📖 علم الإجرام — الفصل 3 من 8 — فهرس الكتاب
الاهمية العملية لعلم الاجرام
نظرا لأن علم الاجرام يقوم به دارسون من فنون أخرى غير فن القانون فقد اعتبر الكثير أن علم الاجرام مادة غير قانونية ، فرجل الاجتماع مثلا يتحدث لنا عن أسباب الظاهرة الاجرامية ويفسرها أبلغ مما يفعل ذلك رجل القانون . ولو أن هذا الأمر فيه بعض الصحة إلا أنه لا ينبغي أن يحول دون أن يخوض رجل القانون في دراسة اسباب الظاهرة الاجرامية حتى وان بدا له أن دوره فيها هو دور الرجل الثاني أو الثالث ، وذلك راجع إلى أن علم الاجرام مادته هو الانسان وليس كالقانون المدني مثلا الذي ينصب على الذمة المالية ، لذلك كان لزاما على رجل القانون أن يحيط بعلم الاجرام لأنه يعطيه بعدا ثالثا لن يستطيع أن يطبق النص القانوني تطبيقا سليما اذا كان غافلا عن أسباب الظاهرة الاجرامية و أسبابها ودوافعها المختلفة .
فالمشرع عندما يضع النص الجنائي فهو يضع في اعتباره التطبيق المرن ، ويجعل العقوبة بين حد أدنى وحد أقصى ، والقاضي ملزم بتطبيق العقوبة المناسبة لكل حالة حسب خطورة الفعل و خطورة الفاعل ، فالقاضي الذي يحيط بالدوافع النفسية والاجتماعية للمجرم يستطيع أن يطبق النص الجنائي تطبيقا صائبا ، فعلم الاجرام هو الذي يعطي لرجل القانون هذا البعد الثالث رغم أن رجل القانون لا يملك خبرة الطبيب ولا عالم الاجتماع لكنه يستعين بهؤلاء ويطابق دراساتهم على الواقع ثم يكون له رأي في النهاية .
أهمية علم الاجرام العملية :
• يساهم في علاج الجريمة بعد وقوعها
• الاساس الذي يعتمد عليه في تفريد العقوبة تشريعا وقضاء وتنفيذا ، فدراسة الأسباب الفردية للجريمة تؤدي الى معرفة الاسباب التي أدت إلى السلوك الاجرامي وبالتالي الموالمة بين الجريمة وبين العقوبة سواء عند وضع النص القانوني أو عند الحكم أو عند التنفيذ .
• التفريد التشريعي : التفريد هو اختيار العقوبة الملائمة والمناسبة للمتهم والمشرع عندما يضع النص الجنائي يجب عليه أن يضع في اعتباره التطبيق المرن لهذا النص ولا يجب أن يساوي بين العاقل وفاقد العقل والارادة ، بين الكامل الاهلية والقاصر ، بين من ارتكب الجريمة مع سبق الاصرار وبين من ارتكبها تحت ظروف استثنائية ، لأن المسؤولية الجنائية تتدرج حسب المراحل العمرية للإنسان وإن الشخص قبل سن 12 سنة يكون منعدم الأهلية و في سن 16 يكون ناقص الأهلية وفي سن 18 يكون مكتمل الأهلية ويتحمل مسؤولية تصرفاته ، بخلاف المدرسة الكلاسيكية التي لا تفرق بين قاصر وكامل الأهلية ، بين عاقل و مجنون ، فتقول جريمة واحدة عقوبة واحدة ، هكذا فرق المشرع المغربي مثلا بين مرتكب جريمة القتل مع سبق الاصرار والترصد وبين مرتكب نفس الجريمة تحت تأثير الاستفزاز ، و طبق تشديدا في الاولى نظرا لتواجد خطورة إجرامية وتخفيفا في الثانية لانعدام النية الاجرامية والخطورة الجرمية ، لذلك عمل المشرع على تفريد الجزاء الجنائي ووضع جزاءات مختلفة لنفس الجريمة ، وعلم الاجرام هو من يساعد المشرع على هذه المغايرة و التفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، فعلم الاجرام إذن يقدم أهمية كبيرة للمشرع فيما يتعلق بالتفريد التشريعي للجزاءات الجنائية ، ولا يمكن للمشرع أن يعمل على إخراج نصوص جنائية فعالة دون الاستفادة من الابحاث في علم الاجرام .
• التفريد القضائي : التمييز بين التفريد التشريعي والتفريد القضائي : التفريد التشريعي يكون أثناء تشريع القوانين أو النصوص الجنائية أما التفريد القضائي فيكون عند تطبيق هذه القواعد القانونية ، التفريد التشريعي يقوم به المشرع مثلا عندما يشرع قوانين أو نصوص تفرق بين العقوبة الموجهة أو المطبقة على كامل الاهلية وناقص الاهلية و بين من لديه نية اجرامية وبين من ليس لديه نية اجرامية أو خطورة اجرامية ، فيقوم به عند سن القوانين فتكون هناك مغايرة واختلاف في تحديد العقوبة لنفس الجرم ، لكن التفريد القضائي يقوم به القاضي نفسه عند تطبيق النص القانوني الجنائي تحت معيار الحد الادنى والاقصى وحسب دراسته لنوع الجريمة والشخصية الاجرامية ، ففي القديم في فترة سميت بالفترة السوداء كان القاضي مثل الالة وقد سلبت منه السلطة القضائية فالسلطة التنفيذية هي من تصدر له الاحكام فينطق القاضي بالحكم حسب مكانة الجاني في المجتمع وحسب لونه وعرقه ولغته فيحكم عليه بما شاء وكيفما شاء حيث انعدمت قاعدة لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص ، بل وحتى تنفيذ الحكم كان يختلف من شخص لآخر ، لكن بعد الثورة على الاستبداد انتزعت السلطة القضائية من يد السلطة التنفيذية و طبقت قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وأصبح للمجتمع دور في تحديد العقوبة التي يجب أن يتقيد بها لكن تبين بعد ذلك أن هناك عقوبة جريمة واحدة عقوبة واحدة تخل بمبدأ المساواة ، فكيف يمكن أن تكون هناك عقوبة واحدة لجريمة واحدة في إطار نية إجرامية مختلفة ، فظهرت الحاجة إلى إعادة صياغة تلك المبادئ ، فظهر ما يسمى بمبدأ التفريد القضائي ، فأعطيت للقاضي صلاحيات جديدة وسلطة تقديرية محصورة بين الحد الادنى والاقصى ، ثم ظهر أن هذا لا يكفي فجاء ما يسمى بالنزول عن الحد الادنى فيمكن للقاضي النزول عن الحد الادنى للعقوبة إذا ظهر له أن العقوبة مبالغ فيها ، لكن يجب أن يكون هذا النزول معللا بأسباب يقبلها القانون ، فيكون الحكم على الشكل الآتي ” نظرا للظروف الاجتماعية والنفسية قررت المحكمة منح المتهم ظروف التخفيف و نزول العقوبة ” وفي بعض الاحيان ينطق القاضي بالعقوبة ويوقف تنفيذها ” حكم سنة موقوف التنفيذ ” ويمكن للقاضي مع المشروع الجديد أن يخاطب المتهم ويقول له ” ما رأيك أن تقضي العقوبة حبسية أو تشتري عقوبتك ، كل يوم مدفوع الأجر 2000 درهم مثلا عن كل يوم ، أو ما يسمى بالغرامة اليومية لكن فقط في الجرائم البسيطة كالمخالفات أو الجنح أما الجنايات فلا يمكن ذلك وحتى الغرامة المالية تخضع لمبدأ التفريد فالغني يمكن أن يشتري عقوبته بسعر أكبر من الفقير ، وقد يحكم لا بالغرامة ولا بالحبس بل بالأشغال الشاقة ، فيمكن الحكم على طالب أو موظف مثلا ارتكب جريمة مثلا بأن يعمل خدمة أو عملا لفائدة مؤسسة دون أجر كعقوبة بديلة ، لأن الطالب لو أودعناه السجن ربما يتعلم فنونا أخرى للجريمة لم يكن يعرفها فمن الأحسن أن يعمل عملا لفائدة المجتمع يكون عقوبة له ، كل ذلك في إطار السلطات التقديرية التي منحت للقاضي التي وصلت إليها السياسة الجنائية المعاصرة التي رجعت إلى الأصل و هو النظام الاسلامي حيث أن القاضي في التشريع الاسلامي له سلطة تقديرية واسعة حسب ظروف الجاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم ” أي من لهم قدر في المجتمع وشهد لهم بالصلاح إن زلت لهم قدم فالأحسن هو الستر و العفو وجبر عثرات الكرام ، حيث أن الاسلام يراعي الدوافع النفسية والاجتماعية التي دفعت الشخص إلى ارتكاب جريمة والحكم بالعفو بينما من يستحق العقوبة هو من ثبتت في حقه الخطورة الاجرامية ، وللقاضي في الاسلام الصلاحية في الحكم ابتداء من التوبيخ وانتهاء بالإعدام ، حسب الفعل الجرمي و خطورة الفاعل .
• التفريد التنفيذي : الجهة المكلفة بتنفيذ العقوبة تلجأ إلى التفريد التنفيذي مراعاة لشخص المحكوم عليه و ظروفه ، عند تصنيف المحكوم عليهم أو تحديد الاعمال التي يمكن أن يقوموا بها أو من يصدر له قرار العفو ومن يتمتع بالإفراج المشروط وماهية الرعاية اللاحقة لشخص المفرج عنه ، ومراعاة المجرم وظروفه شرط أساسي لنجاح الاجراء الذي تتخذه جهة التنفيذ ، السجن ظهر بمثابة مكان لتنفيذ العقوبة والانتقام والزجر والردع من أجل أن لا يعاود المجرم سلوكه الاجرامي ولإعطاء المجتمع رسالة مفادها بأن الشخص الذي يرتكب جريمة يستحق العقوبة و كل من حاول ارتكاب الجريمة فالسجن هو مكانه الطبيعي ، من أجل إعادة التأهيل والاصلاح والادماج ، فالسجن بمثابة طبيب نفسي أو مستشفى للمجرم فالمجرم شخص مريض يحتاج إلى مستشفى وهو السجن ، فيدخله ليتكيف من جديد مع قيم المجتمع والتقاليد التي سلبت منه فيعاود تأهيله وجعله إنسانا صالحا ومصلحا في المجتمع ، هذا هو الوضع الحديث للسجون وعلم الاجرام له فضل كبير في تحويل أو تغيير الهدف السجني ، فعلم الاجرام وأبحاثه ساهمت بشكل كبير في خدمة المؤسسات السجنية عن طريق الفحص والتصنيف من قبل إدارة السجون ، فهي تفحصه نفسيا وعضويا ثم تصنفه فالنساء لديهم مؤسسات خاصة والاطفال كذلك والرجال أيضا والمعتقلين الاحتياطيين والمجانين ، ثم يتم التصنيف أيضا داخل كل صنف حسب درجة الخطورة والسن والعقل والجنس ، فعلم الاجرام هو المتدخل من أجل ضبط هذه التصنيفات والفحوصات . أيضا ظهر في علم الاجرام بأن السجين إذا تم الحكم عليه بـ 10 سنوات وانضبط حاله خلال 5 سنوات وتعلم حرفة جيدة يفرج عنه قاضي تطبيق العقوبات إفراجا شرطيا أو يعفو عنه بالمرة .
• يساهم في وقاية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها ، فعلم الاجرام يساهم في اكتشاف الخطورة الاجرامية في بعض الاشخاص مما يسهل مهمة رجل الأمن في اتخاذ الإجراء المناسب قبل وقوع الجريمة ، كما أن دراسة الظروف الاجتماعية تؤدي إلى إجراءات عديدة للحد من هذه الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الجريمة ، وعلم الاجرام من العلوم التي تفيد المواطن فتجعله قادرا على تفهم غيره وبالتالي تفادي الضرر سواء من جانبه أو من غيره .
علم الاجرام والقانون الجنائي
القانون الجنائي هو الذي يحدد فيه المشرع الجرائم والعقوبات المقابلة لها ، فهو يوضح الجريمة كحقيقة قانونية ويصف أركانها وأنواعها ومسؤولية فاعلها ، أي أنه يتخذ طابعا معياريا بحتا ، فيضع المشرع النموذج القانوني للجريمة فيكون هذا النموذج معيارا نقيس به سلوك الافراد لتحديد مسؤوليتهم الجنائية ، أما علم الاجرام بما أنه علم نظري بحت مهمته تقصي اسباب الجريمة فهو يهتم بدراسة الجريمة كظاهرة انسانية واجتماعية ، فهو يدرس الجريمة بما هو كائن بينما القانون الجنائي فهو نظام قانوني و ليس علما فهو يدرس الجريمة حسب ما يجب أن تكون عليه ويضع لها عقوبة في حالة وقوعها .
لذلك يختلف علم الاجرام والقانون الجنائي من حيث موضوع البحث ومن حيث أسلوب ومنهج كل منهما . القانون الجنائي يتقيد في تحديده لفكرتي الجريمة والمجرم بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات دون أن يحيد عنها قيد أنملة ، فلا يهتم الا بما اعتبره المشرع جريمة ، بينما علم الاجرام فقد يتجاوز هذا المعنى ليشمل دراسة مظاهر الانحراف وإن لم يصدق عليها وصف الجريمة من الناحية القانونية مثل إدمان الخمر ، الكذب ، الهدر المدرسي ، الشذوذ الجنسي .. ، كما أنه يوسع من مفهوم المجرم ليشمل حالات تنطوي على خطورة إجرامية ولو لم تصدر عنها أحكام بالإدانة الجنائية بسبب توافر سبب من أسباب امتناع المسؤولية الجنائية . نضيف إلى ذلك أن رجل القانون يعتمد في بحثه على الاسلوب القانوني في محاولة استنباط إرادة المشرع من خلال الاعتماد على اسلوب استنباطي فلسفي يقوم على المنطق القانوني أما الباحث في علم الاجرام فيعتمد على الاسلوب العلمي المبني على الملاحظة و التجربة في دراسة الظاهرة الاجرامية ، ومع ذلك تبقى هنالك علاقة وثيقة بين علم الاجرام والقانون الجنائي ترجع إلى وحدة الموضوع أي الجريمة وكذا التأثير المتبادل الذي يحدثه كل واحد منهما على الآخر .
تأثير القانون الجنائي على علم الاجرام
لا يمكن أن يتقدم علم الاجرام خطورة إلى الامام دون مساعدة القانون الجنائي الذي يحدد نطاق دراسات علم الاجرام و يزوده بالمادة الأولية الخام لدراسته من خلال إمداده دائما بتعريف الجريمة والمجرم أمام عجز علم الاجرام عن استخلاص مدلول خاص للجريمة والمجرم ، كما أن القضاء الجنائي هو الذي يمد الباحثين وعلماء الاجرام بالمادة الاساسية الأولية الخام التي ينصب عليها أي المجرمين المحكوم بإدانتهم .
تأثير علم الاجرام على القانون الجنائي
علم الاجرام من العلوم المساعدة للقانون الجنائي ، حيث أن أبحاث علم الاجرام والنتائج التي تكشف عنها الدراسات الاجرامية تدفع المشرع إلى إدخال تعديلات جوهرية على سياسة التجريم والعقاب بل وكانت وراء عديد من النظم والمؤسسات القانونية الخاصة بالقانون الجنائي ، كإيقاف التنفيذ والافراج الشرطي ونظرية الظروف والتدابير الوقائية وتصنيف المجرمين والرعاية اللاحقة فهذه الافكار لم تكن لتأخذ طريقها إلى القانون الجنائي لولا أبحاث علم الاجرام . دراسات علم الاجرام تبقى هي الملهم الأساسي للكثير من النظم القانونية في القانون الجنائي ، ودعته للتدخل بالتجريم في كثير من الحالات التي بلغت نسبة معينة من الخطورة الاجرامية والاجتماعية من ذلك تجريم حالات التشرد و التسول وإدمان الخمر والمخدرات ، وتبدو جلية من خلال تطبيق نظام التدابير الاحترازية والنص على عقوبات تراعي في توقيعها شخصية الجاني وظروفه الخاصة أكثر من مراعاة الفعل الجرمي . ويبقى الفضل الأكبر الذي يدين به القانون الجنائي لعلم الاجرام متمثلا في سياسة تفريد الجزاء الجنائي بمعنى اختيار الجزاء الجنائي الأفضل للمجرم استنادا الى الخطورة الشخصية للجاني وجسامة الجريمة ف141 ق ج .
علم الاجرام وقانون المسطرة الجنائية
قانون المسطرة الجنائية هو الذي ينظم الخصومة الجنائية منذ نشوء حق الدولة في العقاب أي منذ ارتكاب الجاني لجريمته حتى انتهاء هذه الخصومة بصدور حكم بات في الدعوى ثم تنفيذ الحكم إن كان بالإدانة ، فهو علم قاعدي يرسم به المشرع الحدود الفاصلة بين ضمانة حق الدولة في توقيع العقاب على الجاني وضمانة حقوق المتهم في محاكمة عادلة دون انتهاك لحقوقه الفردية ، ورغم ما يبدو من اختلاف بين مجال علم الاجرام وبين قانون المسطرة الجنائية إلا أن أبحاث علم الاجرام كانت الدافع وراء العديد من النظم القانونية التي تضمنتها الاجراءات الجنائية من ذلك :
نظام الفحص السابق : وهو أن يقوم القاضي قبل الحكم بالعقوبة بجمع أكبر قدر من المعلومات عن المتهم سواء ما تعلق منها بظروفه الاجتماعية أو حالته النفسية أو البيئية تمهيدا لمعرفة الاسباب الدافعة لارتكاب الجريمة وتحديد الخطورة الكامنة في نفسه ثم بالتالي اختيار العقوبة أو التدبير الملائم للحد من هذه الخطورة وإعادة الادماج والتأهيل وليكون هذا الفحص دقيقا و فعالا كان لزاما على القاضي أن يستعين برجال التخصص من أطباء و علماء نفس واجتماع ، هذه النظام هو ثمرة من ثمرات أبحاث علم الاجرام ويطبق في عديد من الدول الأروبية .
نظام قاضي التنفيذ : ظهرت الدعوة إليه في مؤتمرات دولية خاصة مؤتمر برلين سنة 1935 ومؤتمر علم الاجرام في روما سنة 1938 ، مفاده أن العقوبة كي تؤتي أكلها لا بد أن تراعي شخص المحكوم عليه وظروفه أثناء توقيع العقوبة عليه وهو ما يعرف بالتفريد التنفيذي للعقوبة وترك مثل هذه السلطة للإدارة العقابية دون ما رقابة من القضاء فتكون تحت رقابة قاضي رسمي هو قاضي التنفيذ يتخصص في مرحلة التنفيذ العقابي ويمكن له الافراج عن المجرم قبل انقضاء مدة عقوبته سواء عن طريق الافراج الشرطي أو نهائيا انتقالا من تحقيق وظيفة الردع العام والعدالة إلى وظيفة التأهيل والاصلاح .
علم الاجرام وعلاقته بالعلوم الأخرى
أولا : علم الاجرام والعلوم الجنائية
هل يمكن أن نتحدث عن مفهوم واحد أم أن كل علم يحافظ على استقلاله ، نورد هنا رأي فيري الذي يعتبر القانون الجنائي لا يمكن أن يكون مستقلا ولا فائدة منه خارج نطاق علم الاجرام ، فالنسبة إليه دراسة الجريمة من أجل حماية المجتمع لا يمكن أن يقوم بها القانون الجنائي وإنما يحققه علم الاجرام الذي يعمد إلى تحديد الجريمة تحديدا اجتماعيا يحافظ على الواقع الطبيعي للجريمة ويدرسها انطلاقا من مفهومها الاجتماعي وهو ما دعا فيري إلى إلغاء القانون الجنائي وتعويضه بعلم الاجرام لذلك يوصف فيري بأنه أعطى مفهوما امبرياليا لعلم الاجرام
لكن الحقيقة أن علم الاجرام متميز عن القانون الجنائي ويختلف عنه اختلافا واضحا ، فالقانون النائي يعتبر ضابطا معياريا يضم المبادئ السلوكية العامة ويحددها في شكل جرائم ويضع لها عقوبات محددة تكون على شكل أمر أو نهي ، أما علم الاجرام فيعالج الظاهرة الاجرامية ، ورغم التخصص الذي فرضته الضرورة لكنهما يلتقيان في موضوع دراسة الجريمة ويلتقيان ايضا في تحديد وشرح الظاهرة الاجرامية لكنهما يختلفان في طريقة التعامل مع المجرم والجريمة ، فالقانون الجنائي يصيغ قواعده آخذا بعين الاعتبار المعطى العلمي الذي يقدمه علم الاجرام ، لكنه يعاقب على الجريمة بطريقة مجردة دون اي اعتبار لشخصية المجرم ومحيطه الاجتماعي ، لهذا يمكن القول أن علم الاجرام يعتبر مصدرا من مصادر القانون الجنائي كما أن القانون الجنائي هو مصدر من مصادر علم الاجرام لأن ميدان علم الاجرام محدد بالاطار الذي يرسمه القانون الجنائي لذلك يقال أن الجريمة ليست حقيقية في الواقع بل هي حقيقة في القانون .
يمكن أن نقول أن ما يجمع بين علم الاجرام والقانون الجنائي هي السياسة الجنائية باعتبارها فنا وعلما موضوعها صياغة أحسن للقاعدة القانونية على ضوء علم الاجرام .
أما علم الادلة الجنائية فله علاقة كبيرة بعلم الاجرام ، ذلك أن علم الادلة الجنائية هو علم الدعوى الجنائية ويهتم بالوسائل العلمية والفنية التي تساعد على معرفة المجرم والجريمة وظروف ارتكابها واعطاء درجة الخطورة بينما علم الاجرام يهتم بدراسة الجريمة كظاهرة اجتماعية انطلاقا من شخصية المجرم و معرفة اسباب ودوافع ارتكاب الجريمة
أخيرا نتطرق لعلاقة علم الاجرام بعلم العقاب الذي يقوم على حق الدولة في العقاب و يهتم بنتائج وأهداف و وظائف العقوبة من ردع أو اصلاح أو إعادة تأهيل و إدماج في المجتمع وهو في كل هذا لا بد له من الاستعانة بعلم الاجرام ، أما علم الاجرام فيتخذ من تطبيق العقوبة اساسا لإجراء الدراسات المفيدة حول شخصية المجرم و معرفة أفضل للسلوك الاجرامي .
ثانيا : علم الاجرام والعلوم الانسانية
علم الاجرام لا بد له أن يمارس دراسته للمجرم و الجريمة على ضوء علم النفس وعلم الاجتماع بل مستعينا حتى العلوم الانسانية الاخرى دون أن تكون لهذه العلوم صفة الانفرادية في تفسير الظاهرة الاجرامية . لا بد أن نشير هنا إلى علم الحياة الجنائي أو البيولوجيا الجنائية التي تدرس التركيب العضوي للمجرم والوظائف الجينية لديه ثم علم النفس الجنائي الذي يدرس الذكاء والطبع و الاستعداد الاجتماعي للمجرم كما يدرس شخصية المجرم وتأثرها بالمحيط الاجتماعي ومدى تأثير ذلك على السلوك الاجرامي ، أما علم الاجتماعي الجنائي فقد تكفل بدراسة السلوك الاجرامي في مفهومه الاجتماعي مركزا على العوامل الاجتماعية والتفاعل الحاصل بينها وبين ما ينتج عنها من سلوك منحرف .
📗 خلاصة الباب
- تكمن الأهمية العملية لعلم الإجرام أساسا في تفريد العقوبة (تشريعيا وقضائيا وتنفيذيا) بحسب الخطورة الإجرامية للمجرم لا وفق معيار موحد للجريمة، وفي المساهمة في وقاية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها عبر اكتشاف الخطورة الإجرامية الكامنة.
- يتمايز علم الإجرام عن القانون الجنائي من حيث موضوع البحث ومنهجه، مع تأثير متبادل بينهما: فالقانون الجنائي يحدد نطاق دراسة علم الإجرام (بتحديده الجرائم)، بينما تغذي أبحاث علم الإجرام السياسة الجنائية للمشرع. كما يرتبط بقانون المسطرة الجنائية عبر مؤسستي الفحص السابق وقاضي التنفيذ (المطروح في مؤتمرات دولية كمؤتمر برلين 1935).
- يتقاطع علم الإجرام مع العلوم الجنائية الأخرى (علم الأدلة الجنائية، علم العقاب) ومع العلوم الإنسانية (علم النفس، علم الاجتماع) التي لا غنى عنها لدراسة المجرم والجريمة دراسة علمية متكاملة.
◀ الفصل السابق: الباب الأول: ماهية علم الإجرام
الفصل التالي: الباب الثالث: مناهج وأساليب البحث في الظاهرة الإجرامية ▶
اترك تعليقاً