غضبت جمعيات حماية المستهلك في المغرب من أسعار وجبات المطاعم، بعد أن انخفضت أسعار الدجاج دون أن ينعكس ذلك على قوائم الطعام. هذا ما أوردته هسبريس في خبر حمل العنوان نفسه تقريباً. المفارقة بسيطة وصادمة: مادة أولية تتراجع كلفتها، ووجبة تبقى على سعرها أو ترتفع. فأين يتبخر الفرق؟
ما الذي قيل بالضبط؟
الخبر، في خطوطه العريضة، يضع أمام القارئ معادلة لا تستقيم. الدجاج، وهو من أكثر المواد حضوراً في مطاعم الأكلات السريعة والمطاعم الشعبية وحتى المتوسطة، عرف تراجعاً في الأسعار. وفي المقابل، يشتكي المستهلكون من أن ما يدفعونه مقابل وجبة خارج البيت لم يتراجع بالوتيرة نفسها، بل يشعرون أنه يسير في الاتجاه المعاكس.
وبحسب ما نُشر، عبّرت جمعيات المستهلك عن استيائها من هذا الوضع. الغضب هنا ليس موجهاً إلى حدث عابر، بل إلى سلوك تسعيري يتكرر: الأسعار تصعد بسرعة حين ترتفع الكلفة، وتنزل ببطء شديد، أو لا تنزل، حين تنخفض.
لن نضيف إلى المعطى ما لم يرد فيه. لا أرقام دقيقة هنا عن نسبة انخفاض الدجاج، ولا عن مقدار الزيادة في الوجبات، ولا عن مطاعم بعينها. وهذا الغياب نفسه جزء من القصة، كما سنرى.
لماذا لا ينزل السعر بسهولة؟
المطعم ليس دجاجاً فقط. هناك كراء المحل، وفواتير الماء والكهرباء، وأجور العاملين، والغاز، والزيت، والخبز، والخضر، والتغليف في حالة الطلبات الجاهزة. الدجاج حلقة واحدة في سلسلة طويلة، وقد يقول صاحب مطعم إن تراجع سعر مكوّن واحد لا يكفي لتخفيض سعر الوجبة.
هذه حجة معقولة من حيث المبدأ. لكنها تفتح سؤالاً مقابلاً: إذا كان ارتفاع أي مكوّن يبرر الزيادة فوراً، فلماذا لا يبرر انخفاض مكوّن رئيسي تخفيضاً ولو رمزياً؟ القاعدة التي تعمل في اتجاه واحد لا تسمى قاعدة سوق، بل عادة.
سوق بلا لافتة أسعار
في كثير من المطاعم المغربية لا تُعلَّن الأسعار بوضوح، أو تتغير القائمة دون إشعار. والزبون الذي يجلس جائعاً أمام طاولة لا يقارن ولا يفاوض. هذه هي النقطة التي تتحدث عنها جمعيات المستهلك عادة حين تطالب بالشفافية والمراقبة: غياب المعلومة يمنح البائع هامشاً واسعاً لا يملكه لو كان الزبون يعرف ما يجري في سوق الجملة.
من يربح؟
السؤال الأهم في هذا الملف هو سؤال الهامش. حين ينخفض سعر الدجاج عند المنتج أو التاجر ولا ينخفض في الصحن، فهناك ثلاثة احتمالات لا يحسم الخبر بينها. الأول أن المطاعم تعوّض به ارتفاع مصاريف أخرى. الثاني أنها تحتفظ بالفارق ربحاً إضافياً. الثالث أن الانخفاض لم يصل أصلاً إلى المطاعم بالحجم الذي يُعلن عنه في السوق.
لا نملك في المعطى ما يرجّح أحد هذه الاحتمالات، ولن ندّعي ذلك. لكن الذي نعرفه أن المستهلك هو الحلقة الوحيدة التي لا تستطيع تمرير كلفتها إلى أحد. هو آخر السلسلة، يدفع حين يرتفع كل شيء، ولا يستفيد حين ينخفض شيء.
ماذا يتغير عند الأسرة المغربية؟
وجبة المطعم لم تعد ترفاً عند شريحة واسعة. هناك العامل الذي يأكل خارج بيته يومياً، والطالب، والموظف في استراحة الغداء، والأسرة التي تخرج آخر الأسبوع. بالنسبة إلى هؤلاء، فرق بضعة دراهم في الوجبة يتضاعف بعدد المرات في الشهر. وحين يُقال لهم إن الدجاج رخص، ثم يقرؤون القائمة نفسها بالأسعار نفسها، فإن ما يتآكل ليس الجيب وحده، بل الثقة في أن السوق يعمل لصالحهم أيضاً.
أين الخلل؟
الخلل ليس في أن يربح المطعم. الربح مشروع، ومن يفتح مطعماً يجازف بماله ووقته. الخلل في أن العلاقة بين كلفة المادة وسعر الوجبة غير مرئية لأحد، فلا يستطيع المستهلك أن يحكم، ولا تستطيع الجهات الرقابية أن تتدخل بأدلة ملموسة.
وهنا يبرز سؤال لم يُجب عنه الخبر: ما هي الأدوات المتاحة فعلاً لمراقبة أسعار المطاعم؟ وهل تكفي حملات موسمية تنتهي بانتهاء الضجة؟ الجمعيات تغضب، وهذا حقها، لكن الغضب لا يغيّر قائمة طعام. ما يغيّرها هو المقارنة العلنية، والمنافسة، وإلزام المحلات بإعلان أسعارها بوضوح.
ثم إن هناك مفارقة أخرى تستحق الانتباه: كلما كان المطعم شعبياً وبسيطاً، كان أقرب إلى الزبون وأكثر حساسية لتذمره، وكلما كان أرقى، تمدد هامش التسعير. فهل تتحمل المطاعم الصغيرة وزر غضب يخص الجميع؟ وهل يُحاسَب الصغير على ما يفعله الكبير؟
سؤال بلا جواب حتى الآن
الدجاج رخص، هذا ما يقوله الخبر. والوجبة لم ترخص، وهذا ما يقوله الزبون. بين الجملتين مسافة لا يملؤها إلا من يملك الأرقام: كم كانت كلفة الدجاج في الوجبة، وكم صارت؟
فإن لم يجب أحد عن ذلك، فلنسأل بصوت أعلى: إذا كان السعر يصعد بمبرر ولا ينزل بمبرر، فمن الذي يقرر، في النهاية، ثمن العشاء؟







اترك تعليقاً