فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الرابع: الكراء التجاري

📖 العقود المسماة — الفصل 5 من 7 — فهرس الكتاب

المبحث الأول: نطاق تطبيق القانون 49.16

إذا كان الكراء المدني يهدف إلى حماية استقرار السكن، فإن الكراء التجاري ينطلق من فكرة أخرى تماما: حماية الأصل التجاري باعتباره مالا منقولا معنويا يستمد قيمته أساسا من عنصري الزبناء والسمعة التجارية، وهما عنصران يرتبطان ارتباطا وثيقا بموقع المحل. ومن هنا جاءت فكرة الملكية التجارية، أي حق المكتري في البقاء في المحل ما دام يستغل فيه أصلا تجاريا، وحقه في تعويض عادل إن أفرغ منه.

حددت المادة الأولى من القانون 49.16 نطاق تطبيقه في عقود كراء العقارات أو المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو حرفي أو صانع. ويستفاد من ذلك أن الخضوع لهذا القانون رهين بتوافر شرطين متلازمين: وجود أصل تجاري يستغل فعليا في المحل، وثبوت صفة التاجر أو الحرفي أو الصانع للمكتري، وهو ما يقتضي مبدئيا التقييد في السجل التجاري.

وقد وسع المشرع من هذا النطاق ليشمل طوائف كانت محل خلاف قضائي في ظل ظهير 1955، فأخضع لأحكامه عقود كراء المحلات الملحقة بالمحل الأصلي، والأراضي العارية التي شيدت عليها بنايات لاستغلال أصل تجاري بموافقة كتابية من المالك، والمحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها، والمحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطا تجاريا، والمصحات والمؤسسات المماثلة لها، والمحلات التي يمارس فيها النشاط الصيدلي ومختبرات التحاليل البيولوجية الطبية، فضلا عن المحلات الموجودة بالمراكز التجارية التي عرفها القانون تعريفا خاصا.

وفي المقابل، استثنى المشرع من نطاق التطبيق عقود كراء المحلات الداخلة في نطاق الملك العام للدولة، والمحلات الداخلة في ملكها الخاص أو في ملك الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية حين تكون مرصودة لمنفعة عامة، والمحلات الداخلة في نطاق الأوقاف، والعقود المبرمة بناء على مقرر قضائي أو نتيجة له.

المبحث الثاني: شكلية العقد والحق في التجديد

نصت المادة 3 من القانون 49.16 على أن عقود كراء المحلات التجارية تبرم وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ. وقد أثار هذا النص نقاشا فقهيا واسعا، إذ لم يرتب المشرع جزاء صريحا على تخلف الكتابة، مما فتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل الكتابة هنا شرط لانعقاد العقد أم مجرد وسيلة لإثباته؟ ويميل جانب من الفقه والقضاء إلى اعتبارها شرطا للإثبات لا للانعقاد، حماية للمكتري حسن النية الذي قد يستغل المحل سنوات دون عقد مكتوب، وهو الاتجاه الأقرب إلى روح القانون الحمائية.

ويشكل الحق في التجديد جوهر النظام الحمائي في الكراء التجاري. فقد نصت المادة 6 على أن المكتري يكون محقا في تجديد عقد الكراء متى توفرت الشروط المقررة، وأن كل شرط مخالف يعد باطلا. غير أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يشترط لاكتسابه أن يثبت المكتري انتفاعه بالمحل بصفة مستمرة لمدة سنتين على الأقل. وهذه المدة هي عتبة اكتساب الملكية التجارية، وقبلها يبقى المكتري في وضعية أقرب إلى وضعية المكتري العادي.

ومن الناحية العملية، فإن انتهاء المدة المتفق عليها في العقد لا يؤدي تلقائيا إلى إفراغ المكتري؛ فإذا استمر هذا الأخير في شغل المحل بعد انصرام المدة دون اعتراض المكري، تحول العقد إلى عقد غير محدد المدة، واستمر المكتري في التمتع بحقه في التجديد.

المبحث الثالث: الإفراغ والتعويض

جعل المشرع الأصل هو أن رفض تجديد العقد يستوجب أداء تعويض للمكتري، ما لم توجد حالة من حالات الإعفاء. ويعادل هذا التعويض ما لحق المكتري من ضرر ناجم عن الإفراغ، ويشمل على الخصوص قيمة الأصل التجاري محددة على أساس التصريحات الضريبية للسنوات الأربع الأخيرة، وما أنفقه المكتري من تحسينات وإصلاحات، ومصاريف الانتقال، وقيمة العناصر التي فقدها الأصل التجاري بسبب الإفراغ.

وفي المقابل، حددت المادة 8 حالات الإفراغ دون تعويض، وهي حالات يكون فيها المكتري قد أخل بالتزام جوهري، ومنها عدم أداء الوجيبة الكرائية داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ التوصل بالإنذار مع تكرار هذا الإخلال، وإحداث تغييرات بالمحل دون موافقة المكري تكون من شأنها المساس بسلامة البناية، وتغيير النشاط التجاري المتفق عليه دون موافقة، وعدم القيام بأعمال الصيانة الملزم بها رغم الإنذار، وكراء المحل من الباطن خلافا لما يقتضيه العقد، وفقدان الأصل التجاري لعنصر الزبناء والسمعة التجارية بسبب إغلاق المحل مدة معينة.

كما نظم المشرع حالات خاصة يسترجع فيها المكري محله لأغراض مشروعة، مع تقرير ضمانات لفائدة المكتري:

  • الإفراغ لأجل الهدم وإعادة البناء: يشترط أن يكون المكري مالكا للمحل مدة لا تقل عن سنة من تاريخ الإنذار، وأن يؤدي للمكتري تعويضا مؤقتا يوازي كراء ثلاث سنوات، مع احتفاظ المكتري بحق الرجوع إلى المحل إذا اشتملت البناية الجديدة على محلات معدة لممارسة نشاط مماثل.
  • الإفراغ للتوسعة أو التعلية: ويخضع لمقتضيات مشتركة مع الحالة السابقة من حيث التعويض المؤقت وحق الرجوع.
  • الإفراغ للاستعمال الشخصي: يتعين على المستفيد أن يعتمر المحل شخصيا داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ مغادرة المكتري، ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وإلا حق للمكتري المطالبة بتعويض يوازي كراء ثمانية عشر شهرا حسب قيمة آخر وجيبة كرائية.

ونظم القانون كذلك، في مادته 32، مسطرة استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة، إذ يحق للمكري الذي توقف مكتريه عن أداء الكراء وهجر المحل إلى وجهة مجهولة لمدة ستة أشهر أن يطلب من رئيس المحكمة، بصفته قاضيا للمستعجلات، إصدار أمر بفتح المحل والإذن له باسترجاع حيازته.

وأخيرا، أفرد المشرع بابا خاصا لإفراغ السكن الملحق بالمحل التجاري، مانعا المالك من المطالبة به إذا كان استرجاعه سيحدث مساسا خطيرا باستغلال الأصل التجاري، وهو ما يعكس بجلاء المنطق الذي يحكم هذا القانون: تغليب استمرارية النشاط الاقتصادي.

📗 خلاصة الباب

  • يخضع الكراء التجاري (كراء المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو صانع أو حرفي مقيد في السجل التجاري) للقانون 49.16، الذي يشترط بدوره محررا كتابيا ثابت التاريخ.
  • يشكل الحق في التجديد جوهر الحماية في الكراء التجاري: يكتسبه المكتري بعد سنتين من الانتفاع المستمر، وامتناع المكري عن التجديد دون مبرر يستوجب أداء تعويض يعادل الضرر اللاحق بالأصل التجاري.
  • حدد القانون حالات إفراغ دون تعويض (كعدم الأداء)، وحالات استرجاع لأغراض مشروعة (الهدم وإعادة البناء، التوسعة، الاستعمال الشخصي) مع ضمانات لفائدة المكتري كتعويض مؤقت وحق الرجوع.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية