دروس فيديو للقانون ▶ ابدأ المشاهدة
فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف
الرسم القضائي بالمغرب: إلزامية الأداء واستثناءاته ونظام المساعدة القضائية

الرسم القضائي بالمغرب: إلزامية الأداء واستثناءاته ونظام المساعدة القضائية

مدخل: الإشكال القانوني

لا تُفتح أبواب القضاء في التشريع المغربي دون مقابل. فالمشرّع جعل الرسم القضائي، أي المبلغ المالي الذي يؤديه المتقاضي لخزينة الدولة مقابل رفع دعواه أو إنجاز إجراء أمام كتابة الضبط، شرطاً لقبول الطلب وسلوك المسطرة. غير أنّ هذا الشرط يصطدم بمبدأ دستوري وإنساني أسمى هو حق كل شخص في الولوج إلى العدالة، ولا سيما من أعجزه العسر عن أداء ما تفرضه الخزينة.

ومن هنا يقوم الإشكال: إلى أي حدّ وُفّق المشرّع المغربي في التوفيق بين إلزامية أداء الرسم القضائي وفوريته، وبين ضمان حق التقاضي عن طريق المجانية والإعفاء المسبق والمساعدة القضائية؟

أولاً: الإطار القانوني لإلزامية الرسم القضائي

أخذ المشرّع المغربي بمبدأ إلزامية أداء الرسم القضائي على كل دعوى تُقام أمام القضاء، وعلى كل إجراء يُتّخذ أو عملية تُنجز أمام كتابة الضبط أو استفادة من خدماتها. ويجد هذا المبدأ سنده في قانون المالية لسنة 1984 الذي تضمّن نظام الرسوم القضائية في الميدان المدني والتجاري والإداري، وفي الظهير الشريف المؤرخ في 31 دجنبر 1986 المتعلق بتنظيم المصاريف القضائية في الميدان الجنائي.

ويُستخلص من قانون المالية المذكور أنّ الرسم القضائي يُؤدّى فورياً ومقدّماً، أي عند إيداع المقال أو طلب الإجراء وقبل أي نظر فيه، ما عدا الحالات المنصوص عليها صراحة في المادة 22 من القانون نفسه أو التي تقضي بها نصوص خاصة. وتنهض الفورية على اعتبارين: ضمان حقوق الخزينة من جهة، والحدّ من الدعاوى الكيدية أو المتسرّعة من جهة أخرى، إذ يُحمل المتقاضي على التروّي قبل إثقال المحاكم بطلب لا سند له.

ثانياً: شروط الأداء وقواعد تصفية الرسم بحسب طبيعة الطلب

يُقصد بتصفية الرسم تحديد مقداره الواجب أداؤه، وقد ربطها المشرّع بطبيعة الطلب المرفوع إلى القضاء، فميّز بين صنفين.

الطلبات المحددة القيمة

حيث إنّ هذه الطلبات تنصبّ على مبلغ معلوم، فقد أخضعها المشرّع لرسم نسبي تتراوح نسبته بين 1% و4% من مجموع المبلغ المطلوب، يُضاف إليه مبلغ قار قدره 300 درهم إذا تجاوز المبلغ المطلوب 20.000 درهم، مع حدّ أدنى يُستوفى بالنسبة لكل شطر.

وتتدرّج النسب وفق أشطر المبلغ: فتكون 4% إذا كان المبلغ المطلوب بين 1000 و5000 درهم مع حد أدنى قدره 50 درهماً، و2,5% مع حد أدنى يُستوفى قدره 200 درهم، ثم 1% إذا تجاوز الطلب 20.000 درهم مع زيادة 200 درهم. ويترتب عن هذا التدرّج أنّ العبء النسبي يخفّ كلما ارتفعت قيمة النزاع، دون أن ينزل الرسم عن الحد الأدنى المقرر لكل شطر.

الطلبات غير المحددة القيمة

أما الطلبات التي يتعذّر تقدير قيمتها نقداً، كطلبات الإفراغ غير المقرونة بمبلغ أو دعاوى الحالة، فقد أخضعها المشرّع لرسم قار قدره 150 درهماً، إذ لا وعاء مالياً تُحتسب عليه نسبة.

ثالثاً: الاستثناءات الواردة على الإلزامية والفورية وآثارها

إذا كان المشرّع قد تبنّى مبدأ إلزامية الأداء، فإنه أورد عليه ثلاثة استثناءات متمايزة الأثر: مجانية مطلقة لبعض الطلبات، وتأجيل الأداء في حالات أخرى، وإعفاء الفئات المعسرة عن طريق المساعدة القضائية.

المجانية بقوة القانون

ارتأى المشرّع تمتيع طائفة من الطلبات بالمجانية بقوة القانون أو بمقتضى نصوص خاصة، وهي:

– المستندات التي يُدلي بها المصابون في حادثة شغل قصد تنفيذ التشريع المتعلق بإصابات العمل؛ – الطلبات المنصوص على مجانيتها في المعاهدات الدولية، ولا سيما الاتفاقيات المتعلقة بإصابات العمل؛ – شهادات الحياة المسلّمة للحصول على المعاشات والمرتبات العسكرية؛ – العقود المحرّرة والإجراءات المتخذة في القضايا المدنية من قِبل النيابة العامة؛ – استئناف سير الدعوى في حالة نقض الحكم وإحالة المجلس الأعلى القضية على محكمة من المحاكم؛ – طلبات تصحيح الحجز لدى الغير إذا كان بيد الدائن سند تنفيذي؛ – تلقّي اليمين التي يؤديها المحامون والمترجمون والخبراء والموظفون العموميون؛ – طلبات الإكراه البدني المنصوص عليها في الظهير الشريف رقم 1.60.305 الصادر في 4 رمضان 1380 الموافق 20 فبراير 1961 بشأن ممارسة الإكراه البدني؛ – قضايا الأحوال الشخصية المتعلقة بالمطلّقة والمحجور؛ – المستندات والإجراءات المتمتعة بالمجانية بنصوص خاصة، كالرهون المقدّمة من طرف بنك المغرب، والرهون على الأصل التجاري والمعدات وغيرها المقدّمة من طرف القرض الفلاحي؛ – طلبات التعويض ذات الطابع الاجتماعي (حوادث الشغل ونزاعات الشغل)؛ – الدعاوى المقدّمة أمام قضاء المقاطعات والجماعات؛ – طلبات الاستئناف في القضايا الإدارية أمام الغرفة الإدارية لدى المجلس الأعلى؛ – الطعون في القرارات الصادرة عن الوزير الأول أمام الغرفة الإدارية لدى المجلس الأعلى؛ – دعاوى الإلغاء، إذ ينص الفصل 22 من القانون المحدث بموجبه للمحاكم الإدارية على أنه: «يعفى طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي»؛ – جميع الطعون المتعلقة بالانتخابات بموجب مدونة الانتخابات، كيفما كان موضوعها، سواء تعلّق باللوائح أو بالترشيح أو بالعمليات الانتخابية ذاتها.

ويجمع هذه الحالات خيط ناظم واحد: فهي إمّا طلبات تحمي طرفاً ضعيفاً كالأجير المصاب والمطلّقة والمحجور، وإمّا طعون تتصل بالمشروعية والنظام العام كدعوى الإلغاء والطعون الانتخابية، وإمّا إجراءات تباشرها الدولة أو مؤسساتها لحساب المصلحة العامة.

الإعفاء من الأداء المسبق

يختلف هذا الاستثناء عن المجانية في أنه لا يُسقط الرسم، وإنما يؤخّر أداءه. فإذا كانت القاعدة في ميدان التقاضي وجوب الأداء الفوري، فإنّ دعاوى نزع الملكية والمنازعات الضريبية المرفوعة من طرف الإدارة تشكّل استثناءً عليها. وبناءً عليه، تتم تصفية الرسوم فيهما على أساس الإعفاء من الأداء المسبق بمقتضى القانون، ثم تتولى كتابة الضبط، في إطار الرسوم القضائية التكميلية، تحصيل الرسوم المستحقة لاحقاً.

المساعدة القضائية

ينصّ المرسوم الملكي الصادر بتاريخ فاتح نونبر 1966 على أنّ المساعدة القضائية تُمنح من قِبل محاكم المملكة دون تمييز، سواء تعلّق الأمر بأشخاص ذاتيين معسرين أو بأشخاص معنويين عاجزين عن أداء الرسوم اللازمة لإقامة الدعوى أو لا تكفي مواردهم المالية للدفاع عن مصالحهم. ويجوز أن يستفيد منها الأجانب عملاً بالاتفاقيات القضائية.

ويشمل نطاقها الميدان الزجري والمدني بمفهومه الواسع والإداري. أما من حيث الزمان، فيترتب عن منحها أثرٌ ممتد بقوة القانون، إذ يشمل جميع الإجراءات التالية للنطق بالحكم إلى حين تنفيذه، فلا يُطالَب المستفيد بطلب جديد في مرحلة التنفيذ.

ويُرفع طلب المساعدة إلى النيابة العامة لدى المحكمة المعروض عليها النزاع، ويبتّ فيه مكتب يتأكد من عسر الطالب قبل أن يقرر المنح أو الرفض، ويختلف تأليفه باختلاف درجة المحكمة. ففي المجلس الأعلى، الذي يختص بالمساعدة في النزاعات التي أوكل إليه القانون النظر فيها، يرأس المكتبَ الوكيلُ العام للملك أو المحامي العام المفوَّض إليه ذلك، ويضمّ ثلاثة قضاة وممثلاً لوزارة المالية، مع كاتب ضبط يتولى كتابة الجلسة. أما لدى محاكم الاستئناف فيرأسه الوكيل العام للملك أو نائبه، ويضم ممثلاً لوزارة المالية ومحامياً تعيّنه محكمة الاستئناف، ويتولى كاتب ضبط كتابة الجلسة. وعلى النحو نفسه يتألف المكتب لدى المحاكم الابتدائية، برئاسة وكيل الملك أو نائبه، وعضوية ممثل لوزارة المالية ومحامٍ تعيّنه المحكمة الابتدائية، فضلاً عن كاتب الضبط.

ويتداول كل مكتب في القضايا المعروضة عليه بحضور جميع أعضائه، تحت طائلة البطلان إذا تخلّف أيّ منهم. وفي حالة الاستعجال خوّل القانون الوكيلَ العام للملك ووكيلَ الملك، كلٌّ فيما يخصه، منح قرار مؤقت بالمساعدة، على أن يبتّ المكتب فيه نهائياً في أقرب اجتماع يعقده.

وقد أحدث المشرّع صناديق تستفيد من تحصيل صوائر المساعدة القضائية ومصاريفها، هي صندوق التضامن وصندوق الزيادة وصندوق الضمان، وأسند استخلاصها إلى كتابة الضبط بموجب قانون المالية لسنة 1993.

رابعاً: الإشكالات العملية

يثير التطبيق اليومي للرسم القضائي إشكالات يحسن بالممارس التنبّه إليها. أولها أنّ عدم أداء الرسم أو أداءه ناقصاً لا يُعامَل معاملة الإجراء الشكلي البسيط. والحال أنّ العمل القضائي جرى على إنذار المدعي بإتمام الأداء قبل ترتيب الجزاء، وهو عدم قبول الطلب إن لم يستدرك النقص.

ويتصل الإشكال الثاني بتكييف الطلب، أهو محدد القيمة أم غير محددها. ذلك أنّ الطلبات المركّبة، التي تجمع طلباً مالياً إلى طلب آخر كالإفراغ مع الأداء، تستوجب تصفية الرسم على كل شق بحسب طبيعته. وأما الإشكال الثالث فيخص الطلبات الإضافية أو رفع مبلغ الطلب أثناء سير الدعوى، إذ يستتبع ذلك أداء رسم تكميلي عن الفارق.

وتبقى المساعدة القضائية في الواقع رهينة إثبات العسر، وهو إثبات يستلزم تقديم وثائق مقنعة، مما يجعل إعداد الملف بعناية شرطاً عملياً لقبول الطلب.

مستجدات وتنبيهات

طرأت على الإطار المؤسساتي الذي يقوم عليه المقال تحوّلات ينبغي استحضارها عند القراءة:

– أصبح المجلس الأعلى يحمل اسم محكمة النقض منذ سنة 2011، فكل إحالة إليه تُقرأ اليوم إحالةً إلى محكمة النقض. – بموجب دستور 2011 صار الوزير الأول يحمل صفة رئيس الحكومة. – أُحدثت محاكم الاستئناف الإدارية بموجب القانون رقم 80.03، فانتقل الاستئناف في القضايا الإدارية إليها بعد أن كان من اختصاص الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى. – عُوِّض قضاء المقاطعات والجماعات بـأقسام قضاء القرب بموجب القانون رقم 42.10. – حلّت مدونة الأسرة سنة 2004 محلّ مدونة الأحوال الشخصية. – وردت في الصيغة الأصلية للنسب مبالغ متقاربة للمبلغ القار المضاف عند تجاوز 20.000 درهم (300 درهم ثم 200 درهم)، فيتعيّن الرجوع إلى الجدول الساري قبل التصفية.

يُرجى التحقق من النص المعمول به عند الاستعمال.

خلاصة عملية

الرسم القضائي شرط لقبول الدعوى، يُؤدّى مقدّماً وفوراً، ويُصفّى نسبياً في الطلبات المحددة القيمة وجزافياً في غيرها. ولا يُعفى المتقاضي منه إلا في ثلاث صور: مجانية مقررة بنص، أو تأجيل الأداء في نزع الملكية والمنازعات الضريبية التي ترفعها الإدارة، أو مساعدة قضائية يُطلب منحها من النيابة العامة بعد إثبات العسر، ويمتد أثرها إلى التنفيذ. وقبل إيداع أي مقال، ينبغي تكييف الطلب بدقة، والتأكد من الجدول الساري، والنظر في مدى الاستفادة من أحد الاستثناءات.

هذا المقال للتثقيف القانوني العام ولا يغني عن استشارة محامٍ في الحالة الخاصة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية