دروس فيديو للقانون ▶ ابدأ المشاهدة
فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف
جريمة المؤامرة والأحكام العامة لجرائم أمن الدولة في القانون الجنائي المغربي

جريمة المؤامرة والأحكام العامة لجرائم أمن الدولة في القانون الجنائي المغربي

مدخل: الإشكال القانوني

يقوم القانون الجنائي في أصله على قاعدة راسخة مؤداها أنّ النوايا لا عقاب عليها، وأنّ المشرع لا يتدخل إلا حين يتجسد القصد في سلوك خارجي محسوس. غير أنّ هذه القاعدة تنحسر حين يتعلق الأمر بجرائم أمن الدولة، إذ يتقدم منطق الوقاية على منطق الزجر، ويُستبق الخطر قبل أن يستوي فعلاً مادياً. وتبرز جريمة المؤامرة أوضحَ صورة لهذا الاستثناء، فهي تعاقب على اتفاق لم يخرج بعد إلى حيز التنفيذ.

وبناءً عليه، يطرح الموضوع سؤالاً دقيقاً: إلى أي حد يجوز للمشرع أن يجرّم مجرد التصميم المشترك على المساس بأمن الدولة، وما الضوابط التي تحول دون أن يصير التداول العابر أو الرأي المعلن اتفاقاً جنائياً مستوجباً للعقاب؟

أولاً: الإطار القانوني لجرائم أمن الدولة

تخضع جرائم أمن الدولة لنوعين من الأحكام العامة: أحكام مسطرية تنظم الاختصاص والتحقيق والتنفيذ، وأحكام موضوعية تكشف عن سياسة جنائية خاصة في التجريم والعقاب.

الأحكام المسطرية

من حيث الاختصاص: يرجع النظر في جرائم الأمن الداخلي إلى القضاء العادي، في حين ارتبطت جرائم الأمن الخارجي بالقضاء العسكري. وقد عرف هذا التوزيع تحولاً تشريعياً مهماً نعرض له في باب المستجدات.

من حيث تنفيذ العقوبة: نص الفصل 218 على أنّ هذه الجرائم تُعامَل، في تنفيذ العقوبة، معاملة الجنايات والجنح العادية رغم طابعها السياسي. ويترتب عن ذلك أنّ المتهم بإحداها لا يستفيد مما قد يستفيد منه المجرم السياسي من امتيازات في هذا الباب.

من حيث الأولوية في التحقيق والمحاكمة: اعتبر الفصل 216 هذه القضايا من القضايا المستعجلة، وخصّها بالأولوية في التحقيق والمحاكمة. والعلة مزدوجة: تفويت الفرصة على المتهمين في الفرار، وطمأنة الرأي العام إلى أنّ الدولة ماضية في حماية كيانها.

من حيث تفتيش المنازل: أجاز الفصل 102 لوكيل الملك أو لقاضي التحقيق إجراء التفتيش ولو ليلاً وفي أي مكان. وهذا خروج صريح عن القيود الزمنية التي تحكم التفتيش في الجرائم العادية، ويسوّغه ما قد يترتب على التأخير من ضياع للأدلة أو إتمام للمخطط.

الأحكام الموضوعية وسياسة التحوط

اعتمد المشرع المغربي في هذا الباب سياسة تقوم على التحوط والافتراض وتشديد العقاب. فخرج عن المبادئ العامة للقانون الجنائي وضيّق من المساحة المقررة لمصلحة المتهم، اعتباراً لخطورة هذه الأفعال على النظام السياسي. وتنظم الفصول من 172 إلى 175 جريمة المؤامرة بوصفها التجلي الأبرز لهذه السياسة.

وقد عرّف الفصل 175 المؤامرة بقوله: «المؤامرة هي التصميم على العمل، متى كان متفقاً عليه ومقرراً بين شخصين أو أكثر». ويُستخلص من هذا التعريف أنّ للمؤامرة طبيعة قانونية تميزها عن سائر الجرائم، تتجلى في ثلاث خصائص:

– أنها سلوك محتواه نفسي: يقوم على عاملين، أولهما أنه سلوك شخصي عبّر عنه صاحبه، وثانيهما أنّ هذا التعبير دليل على انصراف الإرادة إليه، وهذا الانصراف هو أساس العقاب. – أنها جريمة فاعل متعدد: لا تتحقق بإرادة شخص واحد مهما بلغ عزمه. – أنها فرع من أصل: فهي وسيلة إلى غاية معينة مع سبق العزم والتصميم. وإذا كانت جريمة قائمة بذاتها، فإنها تظل من حيث الغاية تابعة لجريمة أخرى هي الجريمة المنشودة.

ثانياً: أركان جريمة المؤامرة

الركن القانوني

يتمثل الركن القانوني في افتراض قيام مصلحة عليا تقتضي الحماية الجنائية. واشترط المشرع لقيام المؤامرة شرطين: أولهما أن تستهدف الملك أو ولي العهد أو النظام الملكي، أو ترمي إلى زعزعة ولاء الرعايا المغاربة للملك. وثانيهما أن يكون المقصود هو المؤامرة المنصوص عليها في القانون الجنائي دون غيره من القوانين.

وفي هذا المعنى ينص الفصل 172 على أنّ «المؤامرة ضد حياة الملك أو شخصه يعاقب عليها بالسجن المؤبد، إذا تبعها القيام بعمل أو البدء فيه من أجل إعداد تنفيذها. فإذا لم يتبعها عمل أو بدء في عمل من أجل إعداد تنفيذها، فإن العقوبة هي السجن من خمس إلى عشرين سنة».

الركن المادي

المؤامرة من جرائم الخطر، أي الجرائم التي يعاقب عليها المشرع لما تنطوي عليه من تهديد للمصلحة المحمية دون انتظار وقوع الضرر. ويترتب عن ذلك أنّ ركنها المادي لا يتطلب تحقق النتيجة الإجرامية، ويكفي فيه، حسب الفصل 175، وجود اتفاق على التنفيذ بين شخصين أو أكثر. والمقصود بالاتفاق توافق إرادة المساهمين على التآمر لاقتراف إحدى الجرائم الواردة في الفصول 172 و173 و174 و201 من القانون الجنائي. أما إذا انصب الاتفاق على جرائم أخرى، فلا يتعلق الأمر بمؤامرة بالمعنى الوارد في هذا الباب.

ماهية الاتفاق: لم يعرّفه المشرع، لكنه يفترض بطبيعته مظهراً مادياً ملموساً يعبّر عن إرادة الأفراد، شفوياً كان أو كتابياً أو بالإيماء. ولا يُشترط فيه أن يكون سرياً، فقد يكون علنياً، كما لو أعلنت مجموعة من الأفراد نيتها تغيير نظام الحكم.

عدد المتفقين: أقل عدد تقوم به المؤامرة شخصان. فإن انفرد شخص واحد بالتصميم، خرجنا من دائرة المؤامرة إلى الجريمة المنصوص عليها في الفصل 178: «من عقد العزم بمفرده على ارتكاب اعتداء ضد حياة الملك أو شخصه، أو ضد حياة ولي العهد، ثم ارتكب بمفرده ودون مساعدة أحد عملاً أو بدأ فيه بقصد إعداد التنفيذ، يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات». ويُلاحظ أنّ العزم الفردي وحده لا يكفي هنا، بل يلزم أن يعقبه عمل تحضيري.

لحظة تمام الاتفاق: يعتبر الاتفاق قائماً بمجرد توافق الإرادات، ويستكمل الركن المادي عناصره سواء نُفذت المؤامرة أم لم تُنفذ. ويترتب عن ذلك أنّ العقوبة تقع رغم عدول المتآمرين، إذ يبقى العدول مجرد توبة وندم لا يوقف العقاب. وإذا فقد أحد المتآمرين أهليته، لم تسقط المسؤولية الجنائية عن المتآمر الآخر.

الركن المعنوي

المؤامرة جريمة عمدية لا تقوم إلا بتوفر القصد الجنائي العام بعنصريه: العلم بطبيعة الاتفاق وموضوعه، وإرادة الدخول فيه. أما القصد الخاص فلا يتطلبه قيام الجريمة. ويُراد بالقصد الخاص هنا الإدراك بارتكاب مؤامرة معاقب عليها وفق الفصول 172 و173 و174 و201، والإدراك بأنّ الغرض هو قلب نظام الحكم أو تغييره. غير أنّ النيابة العامة تبقى ملزمة بإثبات اتجاه الاتفاق إلى إحدى هذه الغايات، لأنّ هذا الاتجاه هو ما يميز المؤامرة عن غيرها.

ولا عبرة بالباعث مهما بدا نبيلاً. فالادعاء بأنّ الغاية كانت القيام بإصلاحات سياسية لا يرفع الوصف الجرمي، لأنّ تغيير النظام بالطرق التي يجرّمها القانون يُعدّ في حد ذاته جريمة جنائية بامتياز.

ثالثاً: عقاب جريمة المؤامرة وظروفه

متى اكتملت الأركان على النحو المتقدم، قامت المسؤولية الجنائية سواء كان الفاعل مساهماً أو مشاركاً. والمؤامرة جناية في أصلها، وتتدرج عقوبتها بحسب محلها وبحسب ما إذا تبعها عمل تحضيري أم لا.

حالات العقوبة المخففة

تقررت عقوبات أخف حين لا يعقب الاتفاقَ أيُّ عمل تنفيذي، وذلك على النحو الآتي:

– التآمر ضد حياة الملك أو شخصه دون البدء في التنفيذ: السجن من 5 إلى 20 سنة (الفصل 172). – التآمر ضد حياة ولي العهد دون البدء في التنفيذ: السجن من 5 إلى 10 سنوات (الفصل 173). – المؤامرة من أجل الغايات المذكورة في الفصل 169: من 5 إلى 10 سنوات (الفصل 174). والفصل 169 يعاقب بالسجن المؤبد على «الاعتداء الذي يكون الغرض منه إما القضاء على النظام أو إقامة نظام آخر مكانه أو تغيير الترتيب لوراثة العرش، وإما دفع الناس إلى حمل السلاح ضد سلطة الملك». – المؤامرة التي لا يتبعها ارتكاب عمل أو شروع فيه في إطار الفصل 201: الحبس من سنة إلى خمس سنوات.

وأما الدعوة إلى المؤامرة التي لم تُقبل، فعقوبتها من 5 إلى 10 سنوات إذا تعلقت بالملك، ومن سنتين إلى خمس سنوات إذا تعلقت بتغيير النظام. وفي إطار الفصل 201 تنزل إلى الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.

ويقتضي تمام الفهم الوقوف عند نص الفصل 201: «يؤاخذ بجناية المس بسلامة الدولة الداخلية ويعاقب بالإعدام، من ارتكب اعتداء الغرض منه إما إثارة حرب أهلية بتسليح فريق من السكان أو دفعهم إلى التسلح ضد فريق آخر وإما بإحداث التخريب والتقتيل والنهب في دوار أو منطقة أو أكثر. ويعاقب بالسجن من خمس إلى عشرين سنة من دبر مؤامرة لهذا الغرض إذا تبعها ارتكاب عمل أو الشروع فيه لإعداد تنفيذها. أما إذا لم يتبع تدبير المؤامرة ارتكاب عمل ولا الشروع فيه لإعداد التنفيذ، فإن العقوبة تكون الحبس من سنة إلى خمس سنوات. ويعاقب بالحبس من ستة شهور إلى ثلاث سنوات من دعا إلى تدبير مؤامرة ولم تقبل دعوته».

حالات التشديد

إذا أُتبع التآمر بعمل تحضيري، رُفعت العقوبة إلى السجن المؤبد في حالة التآمر على حياة الملك أو شخصه، طبقاً للفقرة الأولى من الفصل 172. فإن تجاوز الأمر العمل التحضيري إلى عمل يُعدّ شروعاً في التنفيذ، لم نعد أمام مؤامرة، وإنما أمام جريمة «اعتداء» بوصفها القانوني المستقل وعقوبتها الأشد.

رابعاً: الإشكالات العملية في تطبيق نصوص المؤامرة

أول ما يثور في الممارسة هو التمييز بين التداول والاتفاق. فالمشرع خرج هنا عن مبدأ عدم تجريم مرحلة الاتفاق، والحال أنّ الفصل 114 لا يعتبر المحاولة قائمة إلا من حين البدء في التنفيذ. ومن ثَمّ يبرز خطر حقيقي في أن يُعتبر مجرد التداول اتفاقاً مستوجباً للعقاب، مع أنّ المتداولين قد لا يعقدون العزم على التنفيذ أصلاً. ولذلك يتعين على الدفاع التمسك بأنّ الفصل 175 يشترط أن يكون التصميم «متفقاً عليه ومقرراً»، أي أن يبلغ درجة القرار الجازم لا مرحلة النقاش أو الافتراض.

ويتصل بذلك إشكال الإثبات. فجريمة ذات محتوى نفسي يصعب إثباتها بغير القرائن والتصريحات والمراسلات، مما يفرض على القاضي التثبت من أنّ ما قُدّم يدل على توافق إرادات جازم، لا على آراء أو مواقف معلنة يحميها مبدأ حرية التعبير.

ويطرح العدول الاختياري إشكالاً ثالثاً. فهو لا يؤدي إلى سقوط الجريمة، لأنها تمّت بمجرد الاتفاق. غير أنه قد يصلح عنصراً يُعتدّ به في تقدير العقوبة داخل حديها، وفي إطار ما يخوله القانون للمحكمة من سلطة في منح ظروف التخفيف القضائية.

وأخيراً، يدق التكييف أحياناً بين المؤامرة المتبوعة بعمل تحضيري وبين الاعتداء. فالفيصل هو طبيعة الفعل اللاحق: هل هو مجرد إعداد، أم بدء في التنفيذ بالمعنى الدقيق؟ ولهذا التمييز أثر حاسم على العقوبة.

مستجدات وتنبيهات

صدر القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري، ودخل حيز التنفيذ سنة 2015. وقد قلّص اختصاص المحكمة العسكرية، فلم يعد المدنيون يُحالون عليها في زمن السلم. لذلك ينبغي قراءة ما ورد بشأن اختصاص القضاء العسكري بجرائم الأمن الخارجي في ضوء هذا القانون وتحديد نطاقه بدقة بحسب صفة المتهم وظروف الفعل.

وينبّه كذلك إلى أنّ بعض الوقائع الماسة بأمن الدولة قد تتداخل مع مقتضيات القانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، بما يترتب على ذلك من أحكام مسطرية وموضوعية خاصة.

يُرجى التحقق من النص المعمول به عند الاستعمال.

خلاصة عملية

تقوم جريمة المؤامرة بمجرد اتفاق جازم بين شخصين فأكثر على إحدى الغايات المحددة في الفصول 172 و173 و174 و201، ولا يُعفي منها العدول ولا نبل الباعث. ويتدرج العقاب بحسب محل المؤامرة وبحسب ما إذا تبعها عمل تحضيري، فإن بلغ الأمر البدء في التنفيذ صار الفعل اعتداءً. وتظل معركة الدفاع الحقيقية في إثبات أنّ ما جرى لم يتجاوز التداول إلى القرار المشترك.

هذا المقال للتثقيف القانوني العام ولا يغني عن استشارة محامٍ في الحالة الخاصة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية