أرصفة طنجة تحت رحمة الأنياب: كيف تحولت شوارع البوغاز إلى كابوس ليلي؟

أرصفة طنجة تحت رحمة الأنياب: كيف تحولت شوارع البوغاز إلى كابوس ليلي؟

تستيقظ طنجة كل صباح على هدير أوراش كبرى تستعد لمواعيد دولية، لكن مواطنيها يقطعون شوارعهم بحذر وترقب خشية هجوم مباغت تشنه مجموعات من الكلاب الضالة. لم تعد الظاهرة مجرد مشهد عابر في الهوامش المنسية، بل تحولت إلى حوادث اعتداء مباشرة سُجلت في قلب الأحياء السكنية والشرايين الحيوية لعاصمة البوغاز، وفق ما نقلته جريدة “الأخبار”، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً: كيف لعاصمة اقتصادية وسياحية واعدة أن تعجز عن تأمين سلامة أقدام العابرين على أرصفتها؟

الوقائع المتكررة لم تعد تقتصر على النباح الليلي الذي يكسر هدوء الأحياء السكنية، بل بلغت حد مطاردة الراجلين ومهاجمة أطفال وعمال يتوجهون إلى مقرات عملهم في الساعات الأولى من الصباح. شهادات متطابقة نقلها سكان مناطق متفرقة بالمدينة تكشف حالة فزع يومي؛ إذ بات اجتياز زقاق فرعي أو محاذاة مساحة خالية مغامرة غير محسوبة العواقب، خصوصاً حين تلتئم هذه الحيوانات في شكل قطعان منظمة تتصرف بغريزة دفاعية شرسة عند أدنى حركة.

بين الواجهة اللامعة وخوف الأزقة

المفارقة في طنجة اليوم تفقأ العين؛ فالمدينة التي تسابق الزمن لتقديم نفسها واجهة متوسطية حديثة للمملكة، بأرصفتها العريضة، ومشاريع بنيتها التحتية العملاقة، وماريناها العالمية، تعيش أحياؤها مفارقة أمنية صحية بدائية. المواطن الذي يسير بجانب مشاريع كلفت ملايير الدراهم يجد نفسه مضطراً للالتفات وراءه كل بضع خطوات، باحثاً عن حجر أو عصا تحميه من هجوم قطيع جائع يتخذ من حاويات الأزبال نقطة تمركز.

بحسب ما نُشر، تصاعدت شكايات السكان بعد توالي حوادث مباغتة استهدفت مواطنين في غفلة منهم، مما تسبب في إصابات متفاوتة وحالات ذعر تستدعي غالباً تدخلاً طبياً مستعجلاً للوقاية من داء السعار. هذا الخطر الصحي الصامت يعيد طرح مسألة التطعيم والتدخل الاستباقي؛ فكل عضة كلب ليست مجرد جرح سطحي، بل مسار طويل ومعقد من الحقن الوقائية والاستنفار النفسي للعائلة بأكملها، في وقت تتساءل فيه الساكنة عن مآل المخططات التي أعلنت عنها المجالس المنتخبة سابقاً لإنهاء هذه المعضلة.

أين اختفت وعود التعقيم والإيواء؟

لسنوات طويلة، ظل النقاش في المغرب عموماً، وفي طنجة خصوصاً، يتأرجح بين مقاربتين: مقاربة القنص والتسميم التي ترفضها الجمعيات الحقوقية وحماة البيئة والحيوان وتعتبرها ممارسة متجاوزة وغير إنسانية، ومقاربة “التعقيم والتلقيح وإعادة الإطلاق” المعروفة دولياً. تم تقديم المقاربة الثانية باعتبارها الحل السحري المتحضر؛ رُصدت ميزانيات، وعُقدت اتفاقيات شراكة بين مصالح وزارة الداخلية والجماعات الترابية وهيئات البياطرة، لكن الواقع الميداني في شوارع طنجة يروي قصة مختلفة تماماً.

السؤال الذي يطرحه الشارع الطنجي بمرارة: أين ذهبت تلك البرامج، ولماذا تتكاثر الأعداد بوتيرة أسرع من أي تدخل ميداني؟ الفجوة بين الخطاب الإداري والواقع اليومي تتسع يومياً؛ إذ لا يرى المواطن فرقاً بين ما قبل الاتفاقيات وما بعدها، سوى أن الكلاب باتت أكثر جرأة وأكبر عدداً. هل تعطلت الشراكات؟ أم أن الإمكانات المرصودة لم تكن كافية لمواكبة التوسع العمراني الهائل الذي تشهده المدينة، والذي يوفر بيئات خصبة لتكاثر هذه الحيوانات في محيط الأوراش والمجمعات السكنية الجديدة؟

كلفة الإهمال وحسابات المسؤولية

ليست القضية مجرد نقاش حول الرفق بالحيوان في مقابل حق الإنسان في التجول الآمن، بل هي قضية حكامة وتحديد للمسؤوليات القانونية. حين يتعرض مواطن لهجوم في ملك عمومي يخضع إدارياً لمجلس جماعي، من يتحمل التكلفة الجسدية والمعنوية؟ النصوص القانونية واضحة في تحميل الجماعات الترابية مسؤولية حفظ الصحة العامة والسكينة العامة، وحين تعجز هذه الأجهزة عن تدبير ظاهرة تتكرر يومياً، فإن الأمر يتحول من حادث عارض إلى تقصير تدبيري بيّن.

تزداد خطورة الوضع مع اقتراب الفترات التي تشهد فيها طنجة تدفقاً سياحياً محلياً ودولياً كبيراً. المشهد الذي وثقته تقارير محلية لا يسيء فقط لراحة قاطني الأحياء الشعبية والراقية على حد سواء، بل يبعث برسائل سلبية عن مستوى تدبير المرفق العام في قطب حضري يُراد له أن يكون قطار التنمية في الشمال. الكلاب الضالة ليست كائنات هبطت من السماء فجأة، بل هي نتيجة تراكم سنوات من إهمال مراقبة التوالد، وغياب ملاجئ مجهزة وفق المعايير، والتعامل الموسمي مع أزمة تتطلب عملاً يومياً متواصلاً.

المعادلة المعقدة: من يدفع الثمن؟

إن ترك الشوارع لسطوة هذه القطعان يدفع بعض المواطنين إلى محاولة أخذ المبادرة بأيديهم، وهي خطوة محفوفة بمخاطر إضافية؛ فاستعمال السموم العشوائية يعرض سلامة الأطفال والحيوانات الأليفة للخطر، وتصيدها بالعنف يكرس مشاهد دموية ترفضها الأغلبية. بين عجز التدبير الجماعي وردود الفعل الفردية، يبقى الضحية الأول هو المواطن البسيط الذي لا يملك وسيلة نقل خاصة تحميه، بل يعتمد على ساقيه لقطع المسافات بين بيته ومحطة الحافلة أو مكان رزقه.

المعضلة اليوم لم تعد تحتمل تقديم التبريرات التقنية أو الإدارية عن بطء الإجراءات أو تأخر صرف الاعتمادات. طنجة تواجه تحدياً يومياً يمس أمن أحيائها السكنية في العمق، وإذا كانت المدينة قادرة على تشييد الجسور والأنفاق في أوقات قياسية، فكيف تقف عاجزة أمام تطويق رقعة جغرافية تنتشر فيها الكلاب بحرية تتحدى حق البشر في رصيف آمن؟

هل ينتظر مدبرو الشأن العام في طنجة فاجعة جديدة تتصدر العناوين الوطنية لكي تتحرك الآليات المعطلة، أم أن سلامة المارة في شوارع البوغاز ستبقى مؤجلة إلى حين ترتيب أولويات أخرى؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية