فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب السادس: الاتجاه التكاملي في تفسير السلوك الإجرامي (نظريتا فيري ودي توليو)

📖 علم الإجرام — الفصل 7 من 8 — فهرس الكتاب

الاتجاه التكاملي :

سنركز في هذا الاتجاه على نظريتين ، نظرية فيري ثم نظرية دي توليو .

نظرية العوامل المتعددة عند فيري :

فيري عالم اجتماع وأستاذ للقانون الجنائي وأحد رواد المدرسة الوضعية ، كان طالبا لدى لامبروزو لكنه انتقد مبالغته في إظهار العوامل البيولوجية الجسدية العضوية ، نظريته تقول أن الجريمة هي ثمرة حتمية نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل :

• عوامل أنطربولوجية : هي المتعلقة بالجوانب البيولوجية والنفسية أو تلك المتعلقة بالشخصية كالمهنة والحالة العائلية .

• عوامل طبيعية : كالجغرافيا و نوع التربة و حرارة الجو ، فجرائم العنف تقع في المناطق الحارة بينما جرائم السرقة تقع في المناطق الباردة .

• عوامل اجتماعية : المحيط ، البيئة الاجتماعية ، تركيبة السكان ، المعتقدات الدينية ، الانتاج الصناعي ، مستوى التعليم ، النظام الاقتصادي والسياسي .

هذه العوامل إذا ما تفاعلت أي العوامل الطبيعية والجغرافية و الاجتماعية نتج عنها عدد معين من الجرائم لا يزيد ولا ينقص ، وفي بعض الاحيان يقع حدث عارض كالحروب أو الزلازل أو الثورة السياسية فتزيد فرص الجرائم ويرتفع معدل الجريمة عن حجمه الطبيعي وحالما تزول هذه العوارض تعود الجريمة إلى معدلاتها الطبيعية .

أول ما يحسب لنظريته هو نظرتها الشمولية في تفسير السلوك الاجرامي ، لذلك كانت ضمن الاتجاه التكاملي ، عكس النظريات الاحادية التي رأيناها ، ولعل ما ميزها بكونها نظرة تكاملية هو أنها تتفاعل وتتكامل فيها العديد من العوامل المتنوعة والمختلفة . هذا الاتجاه جاء بتحول جذري في السياسة الجنائية المعاصرة لمواجهة الظاهرة الاجرامية ، حيث يجب الاعتماد على سياسة وقائية اجتماعية ثقافية اقتصادية لمحاربة الجريمة ، ففي طريق مظلم ترتفع نسبة الجريمة وعوض زيادة عدد الشرطة لم لا نفكر في إضاءة هذه الطريق عوض أن تبقى مظلمة فتقل نسبة الجريمة فيها ، و نعالج المشكل من جذوره ، وكأن فيري يتسائل من يصنع الجريمة ؟ هل هي وزارة العدل ؟ الداخلية ؟ أم هي مسؤولية باقي السياسات العمومية ؟ ثم يقول إن الجريمة هي مسؤولية المجتمع بأسره ، وكل السياسات العمومية في كل القطاعات كالتعليم والصحة و التشغيل هي مسؤولة عن ارتكاب الجريمة ، حسن تتقاعس عن أداء وظيفتها ، كل ذلك ينعكس على معدلات الجريمة بشكل مباشر ، يقول فيري إن الحل ليس في القانون الجنائي وفي الزجر بل في اعتماد سياسات وقائية تمس كل القطاعات العمومية في الدولة من أجل مواجهة الجريمة .

فطن فيري إلى تركيبية السلوك الاجرامي فخالف أستاذه لومبروزو في فكرته بالانحطاط الوراثي والعامل العضوي فذهب فيري إلى الاعتماد على نظريات لم تكن موجودة في عهد لومبروزو ، ومن هذا المنطلق المعتمد على تظافر الكثير من النظريات حاول فيري أن يقيم أسس نظريته السوسيولوجية في الجريمة في كتابه ” علم الاجتماع الجنائي ” الذي شرح فيه أن الجرائم ترتكب إما بواسطة التكوين الفردي للإنسان وإما بتأثير من العوامل الخارجية سواء انت اجتماعية أو طبيعية ، وقد ذكر من بين العوامل توزيع الاراضي والمناخ واختلاف العقول وما يتبع ذلك من اختلاف في عدد السكان والهجرة والتقاليد الاجتماعية والدينية ومستوى التعليم والصحة وطبيعة كيان المجتمع العائلي والسياسي والاقتصادي ، هكذا لم يقتصر فيري على شخص المجرم كما فعل لومبوروزو .

خلص فيري من خلال دراسته إلى ظاهرة التشبع الاجرامي بمعنى أن بيئة اجتماعية في ظروف صحية معينة لا تحتمل أكثر من درجة معينة من الاجرام وأن نسبة الاجرام ترتفع حتى تصل إلى درجة معلومة لا يمكن أن تتعداها ، وقال بضرورة الوصول إلى درجة التشبع الاجرامي باقل خسارة وأسرع ما يمكن معللا ذلك بالطريق المظلم الذي يساعد على الجريمة بينما لو كان هناك مصباح يستبعد وقوع الجريمة هناك ، وهي حيلة أكثر ذكاء من إنشاء سجن كبير ، والهدف هو الحماية أفضل من العلاج ، وتحسين مستوى المعيشة أجدى من السجن وأفضل من المشنقة ، و يرى فيري أن التشبع الاجرامي هو وليد العوامل الطبيعية التي تقوم الحياة الاجتماعية عليها ، ونسبة الجريمة تتأثر بهذه العناصر الطبيعية سلبا أو إيجابا ، واشار فيري أن درجة التشبع الاجرامي يمكن تجاوزها في حالة الحروب أو الكوارث أو الفوضى الاجتماعية وعبر عنه بقانون ما فوق التشبع الاجرامي ، هكذا حاول فيري ن يعطي شرحا علميا وافيا للجريمة وأن يربطها بجذورها الاجتماعية ويكون بذلك قد أسس للمدرسة السوسيولوجية في علم الاجرام التي عرفت صيتا ذائعا ، هكذا يكون لومبروزو قد أسس للانطروبولوجية الجنائية بينما تكلف فيري بإنشاء اسس علم الاجتماع الجنائي .

انتقادات نظرية فيري :

ما يعاب على نظريته هو تبنيه فكرة الحتمية الاجرامية باعتبارها فكرة ثقيلة على علم الاجرام لا تتفق مع كون علم الاجرام من العلوم الانسانية التي تتميز بالنسبية وليس من العلوم التطبيقية الطبيعية القطعية . كما أن النظرية التكاملية لـ فيري تشوه صورة البحث العلمي لأن منطق هذه النظرية يلزم الباحث في علم الاجرام على القيام بإعداد الاسباب والعوامل والمقدمات التي تدفع إلى السلوك الاجرامي دون أن تعطي لنا العامل الحاسم الفعال الرئيسي للاندفاع نحو السلوك الاجرامي ، فيري قال أن السلوك الاجرامي سببه خليط من العوامل النفسية والبيولوجية و الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية دون تحديد السبب الحاسم ، فيجب أن نعطي السبب الحقيقي بما أنه علم وبحث علمي أما أن نقول انها مجموعة عوامل فهو أمر يشوه صورة البحث العلمي ويعتبر مجرد تجميع للعلوم الاخرى .

نظرية الاستعداد الإجرامي عند دي توليو :

هو طبيب ايطالي ، صاغ نظريته في مؤلفه المشهور الأنطربولوجية الجنائية ، أي علم طبائع المجرم سنة 1754 ، عرفت هذه النظرية بنظرية الاستعداد الاجرامي ، وتعتبر من أشهر النظريات التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية ، حيث قال أن كل الناس لديهم غرائز طبيعية اساسية فطرية كحب البقاء و حب التملك وحب المال و الجنس ، سماها العوامل الدافعة للجريمة فالغرائز الجنسية تؤدي إلى جرائم الاغتصاب مثلا والزنى و غريزة التملك تؤدي إلى جرائم السرقة وغريزة البقاء تؤدي الى جرائم القتل ، فأي غريزة معينة هي سبب لارتكاب جريمة معينة هذه الغرائز تتهذب بفضل عناصر مكتسبة منذ الطفولة عن طريق التعليم والثقافة واكتساب القيم الاخلاقية والعقائد الدينية فيؤدي ذلك الى نشوء غرائز اساسية ثانوية ثانية سماها دي توليو العوامل المانعة من الجريمة أو القوى المانعة من الجريمة .

فأنت ايها الانسان لديك غرائز أي عوامل دافعة للاجرام لكن تلك الغرائز بفضل التربية والثقافة والتعليم والقيم الاخلاقية والدينية تقوم بتهذيب تلك الغرائز الأساسية فينشأ ما يسمى بالقيم الأخلاقية أي الغرائز الثانوية الثانية سماها بالقوى المانعة من الاجرام .

كل البشر لديه استعداد إجرامي معين فإذا انفلتت الغرائز الأساسية الطبيعية على الغرائز الثانوية أو القوى المانعة فإن الانسان يقدم على ارتكاب الجريمة ، وهذا ما يحيلنا على سؤال آخر لماذا لا يقدم البعض على ارتكاب الجريمة بينما البعض الآخر لا يقدم عليها وهم في نفس المجتمع .

الاستعداد الإجرامي لدى دي توليو نوعان : استعداد إجرامي اصيل و استعداد إجرامي عارض

الاستعداد الاجرامي الأصيل هو ما يدفع إلى ارتكاب الجرائم الخطيرة ، ويتميز بالثبات والاستمرار ويكشف عن ميل فطري غريزي طبيعي نحو الجريمة نظرا لاختلالات وراثية أخلاقية مرتبطة بالتكوين البيولوجي النفسي للمجرم ، فالاختلال التكويني العضوي والنفسي هنا أصيل وليس مكتسبا فهو فطري يولد مع الانسان ويدفعه نحو الجريمة .

الاستعداد الاجرامي العارض يتكون لدى المجرم بالصدفة أو يكون مجرما عاطفيا يرتكب الجريمة تحت تأثير المتغيرات الاجتماعية أو الظروف البيئية وهي استعدادات إجرامية مكتسبة وليست فطرية وغالبا ما ترتبط بالهجرة أو الغيرة أو الحب أو الفقر أو الحقد ، هذه الاستعدادات تقلل من قدرة الشخص على ضبط مشاعره وهي سلوكات تؤثر على القيم الاخلاقية لديه وتقلل من قدرته على ضبط مشاعره وغرائزه فيندفع نحو ارتكاب الجريمة .

فكرة الاستعداد الإجرامي عند دي توليو :

تعبر الجريمة عند دي توليو عن وجود نوع من عدم التوافق الاجتماعي ، ناشئ عن وجود حالة استعداد خاص للجريمة كامنة في شخص المجرم ولم تخرج إلى النور إلا بسب وجود خلل عضوي ونفسي يضعف من قدرة الشخص على التحكم في نزعاته وميوله الفطرية (قوى الدفع للجريمة) ، ويجعل الشخص أكثر استجابة للمؤثرات الخارجية المحفزة أو المفجرة للسلوك الإجرامي.

فالسلوك الإجرامي عند دي توليو شأنه شأن المرض ، فكما أن الناس يتعرضون جميعهم لأنواع عدة من الميكروبات ورغم ذلك لا يصابون جميعهم بالأمراض ، بل لا يصاب بها إلا من ضعفت مقاومته في التصدي لهذه العوارض الخارجية ، وكذلك السلوك الإجرامي ، فلدى الكل استعداد إجرامي نحو الجريمة غير أن البعض فقط هو الذي يدخل إلى طور التنفيذ نتيجة وجود خلل في تكوينهم العضوي والنفسي يجعلهم أقل قدرة على التكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية وأقل قدرة على كبح جماح غرائزهم الفطرية ، وفي ذات الوقت تقل أو تنعدم لديهم القوى المانعة من الجريمة أو ما يسمى بالغرائز السامية.

فلدى الكافة غرائز أساسية فطرية ، مثل الغريزة الجنسية وغريزة التملك وغريزة الاقتتال والدفاع ، وهذه الغرائز تكون تعبيراً عن “القوة الدافعة للجريمة”. غير أن تلك الغرائز تتهذب بفعل عناصر مكتسبة منذ مرحلة الطفولة على أثر التعليم والثقافة وتلقين القيم الدينية والأخلاقية. ويؤدي هذا التهذيب إلى نشوء غرائز ثانوية سامية ، يطلق عليها تعبير “القوة المانعة من الجريمة”.

فإذا التقى الاستعداد الإجرامي بمثير خارجي ، نشأ صراع بين نوعي الغرائز ، فإذا تغلبت الغرائز الأساسية (القوة الدافعة للجريمة) على الغرائز السامية (القوة المانعة للجريمة) أقدم الشخص على ارتكاب السلوك الإجرامي ، والعكس بالعكس. الأمر الذي يفسر لنا علة ارتكاب البعض دون البعض الأخر للسلوك الإجرامي رغم وحدة الظروف البيئية.

أساليب الكشف عن الاستعداد الإجرامي :

إن الكشف عن وجود هذا الاستعداد يستلزم حتماً فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحي :

أ‌- الفحص الخارجي : وذلك بفحص أعضاء الجسم الخارجية للشخص للوقوف على ما إذا كانت ذات تكوين طبيعي واستكشاف ما بها من شذوذ.

ب‌- الفحص الداخلي : يشمل أجهزة الجسم المختلفة . كما يدخل في هذا الجانب فحص الجهاز الغددي (خاصة الغدة الدرقية)، فلقد ثبت أن الخلل في افرازات الغدد بالنقص أو بالزيادة يؤثر على الحالة النفسية للفرد وبالتالي على مسلكه الشخصي العام .

ج- الفحص النفسي : يهدف الفحص النفسي إلى الكشف عن الحالة النفسية للمجرم والكشف عما يصيب غرائز الفرد وميوله من خلل أو اضطراب.

و قد قسم دي توليو المجرمين إلى طوائف ثلاثة كبرى : المجرم ذي التكوين الإجرامي ، والمجرم المجنون ، والمجرم العرضي .

تقييم نظرية دي توليو :

لقد كان له الفضل في توجيه دراسة سلوك السلوك الإجرامي دراسة تكاملية باعتبارها نتائج عوامل فردية واجتماعية فتجنبت نظريته النظرة الاحادية أو التفسير الأحادي للظاهرة الاجرامية وجهت له انتقادات عديدة تدور حول فكرة الاستعداد الإجرامي فهو يقول إن العوامل الإجتماعية لا يمكن أن تحدث أثرا إجراميا إلا إذا سبقها استعداد إجرامي ، وهذا خطأ كبير لأن بعض الجرائم تقع وإن لم يسبقها استعداد إجرامي مثل جرائم عدم التبليغ عن الجريمة بسبب الاهمال ، هذه النظرية لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية التي تتعارض مع القيم الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية الراسخة في الوجدان الانساني أما الجرائم الاصطناعية فلا يمكن تفسيرها بفكرة الاستعداد الاجرامي لأن الجرائم الاصطناعية هي مخلوق قانوني من صنع المشرع تتغير في الزمان والمكان لذلك لا يمكن القول بأن هناك استعداد قبلي في الجرائم الطبيعية كالقتل والسرقة والاغتصاب .

العوامل التكاملية

يؤكد علماء الاجرام المعاصرين أن الاجرام لا يمكن نسبه الى عامل واحد فقط ، بل له عوامل متعددة ، لذلك أخفقت المدارس السابقة في اعطاء تفسير متكامل للظاهرة الاجرامية لأنها ركزت على عامل وحيد لكن كان لكل اتجاه الفضل في توجيه الانظار الى أهمية عامل من العوامل ، من هنا جاءت النظريات التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية حيث لا تغلب عاملا على آخر وأهم هذه النظريات هي المحاولة التأصيلية التي قام بها العالم الايطالي فيري عندما صاغ نظريته التكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية .

مضمون نظرية إنريكو فيري

الفكرة الاساسية في نظرية فيري هي حتمية السلوك الاجرامي ، لكنها حتمية لا ترجع إلى عامل واحد بل تتعدد عواملها ، فـ فيري يرى أن المجرم يتحدد نشاطه الاجرامي بمجموعة من العوامل الاجرامية ، وهي تختلف باختلاف المجرمين ، من هنا جاء تصنيفه للمجرمين ، فالجريمة على هذا النحو هي ثمرة حتمية لعوامل معينة وإن اختلف تأثير هذه العوامل في التفاعل المفضي الى الجريمة من مجرم الى آخر .

قدم فيري قائمة بالعوامل المختلفة التي تفضي الى ارتكاب الجريمة من ناحية ثم قسم المجرمين الى طوائف بحسب درجة تأثير هذه العوامل فيهم من ناحية أخرى .

تحديد العوامل الاجرامية

بدأ فيري بفكرة سبقه بها آخرون وهي الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل الوسط الملائم للإجرام ، لكن فيري تساءل بعد ذلك عن سبب استجابة فرد معين لهذه الظروف المهيئة دون غيره من أفراد المجتمع ورأى فيري أن الاجابة على هذا السؤال هي المسألة الاساسية في علم الاجرام ، فجميع الافراد يخضعون لنفس الظروف الخارجية فكيف يمكن تبرير الانحراف إلى طريق الجريمة ؟ هذا السؤال في حد ذاته نقد للمدارس التي تحصر أسباب الجريمة في العوامل الخارجية إذ أن منطقها كان لا بد أن يؤدي الى تحول كل افراد المجتمع الى مجرمين ، الاجابة على هذا السؤال دفعت فيري الى القول أن الجريمة ظاهرة معقدة لها جذور متعددة وهو ما قاده الى ارجاع الجريمة الى جذورها الحقيقية أي الى العوامل الاجرامية ، وفي هذا الصدد قرر فيري أن الجريمة ترجع إلى ثلاثة أنواع من العوامل :

• العوامل الأنثروبولوجية المتعلقة بشخص المجرم ، وتسمى العوامل الداخلية وقد وزعها فيري الى ثلاثة أنواع :

• العوامل الداخلية المتعلقة بالتكوين العضوي للمجرم

• العوامل الداخلية المتعلقة بالتكوين النفسي للمجرم

• الخصائص الشخصية للمجرم مثالها الجنس السن الذكاء ..

• العوامل الطبيعية أو الخاصة بالبيئة الطبيعية أو الجغرافية كالظروف الجوية المناخية التربة الانتاج الزراعي ..

• العوامل الاجتماعية المتعلقة بالوسط الاجتماعي وهي عوامل خارجية تنشأ من البيئة التي يعيش فيها المجرم فيركز فيري على مدى التركيز السكاني و التكوين الاسري ونظام التعليم و الانتاج الصناعي والدين والراي العام وتعاطي المخدرات والتنظيم الاقتصادي والسياسي .

يرى فيري أن الجريمة تنتج بالنسبة لشخص ما جراء تفاعل ما بين هذه العوامل ، وهو تفاعل تختلف نسبته باختلاف المجرمين ، والعوامل الثلاثة التي ذكرها فيري ينشأ منها في المجتمع ما سماه بقانون الكثافة الاجرامية ، وهو مشابه لقانون الكثافة في عالم الكيمياء ، ومؤداه أن اقتران ظروف اجتماعية وطبيعية بعوامل شخصية خاصة ببعض الافراد في مجتمع معين من شأنه أن يسبب تفاعلا بين هذه العوامل ثم يفرز لنا عددا ثابتا من الجرائم حتى يصل الى درجة التشبع بالإجرام كما يتشبع السائل بقدر معين من مادة كيماوية أذيبت فيه بحيث لا يذوب أكثر أو أقل من ذلك القدر ، لكن نسبة مساهمة العوامل الاجرامية المفضية الى الاجرام تختلف باختلاف المجرمين ومن ثم كان تصنيفه للمجرمين .

نماذج المجرمين :

تصنيف المجرمين عند فيري يعتمد على خمس طوائف

الطائفة 1 : المجرمين بالميلاد ، وهم اولائك الذين يتميزون بخصائص النموذج الاجرامي الذي قال به لامبروزو ، ومع ذلك فالحتمية الاجرامية لدى هؤلاء لا تعني القدرية ، أي أن الاجرام بالنسبة إليهم لا يعني قدرا مقدرا لا فكاك منه ، فالمجرم بالميلاد هناك عوامل اجتماعية تودي به الى الاجرام وفي هذا التحفظ نرى عدم تسليم فيري بفكرة المجرم بالميلاد على إطلاقها كما جاء بها لامبروزو فهو يرفضها من حيث المبدأ ولكن يعدل من مضمونها لكي تتسق مع نظرته عن تعدد العوامل المفضية الى الجريمة .

الطائفة 2 : المجرمين ذوي العاهات العقلية وهم يختلفون عن المجرم بالميلاد الذي لا تميزه اضطرابات عقلية خاصة ، ويرجع إجرام هذه الطائفة الى شذوذ عقلي بالغ الخطورة لكن فيري مع ذلك لا يرى أن جميع المصابين بعاهات عقلية مجرمين فالخلل العقلي لديهم جميعا لكنهم لا يتحولون جميعهم الى مجرمين ، واقترح فيري على الطائفتين السابقتين معاملة خاصة تقوم على تفريد الجزاء الجنائي القائم على تحييد هذا النوع من المجرمين .

الانواع الثلاثة التالية تحركهم عوامل خارجية وهم :

الطائفة 3 : المجرمون المعتادون ، تعودوا على الاجرام حتى صاروا ضالعين فيه بسبب الظروف الاجتماعية غير الملائمة التي أحاطت بحياتهم منذ البداية ، و فيري لا ينفي عنهم العوامل البيولوجية فهو يرى أن الظروف الاجتماعية مهما كانت قاسية لا تقود إلى الاجرام غلا إذا اقترن بها ضعف تكويني أو مكتسب لدى الفرد .

الطائفة 4 : المجرمون بالمصادفة ، وهي الطائفة الأكثر انتشارا بين المجرمين ، وهم أفراد انزلقوا الى الاجرام بسبب الضغط الشديد للظروف الاجتماعية غير الملائمة ، هذه الظروف كان لها تأثير حاسم عليهم فبسبب تكوينهم البيولوجي الذي تنقصه القدرة على المقاومة لحظة الاختيار الوقتي فتنهار المناعة .

الطائفة 5 : المجرمون العاطفيون ، وهم قوم يتميزون بإفراط في الحساسية ، وقد رق قلب فيري لهم ، ويفسر فيري إجرام هذه الطائفة بفعل عوامل عارضة كان لها تأثير على كائن مفرط في الحساسية مرهف الحس ، وهم أقل طوائف المجرمين عددا .

هذه الطوائف الثلاثة الأخيرة يرى فيري أن السياسة الجنائية السليمة تفرض النظر إلى هذه العوامل لكي تكون موجها لنوع المعاملة التي يخصصها القانون لكل طائفة بغية القضاء على إجرامها ، وقد استخلص فيري من تحليله لخصائص كل طائفة وللعوامل المؤثرة في إجرامها أنه ينبغي تحييد المجرمين المعتادين لحماية المجتمع منهم ، اما المجرمون بالمصادفة في الجزاء الذي يتخذ في مواجهتهم يجب أن يتضمن إجراءات تهدف الى اعادة تأهيلهم اجتماعيا أما بخصوص المجرمين بالعاطفة فقد أوصى فيري بأن يتخذ الجزاء في حقهم قدرا كبيرا من التسامح فيقتصر الجزاء في تعويض الضرر الذي تسببه جرائمهم .

تقدير نظرية فيري

كان لنظرية فيري التأثير القوي على مفهوم الجزاء الجنائي ، فوجهت الانظار الى ضرورة اعتبار الجزاء وسيلة للدفاع عن المجتمع ضد الجريمة ، وليس ثمنا يدفعه المجرم لما اقترفه من اثم ، كما كانت نظريته بداية للحديث عن ضرورات التفريد الجزائي تبعا لحالة كل مجرم وظروفه الخاصة ، ومن ثم كان ظهور التدابير الوقائية والاحترازية كصورة للجزاء الجنائي ، إلى جانب العقوبات باعتبارها الصورة التقليدية لبعض المجرمين ، من جهة أخرى كان تحليل فيري للعوامل الاجرامية بمثابة تنبيه إلى ضرورة العناية بالوقاية من الاجرام عن طريق الحد من أثر هذه العوامل التي ذكرها ، وهو ما يعني ضرورة انتهاج سياسة اجتماعية واقتصادية وصحية وتربوية وثقافية تحد من فعالية العوامل المفضية الى الاجرام ، وقد أطلق فيري عليها اسم البدائل العقابية .

ورغم ما تتميز به نظرية فيري من مزايا واضحة لا يمكن انكارها إلا أنه يمكن توجيه بعض الملاحظات :

• تصنيفه للعوامل الاجرامية تنقصه الدقة ، فهو اعتبر الانتاج الزراعي عاملا من العوامل الطبيعية أو الجغرافية في حين رأى الانتاج الصناعي أنه أخذ العوامل التي تتعلق بالبيئة أو المحيط الاجتماعي

• اعترض البعض على تصنيف فيري للمجرمين وشمل الاعتراض فكرة المجرم بالميلاد التي كانت أكثر أفكار لامبروزو تعرضا للانتقاد ، ومع ذلك اعتقد فيري أنه بضبطها قد يتفادى النقد

• تساءل البعض عن ملائمة التمييز بين المجرم بالمصادفة والمجرم العاطفي ومن ثم ضرورة إفراد كل طائفة خاصة لكل منهما ، ففي تقدير الكثير أن المجرم بالمصادفة مثله في ذلك مثل المجرم العاطفي ، فكلاهما مجرم عرضي انزلق الى الاجرام بفعل عامل خارجي وقتي دفعه بقوة الى الاجرام ، فلا يوجد أي معالم واضحة للتمييز بين النموذجين لذلك اقترح بعض الباحثين تقسيم المجرمين الى 3 طوائف فقط ، المجانين و ذوي العاهات العقلية ثم المجرمين العرضيين ، واخيرا طائفة المجرمين المعتادين على الاجرام .

• الجريمة أكثر تعقيدا من مجرد تفاعل كيميائي كما تصوره فيري .

يبقى أن فيري كان اول من اشار الى أن السلوك الاجرامي ليس ظاهرة وحيدة السبب بل هو ظاهرة معقدة تتشابك فيها عوامل متعددة ومتشعبة وهو يعد بذلك صاحب أول نظرية تكاملية في تفسير الظاهرة الاجرامية ، وقد تنبه من جاء بعده إلى هذه التعددية في العوامل المسببة للجريمة فكانت تفسيراتهم أكثر قربا من الواقع والحقيقة ، كما لا يجب أن ننسى أن فيري وإن لم يبتدع تعبير السياسة الجنائية إلا أنه كان رائدا في وضع المحاور الاساسية التي تقوم عليها فنظريته الشمولية إلى العوامل المتعددة للظاهرة الاجرامية أدت إلى إدراك ضرورة تفريد رد فعل المجتمع وفقا لتنوع المجرمين ، وهكذا نرى أن تفريد الجزاء الجنائي وهو عصب السياسة الجنائية الحديثة لم يكن سوى أحد ثمار التصور التعددي للعوامل الاجرامية المؤدية إلى السلوك الاجرامي .

📗 خلاصة الباب

  • يجمع الاتجاه التكاملي بين مختلف العوامل (البيولوجية والاجتماعية والطبيعية) لتفسير الجريمة، وأبرز روَّاده إنريكو فيري (تلميذ لومبروزو) الذي صنف العوامل الإجرامية إلى أنثروبولوجية وطبيعية واجتماعية، وقسَّم المجرمين إلى خمس طوائف: المجرم بالميلاد، ذو العاهات العقلية، المعتاد، بالمصادفة، والعاطفي، مع ملاحظة أن السياسة الجنائية السليمة تتطلب معاملة كل طائفة بحسب خصوصيتها.
  • أما دي توليو فقدَّم نظرية الاستعداد الإجرامي القائمة على وجود غرائز فطرية لدى كل إنسان قد تنفلت متغلبة على الضوابط التربوية والثقافية، ميَّز فيها بين استعداد إجرامي أصيل (ثابت ومستمر) وعارض (طارئ)، واقترح فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحٍ: خارجية وداخلية ونفسية.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية