التضخم يتراجع في أرقام يونيو.. لماذا لم تصل البشارة إلى قفة المغربي؟

التضخم يتراجع في أرقام يونيو.. لماذا لم تصل البشارة إلى قفة المغربي؟

سجلت البيانات الاقتصادية الخاصة بشهر يونيو انخفاضاً في معدل التضخم بالمغرب، بحسب ما نشرته صحيفة «هسبريس»، لتبث هذه الأرقام موجة من التفاؤل الحذر في الأوساط المالية. خبرٌ يبدو للوهلة الأولى كمؤشر على نهاية مرحلة قاسية عاشتها الأسر المغربية تحت وطأة ارتفاع الأسعار المتتالي، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالاً مبدئياً يتكرر في كل باب دكان وسوق شعبي: هل انخفضت تكاليف المعيشة فعلياً، أم أن الأرقام تتراجع بينما تتشبت الأسعار بقممها؟

تراجع التضخم في العرف الإحصائي لا يعني مطلقاً هبوط الأسعار إلى مستوياتها القديمة التي يذكرها المواطن قبل سنوات الجفاف والأزمات المتلاحقة. الإحصاء يتحدث عن تباطؤ سرعة الارتفاع، لا عن العودة إلى الخلف. إذا كانت السلعة قد قفزت في وقت سابق من عشرة دراهم إلى خمسة عشر درهماً، فإن تراجع التضخم يعني ببساطة أن السلعة نفسها قد ترتفع الآن بضع سنتيمات فقط أو تستقر عند ذلك السقف المرتفع. هنا بالتحديد تنشأ الفجوة الإدراكية بين ما تعلنه التقريرات وما يسجله المواطن عند مد يده إلى جيبه.

بالأرقام: ماذا حدث في شهر يونيو؟

تأتي معطيات يونيو الصادرة مؤخراً، والواردة في تقرير «هسبريس»، لتسلط الضوء على انفراجة نسبية في وتيرة صعود المؤشر العام لأسعار الاستهلاك. تراجعت الضغوط التي كانت تغذيها أساساً كلفة المحروقات والمواد الغذائية المستوردة خلال الأشهر الماضية، مما سمح للمؤشر بالتقاط أنفاسه مقارنة بالفترات ذاتها من السنة الماضية.

هذا الانخفاض الرقمي يعكس بالدرجة الأولى استقراراً أفقياً في بعض سلاسل التوريد، وانخفاضاً في أسعار بعض المواد الاستهلاكية على المستوى الدولي، وهي عوامل خففت العبء جزئياً عن الميزان التجاري للمملكة. غير أن الصورة لا تبدو متجانسة بالكامل عند تفكيك السلة التي يعتمدها خبراء الإحصاء للوصول إلى هذا الرقم التجميعي؛ فالمواد الأساسية التي تشكل العصب اليومي لإنفاق الأسرة المغربية تكشف قصصاً أخرى.

بين شاشة الحسابات وقفّة المتبضع: أين الخلل؟

يحتاج المتبضع المغربي في سوق الخضر والفواكه إلى جهده الخاص ليتلمس أثر هذا التراجع المعلن. الخبر الصحفي يحمل ببغاء الأرقام، لكن الواقع في الأسواق اليومية يحكمه قانون العرض والطلب المحلي وقسوة الوسطاء.

يطرح هذا الواقع مفارقة صارخة: كيف يتفق إعلان تراجع التضخم مع استمرار غلاء أسعار لحوم الأغنام والأبقار وبعض الخضروات الأساسية التي لم تتنازل عن أرقامها القياسية؟

الإجابة تكمن في طبيعة مؤشر أسعار الاستهلاك نفسه. المؤشر يقيس سلة واسعة تتضمن أجهزة إلكترونية، وخدمات، ومواد غير غذائية قد يشهد بعضها تراجعاً حاداً ليجر المعدل العام إلى الأسفل، في حين تظل سلة التغذية – التي تلتهم الجزء الأكبر من دخل الطبقات الفقيرة والمتوسطة – تكتوي بلهيب الارتفاع. القفة المغربية تتأثر بما يوضع في الطنجرة يومياً، لا بمؤشرات أجهزة التلفاز أو السلع المعمرة التي لا يشتريها المواطن إلا مرة كل عدة سنوات.

حسابات الصيف: ضغوط موسمية لا ترحم

جاء هذا التراجع الرقمي في شهر يونيو متزامناً مع ترتيبات موسمية معقدة في الشارع المغربي. دخول فصل الصيف، وحركة العائلات، واستهلاك العطلات، كلها عوامل تصنع طلباً إضافياً يضغط على الأسواق.

يضاف إلى ذلك واقع القطاع الفلاحي الذي يعاني من تبعات سنوات متتالية من حبس المطر، مما يقلل العرض المحلي من المنتجات الطرية. هذا التضاد بين عرض محدود بفعل الجفاف وطلب مرتفع بفعل موسم الصيف، ينسف في كثير من الأحيان الأثر الإيجابي لتراجع التضخم المستورد. يبدو المشهد وكأن الاقتصاد الرسمي يسير في اتجاه حثيث نحو الاستقرار، بينما يسير السوق اليومي في اتجاه محلي محكوم بالندرة والمضاربة.

من يربح ومن يدفع الفاتورة؟

في معادلة التضخم هذه، لا تتوزع المكاسب والخسائر بالتساوي. الشركات الكبرى والمتعاملون في التجارة الدولية يستفيدون فوراً من تباطؤ أسعار المواد الخام والوقود، حيث تنخفض كلفة الإنتاج والنقل لديهم، مما يظهر سريعاً في بياناتهم المالية.

أما المستهلك النهائي، وخاصة من ذوي الدخل المحدود، فهو آخر من يتذوق ثمار هذا الانخفاض، إن وصلته أساساً. يعود ذلك إلى الهوامش الربحية التي يصر الوسطاء وتجار الجملة على الاحتفاظ بها، مستغلين حالة التعود التي تشكلت لدى المستهلك تجاه الأسعار المرتفعة. أصبح من المألوف أن ترتفع الأسعار بحجة الأزمة العالمية، لكن يقل جداً أن تتراجع عندما تزول تلك الحجة.

القدرة الشرائية في مواجهة الواقع

يبقى التحدي الأكبر أمام السياسات العمومية هو ترجمة هذه البيانات المتفائلة إلى أثر ملموس يلاحظه المواطن في دخله الفعلي. إن تراجع التضخم إلى مستويات منخفضة لا يعني أن الأزمة قد انقضت، بل يعني فقط أنها توقفت عن التعاظم بالسرعة نفسها.

استنزفت أزمة الغلاء السابقة الادخار العائلي للطبقة المتوسطة، ودَفعت أسرًا كثيرة إلى تغيير نمط استهلاكها والتخلي عن أساسيات كانت تعتبر سابقاً من البداهات. لذلك، فإن عودة المؤشر الإحصائي إلى منطقة الأمان الرقمية تعتبر خطوة أولى غير كافية، ما لم ترفق بإجراءات ضبط حقيقية لسلاسل التوزيع ومحاربة الاحتكار الذي يلتهم أي تراجع في التكاليف قبل أن يصل إلى الرفوف.

إذا كان التضخم قد فرمل اندفاعه في أرقام يونيو الرسمية، فمتى تقرر الأسعار في الأسواق المغربية أن تبدأ طريق العودة، أم أن القفة كُتب عليها أن تتأقلم للأبد مع القمم الجديدة؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية