📖 النشاط الإداري — الفصل 3 من 5 — فهرس الكتاب
أولا: مفهوم المرفق العام وعناصر نظريته العامة
قواعد القانون الاداري مرتبطة بوجود المرفق العام الوسط الذي تنشط فيه، والمرفق العام في التصور الحديث يختلف عن ما في التصور القديم عندما كانت الدولة حارسة، فالمرفق العام اليوم يمر خدمات للأفراد يرمز مدى مراس الأمرة ولكن ملزمة قانونا. عددت مفاهيم المرفق العام: يمكن تحديدها من ناحيتين: المفهوم العضوي (الهيئات العامة التي تمارس نشاطا ماديا وعضويا للمرافق العام)، والمفهوم المادي (هو نشاط ومضمون العمل الذي يمارسه المرفق العام بهدف تحقيق مصلحة عامة او خدمات عامة يحددها القانون).
عناصر النظرية العامة للمرافق العامة
شهدت النظرية العامة للمرافق العامة عناصر أساسية: إصباح الحاجيات التي لا يمكن أن يقوم بها الا الدولة بمقام خاصية معنوية للمؤسسة، وليس بالضرورة أن تدار المرافق العامة بنفس أساليب السلطة العامة بل يمكن أن تتبع أساليب أخرى، ولا يحق للموظفين الاضراب لأن ذلك يعتبر مساسا بالمرفق، والدولة ملزمة بتحقيق المساواة بين المواطنين في الانتفاع بالمرفق العام، والمصلحة العامة للمرفق العام ترفع بعض الرسوم الجزئية للانتفاع لكنها يعتد بها عند دفع رسوم أخرى، ومن حق الدولة التدخل في أي لحظة لتغيير قواعد سير مرفق أي مراعاة للمصلحة العامة إذا أصبح ذلك ضروريا للاقتصاد الوطني.
ثانيا: إنشاء وإلغاء وتنظيم المرافق العامة
يعود الاختصاص في إنشاء المرافق العامة (أولا) إلى الجهات التي يحددها الدستور أو القانون التنظيمي المؤهلة بمهمة التنظيم (ثانيا) والإلغاء (ثالثا). فبالرجوع إلى الفصلين 71 و46 من الدستور المغربي لسنة 1996، يتضح أن المشرع الدستوري ينحصر تحديده لاختصاصات كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويستنتج من القراءة المتفحصة لهذين الفصلين المتعلقين بإنشاء المرافق العامة الوطنية أن اختصاصات التشريعية تتجه نحو المرافق العامة ذات الخصوصية الدستورية بينما يختص المرفق العام المتمتع بالشخصية المعنوية باختصاص إداري ومالي مستقل.
ثانيا، تنظيم المرافق العامة يقصد به إيجاد القواعد اللازمة لتسييرها وإدارتها بإطارها، ويتم هذا تأسيس جهاز اداري يشرف على المرفق وإدارته وبيان مختلف أقسامه والوضع القانوني للعاملين والمستخدمين، والنظام المالي والرقابة الممارسة عليه في هذا المجال، ومن الطبيعي أن تتوفر مهمة تنظيم المرافق العامة على أعتبار انها أعرف بها من غيرها بهذا الأمر وبهذا التجربة والخبرة المكتسبة لديها. ثالثا، إلغاء المرفق العام يقصد بالغاء المرافق العامة إنهاء نشاطها ووضع حد له، فإذا كان المرفق العمومي قد أنشئ بقانون، فإن إلغاءه أيضا يكون بموجب قانون أو بناء على قانون آخر يقضي بتغييره.
ثالثا: أنواع المرافق العامة
تستقر الفقه والقضاء على تقديم المرافق العامة إلى أنواع مختلفة استنادا إلى اعتبارات متعددة، فالمرافق لا تأخذ صورة واحدة بل تتعدد أنواعها تبعا للزاوية التي ينظر منها إليها.
من حيث طبيعة نشاطها
- المرافق العامة الإدارية: وهي مجموعة المرافق التي تدخل في مجال المهام والأنشطة الادارية للدولة، كمرافق التعليم، الصحة، الدفاع والأمن.
- المرافق العامة الاقتصادية: بعد الأزمات الاقتصادية توسعت وظيفة الدولة العامة لتزاول نشاطا تجاريا أو صناعيا، وتخضع هذه المرافق لقواعد القانون العام والقانون الخاص الاقتصادي في نفس الوقت.
- المرافق العامة المهنية: ظهرت المرافق العامة المهنية وانتشرت بشكل كبير عقب الحرب العالمية الثانية، لتنظيم المهن الرئيسية للدولة بواسطة الأفراد الذين يمارسون بعض وسائل القانون العام مثل المهن الحرة كنقابة المحامين وغيرها من الأطباء والصيادلة.
من حيث الامتداد الترابي والجغرافي
تقسم المرافق العامة الوطنية والجهوية على أساس الامتداد الترابي والجغرافي لنشاطها إلى مرافق عامة وطنية ومرافق عامة محلية. المرافق العامة الوطنية يقصد بها المرافق التي يتسع نشاطها إلى الوطن كله، كمرفق التعليم ومرفق الأمن. أما المرافق المحلية فيقصد بها المرافق التي تقدم خدماتها لإقليم منطقة محددة داخل الدولة كإقليم أو عمالة.
من حيث الشخصية المعنوية
المرافق العامة ذات الشخصية المعنوية: وهي التي يعترف لها قرار إنشائها بكيان مستقل ويكون خضوعها للرقابة الادارية والوصاية أخف على شكل استقلال مالي وإداري. المرافق العامة التي لا تتمتع بالشخصية المعنوية: وهي المرافق العامة التي لا يعترف بإنشائها قرار بالشخصية المعنوية نظرا لحساسيتها وخصوصيتها للدولة ويرتبط الحاقها بأشخاص القانون العام كالدولة والوزارات.
المرافق العامة الاختيارية والإجبارية والواقعية
المرافق العامة الاختيارية: الأصل في إنشاء المرافق أن يتم بشكل اختياري بمبادرة من جانب الدولة، وتملك الادارة سلطة تقديرية واسعة في اختيار وقت ونوع الخدمة التي ينشئها. المرافق العامة الإجبارية: إذا كان الأصل في انشاء المرافق العامة اختياريا فان الادارة تكون ملزمة بانشاء بعض المرافق العامة اذا وجهت اليها ذلك بموجب القانون. المرافق العامة الواقعية أو الفعلية: وهي التي يحدثها الأفراد بمجرد اخذ تصريح مسبقا من السلطات الادارية المختصة لذلك.
رابعا: المبادئ الأساسية للمرفق العام
أولا: مبدأ استمرار سير المرفق العام
تتولى المرافق العامة تقديم الخدمات العامة للأفراد وإشباع حاجياتهم اليومية، لذلك كان انقطاع هذه الخدمات ضروريا أن يجب استمرارها لضمان استمرار حياتهم. وفي جميع الحالات فإن هذا المبدأ لتطبيق مبدأ الاستمرارية يؤدي الى نتائج مقيدة للحريات الفردية والحقوق الجماعية والتضحية بمصالح الموظفين، ونظرية الظروف الطارئة ونظرية الموظف الفعلي تندرج ضمن خمسة مجالات تتضح من الأقل الآتي: مبدأ تحريم الاضراب ومنع الاضراب على موظفي المرافق العامة، وقاعدة الاستقالة، ونظرية الموظف الفعلي، ومبدأ تحريم الحجز على الأموال المعدة والمخصصة لتسيير المرافق العامة، ونظرية الظروف الطارئة.
ثانيا: مبدأ المساواة أمام المرافق العامة
إن مبدأ المساواة هو من المبادئ الأساسية التي عليها القانون بصفة عامة، من ذلك مثلا الفصل 5 من الدستور الذي ينص على ذلك: «جميع المغاربة سواء أمام القانون». وتعني هذه القاعدة العامة الانتفاع من خدمات المرفق العمومي للجمهور دون تمييز بين المنتفعين بشروطه، وهذه المساواة ليست مطلقة، إذ لا مساواة بين من لا يتوفر فيه شروط الانتفاع وبين من يريد ذلك في كل حال بها شروط الانتفاع القانونية.
ثالثا: مبدأ قابلية المرفق العام للتعديل والتغيير
للإدارة حق التدخل لتعديل وتغيير القواعد التي تحكم المرافق العامة كلما تطلبت استمرار تحقيق المصلحة الاجتماعية والاقتصادية وذلك على رسوم من خدمات المرفق العام كما يمكن للإدارة أن تفرض هذا التغيير على العاملين أو المنتفعين ولا يجوز لأحد الاعتراض على ذلك، طالما أن حق الادارة في التغيير حق ثابت ولا يقيده هذا المبدأ حق مراعاة استمرارية الخدمات التي يقدمها لعمل المرفق.
خامسا: طرق إدارة المرافق العامة
تتوفر طرق إدارة المرافق العامة من حيث أهدافها وطبيعة نشاطها والسلطات المختصة بإحداثها، ومن حيث تمتعها بالشخصية المعنوية من عدمها بمقتضى نظامها القانوني حسب اختلاف النظم الايديولوجية للدول.
أولا: الاستغلال المباشر
هذه الطريقة تقتصر على المرافق الإدارية وحدها ولا يمكن استعمالها بسهولة لتسيير المرافق الاقتصادية مثل السكك الحديدية، وهي المرافق الرامية الى تحقيق المصلحة العامة بعيدا عن هاجس الربح المادي.
ثانيا: المؤسسة العمومية
يطبع غموض بحيث تملكها الشخصية العمومية المعنوية، وتتمتع المؤسسة العامة بالاستقلال الإداري والمالي، ويتوفر أنواع المؤسسات العمومية في المملكة المغربية: مؤسسات عمومية وطنية، مؤسسة عامة محلية، مؤسسة عامة جهوية.
ثالثا: المقاولة العمومية
المقاولة العمومية هي كل مقاولة تمنحها الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة ملكية رأس مالها كليا أو جزئيا، أو أن يكون لها فيها سلطة رقابية أو تدبيرية. من معايير المقاولة العمومية: العناصر الايجابية (الشخصية المعنوية والاستقلال المالي، نشاط ذو صبغة صناعية أو تجارية، طريقة تسيير وعمل قريبة من الطرق التي تعمل وفقها المقاولات الخاصة، تواجد رقابة الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة). والأشكال القانونية للمقاولة العمومية هما المؤسسات العامة والشركات.
رابعا: الامتياز أو الالتزام
المقصود بالامتياز هو أن تعهد الدولة أو أحد الأشخاص العامة الاقليمية لفرد أو لشركة بإدارة مرفق اقتصادي واستغلاله لمدة محددة عن طريق عمال يقدمهم الملتزم تحت مسؤوليته مقابل رسوم يتقاضاها من المنتفعين، وهناك مجموعة من الملاحظات: أن امتياز المرفق العام هو طريقة من طرق التدبير أو التسيير المفوضة على الأصول، وأن للدولة أو الشخص العام سلطة تقديرية واسعة تمنحها حرية اختيار المتعاقد المتعاقد معها دون أن تتبع في ذلك مساطر قانون الصفقات، وللدولة أن الأشخاص العام سلطة واسعة في توجيه المرفق العام واسترشاف الأوراش الأساسية والاستمرارية العامة يتبعون الاجراءات المتعلقة بها.
خامسا: أسلوب الاقتصاد المختلط
هي طريقة يقوم على أساس اشتراك السلطات والأفراد في إدارة المرفق بواسطة إنشاء شركة ذات شكل مختلط تخذع لأحكام القانون التجاري الخاص، والدولة هي من تقوم بتعيين مديري الشركة وكذا المتصرفين، ويذكر هنا بأن حصة الدولة غالبا لا تقل عن 45% من رأس مال العام.
سادسا: التدبير المفوض
أعطى المشرع المغربي تعريفا للتدبير المفوض عند إحداث قانون (05-54)، حيث عرفه على أنه: «يعتبر التدبير المفوض عقدا بموجبه يفوض شخص معنوي خاضع للقانون العام يسمى المفوض لمدة محددة إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص يسمى المفوض إليه تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته إليه بغرض تحصيل أجرة أو الربح أو أرباح أو منشأة عمومية أو استثمار مالي يتعلق بشكل معنوي منشأة عمومية أو تسمهم في مزاولة نشاط المرفق العام المفوض».
📗 خلاصة الباب
- المرفق العام يُفهم عضويا (الهيئة القائمة به) وماديا (نشاطه لتحقيق مصلحة عامة)، وينشأ وينظَّم ويُلغى وفق قواعد دستورية وقانونية محددة (الفصلان 71 و46 من الدستور).
- تتعدد أنواع المرافق العامة: إدارية/اقتصادية/مهنية، وطنية/محلية، بشخصية معنوية أو دونها، اختيارية/إجبارية/واقعية.
- ثلاثة مبادئ أساسية تحكم المرفق العام: الاستمرارية (مع استثناءات كنظرية الظروف الطارئة)، والمساواة أمامه، وقابليته للتعديل والتغيير.
- طرق إدارة المرافق العامة متعددة: الاستغلال المباشر، المؤسسة العمومية، المقاولة العمومية، الامتياز (الالتزام)، الاقتصاد المختلط، والتدبير المفوض (قانون 05-54).
اترك تعليقاً