اتهمت منظمة العفو الدولية فرنسا بزيادة صادراتها العسكرية إلى إسرائيل خلال 2025، في وقت تقول فيه المنظمة إن الإبادة الجماعية في غزة دخلت عامها الثالث. وبحسب ما نُشر، ترى المنظمة أن استمرار الحرب كل هذه المدة لا يُفسَّر بقدرة إسرائيل وحدها، بل باعتمادها على دعم دول أخرى، وفرنسا في مقدمتها.
الاتهام ثقيل، والسؤال الذي يطرحه أثقل: ما الذي يجعل حرباً تدوم ثلاث سنوات؟ وهل تكفي بيانات القلق حين تتحرك شحنات السلاح في الاتجاه المعاكس؟
ما الذي قالته المنظمة بالضبط؟
الفكرة المركزية في موقف العفو الدولية بسيطة وحادة. الحرب لا تستمر في فراغ. هي تحتاج إلى ذخيرة وقطع غيار ومعدات وغطاء سياسي، وهذه كلها تأتي من الخارج بدرجات متفاوتة. ومن هذه الزاوية، تضع المنظمة فرنسا ضمن الدول التي ساهمت، بتصديرها العتاد العسكري، في تمكين إسرائيل من مواصلة عملياتها في غزة.
العنوان الذي اختارته المنظمة لتنديدها يركّز على «زيادة» الصادرات خلال 2025، أي أن المسألة في نظرها ليست استمراراً لتعاون قديم فحسب، بل توسّع فيه في عام كانت فيه الحرب في غزة قد بلغت ثلاثة أعوام.
ولا يتضمن المعطى المتاح أرقاماً دقيقة عن قيمة هذه الصادرات أو نوعها، ولا ردّاً فرنسياً رسمياً. وهذا بالذات ما ينبغي أن يُسجَّل من البداية: نحن أمام اتهام صادر عن منظمة حقوقية، لا أمام معطيات مفصّلة يمكن التحقق منها هنا بنداً بنداً.
أين الفجوة بين المعلن والواقع؟
هنا يبدأ الإشكال الصحفي. الدول التي تصدّر السلاح تؤكد عادةً أنها تلتزم بقواعد ومعايير في منح التراخيص. والمنظمات الحقوقية ترد بأن هذه القواعد تفقد معناها حين يُستعمل العتاد في نزاع تتهم فيه إحدى الأطراف بارتكاب إبادة.
فكيف يتفق الحديث عن الالتزام بالقانون الدولي مع زيادة الصادرات العسكرية إلى طرف تتهمه منظمة بحجم العفو الدولية بارتكاب جرائم جسيمة؟ سؤال مفتوح، ولم يُجب عنه الخبر. ولا نملك في المعطى ما يسمح لنا بالجزم بما قالته باريس أو بما تعتمده من تبريرات.
الغموض الثاني يتعلق بطبيعة هذه الصادرات. هل هي معدات مباشرة للقتال، أم مكونات وقطع تدخل في صناعات أخرى؟ الفرق ليس تفصيلاً تقنياً، لأنه يحدد حجم المسؤولية القانونية والسياسية. وحين يغيب هذا التفصيل عن النقاش العام، يصبح الاتهام والدفاع معاً أقرب إلى تبادل شعارات.
من يربح من استمرار الحرب؟
لا يقدّم الخبر جواباً مباشراً، لكن منطق المنظمة يشير إلى اتجاه واضح. المستفيد الأول عسكرياً هو الطرف الذي يواصل عملياته دون أن يواجه نقصاً في الإمداد. أما المستفيد الثاني فهو كل من يجعل علاقته العسكرية والتجارية بإسرائيل أولوية تعلو على الاعتبارات الحقوقية.
وفي المقابل، الخاسر معروف: سكان غزة الذين يعيشون عامهم الثالث تحت الحرب، وصدقية منظومة دولية تقول إنها تحمي المدنيين ثم تتردد في ربط سياساتها التجارية بهذا الشعار.
وماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟
قد يبدو الأمر بعيداً عن الرباط والدار البيضاء وطنجة، لكنه ليس كذلك تماماً. الرأي العام المغربي من أكثر الرأي العام العربي حساسية تجاه ما يجري في غزة، وقد عبّر عن ذلك مراراً في الشارع وفي الفضاء الرقمي. وفرنسا ليست دولة عادية في الوعي المغربي، فهي شريك تاريخي واقتصادي وسياسي. لذلك فإن أي نقاش حول موقعها من الحرب يلامس مباشرة سؤال المعايير: هل تُطبَّق القيم نفسها على الجميع؟
ولا يعني هذا أن المقال يحمّل المغرب شيئاً، ولا أن الخبر يشير إليه. المقصود فقط أن القارئ المغربي، وهو يتابع تقارير المنظمات الدولية، يحق له أن يسأل عن مدى اتساق الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان مع سلوك حكوماته في ملفات السلاح.
سؤال لم يُحسم
ما يجعل تقرير العفو الدولية مهماً ليس فقط اتهامه لفرنسا، بل الفكرة التي يقوم عليها: أن الحرب الطويلة تحتاج إلى شركاء طويلي النفس. وإذا صحّ أن الدعم الخارجي هو ما يطيل أمدها، فإن وقفها لا يمر عبر النداءات وحدها، بل عبر قرارات تتعلق بالتراخيص والعقود والشحنات.
تبقى الحقيقة أن المعطى الذي بين أيدينا لا يكشف حجم الصادرات ولا طبيعتها ولا موقف الحكومة الفرنسية منها. وهذه الفجوات هي بالضبط ما يجب أن يطالب به الصحفيون والبرلمانيون في باريس قبل غيرهم: أرقاماً واضحة وتبريرات علنية.
فإذا كانت الدول تعرف تماماً إلى أين تذهب شحناتها، فلماذا يبدو الجواب عن سؤال «لمن تبيعون؟» دائماً أصعب من توقيع العقد نفسه؟







اترك تعليقاً