيه أصل تجاري، فيخضع إما للقواعد العامة في ظهير الالتزامات والعقود، وإما للقانون 67.12 متى تعلق الأمر بمحل معد للسكنى أو للاستعمال المهني.
حددت المادة الأولى من القانون 67.12 نطاق تطبيقه في عقود كراء المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، بما في ذلك المحلات المفروشة والملحقات المرتبطة بها. ويشمل الاستعمال المهني الأنشطة التي لا تكتسي صبغة تجارية كمكاتب المحامين والأطباء والمهندسين والخبراء المحاسبين.
غير أن المشرع استثنى من هذا النطاق طوائف من العقود، منها المحلات التي تدخل في نطاق الملك العام أو الخاص للدولة والجماعات الترابية حين تكون مرصودة لمنفعة عامة، والمحلات الممنوحة بسبب علاقة الشغل أو بمناسبتها، والمحلات المرتبطة بالمؤسسات السياحية، وكراء الغرف بالفنادق. كما تخرج من نطاقه عقود كراء المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري لخضوعها للقانون 49.16.
المبحث الثاني: شكلية العقد والتزامات الطرفين
أوجبت المادة 3 من القانون 67.12 إبرام عقد الكراء بمحرر كتابي ثابت التاريخ، يحرر في ثلاث نسخ. ويجب أن يتضمن العقد بيانات إلزامية حددتها المادة 4، من قبيل هوية الطرفين وبيانات بطاقتيهما الوطنيتين، ووصف المحل ومشتملاته، ومبلغ الوجيبة الكرائية وكيفية أدائها وتاريخ الاستحقاق، ومبلغ الضمانة إن وجدت، والغرض من الكراء. ويحرر الطرفان بيانا بوصف حالة المحل عند التسليم، وهو محرر بالغ الأهمية عمليا لأنه يحسم النزاع اللاحق حول الإصلاحات والتلفيات.
وتتلخص التزامات المكري في تسليم المحل في حالة صالحة للاستعمال المخصص له، والقيام بالإصلاحات الضرورية غير المرتبطة بالاستعمال العادي، وضمان التعرض والاستحقاق والعيوب الخفية، وتسليم وصل بالأداء يميز بين الوجيبة والتكاليف التابعة لها. وقد نظم المشرع حالة امتناع المكري عن إنجاز الإصلاحات، فأجاز للمكتري ـ بعد إشعاره وانصرام أجل شهر ـ أن يستصدر أمرا من رئيس المحكمة الابتدائية يحدد قيمة الإصلاحات ويأذن له بإنجازها وخصمها من الوجيبة الكرائية.
أما المكتري فيلتزم بأداء الوجيبة في أجلها، واستعمال المحل في الغرض المخصص له وفق ما يقتضيه حسن النية، والقيام بالإصلاحات التبعية الناتجة عن الاستعمال العادي، وعدم إدخال تغييرات على المحل دون موافقة المكري، ورد المحل عند انتهاء العقد على الحالة التي تسلمه بها مع مراعاة التقادم الطبيعي.
المبحث الثالث: مراجعة الوجيبة الكرائية
جعل المشرع الأصل هو حرية الطرفين في تحديد الوجيبة الكرائية عند إبرام العقد، غير أنه قيد مراجعتها بقيدين آمرين: قيد زمني وقيد نسبي. فمن حيث الزمن، لا يجوز الاتفاق على رفع مبلغ الوجيبة خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات ابتداء من تاريخ إبرام العقد أو من تاريخ آخر مراجعة اتفاقية أو قضائية. ومن حيث النسبة، حدد المشرع سقف الزيادة في 8% بالنسبة للمحلات المعدة للسكنى و10% بالنسبة للمحلات المعدة للاستعمال المهني.
وإذا لم يتفق الطرفان، جاز للمكري اللجوء إلى المحكمة الابتدائية لتحديد الوجيبة الجديدة، وتأخذ المحكمة بعين الاعتبار مجموعة من المعايير الموضوعية كموقع المحل ومساحته وحالته والصوائر التي صرفت عليه ورأس المال المستثمر وأثمنة الكراء الجاري بها العمل في المنطقة نفسها.
المبحث الرابع: إنهاء العقد وفسخه
يميز القانون 67.12 تمييزا دقيقا بين الإنهاء والفسخ، وهو تمييز يقوم على أساس السبب: فالإنهاء يستند إلى رغبة المكري في استرجاع محله لسبب جدي لا علاقة له بإخلال المكتري، بينما يستند الفسخ إلى إخلال المكتري بالتزاماته التعاقدية.
فبخصوص الإنهاء، نصت المادة 44 على أن عقود الكراء لا تنتهي إلا بعد الإشعار بالإفراغ وتصحيحه عند الاقتضاء، رغم كل شرط أو مقتضى مخالف، وهو ما يفيد الطابع الآمر للقاعدة. ويجب أن يستند الإشعار إلى أسباب جدية حددتها المادة 45 على سبيل الحصر، وأهمها استرداد المحل للسكن الشخصي للمكري أو لسكن زوجه أو أصوله أو فروعه المباشرين من الدرجة الأولى، أو هدم المحل وإعادة بنائه، أو إدخال إصلاحات ضرورية تستوجب الإفراغ. ويبلغ الإشعار وفق الكيفيات المنصوص عليها في الفصول 37 و38 و39 من قانون المسطرة المدنية.
وإذا امتنع المكتري عن الإفراغ صراحة أو ضمنا ببقائه في المحل، لجأ المكري إلى المحكمة للمطالبة بتصحيح الإشعار. وفي حالة الحكم بالتصحيح، يتعين على المكري أن يؤدي للمكتري، إضافة إلى صوائر الانتقال المثبتة، تعويضا تعادل قيمته وجيبة كراء سنة كاملة حسب آخر مبلغ مؤدى. وهذا التعويض محدد سلفا بنص القانون، وهو ما يميز الكراء السكني عن نظيره التجاري كما سيأتي بيانه. كما رتب المشرع جزاء على انحراف المكري، إذ إذا تبين أن الإفراغ تم بناء على سبب غير صحيح أو سبب لم ينفذ، حق للمكتري المطالبة بتعويض يوازي الضرر اللاحق به.
أما الفسخ، فمجاله إخلال المكتري بالتزاماته، ولا سيما عدم أداء الوجيبة الكرائية. وقد نظم المشرع مسطرة خاصة تقوم على توجيه إنذار بالأداء، فإذا لم يستجب المكتري داخل الأجل القانوني، رفع المكري دعوى المصادقة على الإنذار والإفراغ. ولحماية المكتري من تعسف محتمل، نص المشرع على أنه إذا ثبت أن المكري توصل بمستحقاته وواصل بسوء نية مسطرة المصادقة، حق للمكتري المطالبة بتعويض يتراوح بين وجيبة كراء شهرين وستة أشهر، بصرف النظر عن المتابعات الجنائية عند الاقتضاء.
وقد استحدث القانون 67.12 كذلك مسطرة استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة، تفاديا لتعطيل الملك بسبب اختفاء المكتري، كما نظم في المقابل مسطرة تمكن المكتري من استرجاع حيازته إذا تعرض للطرد خارج المساطر القانونية.
📗 خلاصة الباب
- يخضع الكراء المدني (كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني غير التجاري) للقانون 67.12 الذي يشترط محررا كتابيا ثابت التاريخ لإثبات العقد.
- يلتزم المكري بتسليم المحل صالحا للاستعمال وإجراء الإصلاحات الضرورية، ويلتزم المكتري بأداء الوجيبة واستعمال المحل بحسن نية والمحافظة عليه.
- تخضع مراجعة الوجيبة الكرائية لقيدين آمرين (زمني ونسبي)، ويميز القانون تمييزا دقيقا بين الإنهاء (لرغبة المكري في الاسترجاع لأسباب محددة) والفسخ (لإخلال المكتري بالتزاماته، وأبرزها عدم الأداء).
◀ الفصل السابق: الباب الثاني: الإطار العام لعقد الكراء
الفصل التالي: الباب الرابع: الكراء التجاري ▶
اترك تعليقاً