📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب
أولا: تعريف السياسة وتصوراتها
العلم نشاط معرفي خاص، يقتسم أصناف المعرفة العلمية كمعرفة منظمة وموضوعية تنسج بين الظواهر علاقات كونية ضرورية ومنتظمة تسمح بالتنبؤ بالنتائج والتحكم فيها عن طريق التجربة العلمية. أما السياسة، فقد عرفها قاموس ليتري بأنها علم حكم الدول، وعرفها قاموس روبير بأنها فن حكم المجتمعات الإنسانية، وعرفها قاموس لسان العرب بأنها القيام بالأمر وما يصلحه. وفي الإنجليزية، فإن كلمة politics مشتقة من لفظ polis الذي كان يطلق على المدينة الدولة عند اليونان، ثم تطورت لتطلق على فن الحكم وإدارة أمور الدولة داخليا وخارجيا.
أربعة تصورات أساسية لمصطلح السياسة
- التصور النظري: السياسة فن الحكم، وهو تصور تقليدي يوناني مرتبط بكلمة polis، يعاب عليه اعتبار السياسة فنا لا علما.
- التصور الإداري: السياسة نشاط إداري مرتبط بتسيير المجتمع، يعود إلى أرسطو الذي اعتقد بعدم قدرة البشر على إدراك الحياة الفاضلة إلا في إطار مجتمع سياسي منظم.
- تصور حل النزاعات: السياسة آلية لحل النزاعات بالتوفيق والتراضي بدل العنف والقوة، وهي نظرة أقرب إلى الصواب لأنها لم تظهر إلا في المجتمعات الحديثة المنظمة.
- التصور النسقي: السياسة نظام سياسي يعمل بشكل تلقائي ونسقي من أجل إحلال الانسجام والاستقرار، وفق آليات التفاعل بين مطالب محيط النظام السياسي ومركزه (فهم هانز مورجنتاو).
من هنا يمكن الحديث عن اتجاهين رئيسيين في تعريف علم السياسة: الاتجاه الأول يعرفه بأنه «علم الدولة»، أي العلم الذي يدرس الدولة مفهوما وتنظيما ومؤسسات وممارسة وسياسات؛ والاتجاه الثاني يعرفه بأنه «علم السلطة»، أي العلم الذي يدرس السلطة باعتبارها مفهوما لعلاقات مبنية على أساس التفاوت والاختلاف والصراع.
ثانيا: جدلية السلطة والدولة
يخلط عامة الناس بين السلطة والدولة، معتقدين أن السلطة هي الدولة، لكن الحقيقة أن هناك فرقا شاسعا بين المفهومين: فالدولة لها أركان ثابتة دائمة (الأرض، الشعب، وقانون أساسي ينظم السلوكيات والعلاقات)، بينما السلطة زائلة ومتحركة، وهي الإدارة القانونية للدولة، أي أنها آلة تسير أمور الدولة بموجب الدستور والقوانين.
السياسة كعلم لدراسة السلطة
الانطباع المبدئي لدى الإنسان العادي هو أن السياسة هي السلطة السياسية، ولا يمكن فهم السلطة إلا بوصفها واقعا من خلال العلاقات التي تنسجها بين من يتولونها ومجموع البنية السياسية والمجتمعية. ويمكن مقاربة السلطة على ثلاثة مستويات: المستوى القانوني (السلطة كآلية تنفيذ لصلاحيات قانونية، وتزاوج مفهوم السلطة مع مفهوم الشرعية)، والمستوى العلمي (نموذج بايشلر بحقوله الدلالية الثلاثة: القوة، والتأثير الكاريزمي، والشرعية السياسية)، والمستوى الواقعي (السلطة كعلاقة نفسية بين طرفين، تُمارس عبر مصادر التأثير المادي والإقناع).
وحصر أشكال السلطة في ثلاثة أشكال أساسية: السلطة الرادعة (القائمة على العقاب لمن لا يطيع)، والسلطة المكافئة (التي توزع الموارد توزيعا سلطويا)، والسلطة المُقنِعة (التي تعتمد على الإقناع وهي الأقوى تأثيرا).
السياسة كعلم لدراسة الدولة
أغلب النظريات التي تقول بأن السياسة هي علم دراسة الدولة تستند إلى الفلسفة الأرسطية، وبالضبط كتاب «السياسة» لأرسطو. صحيح أن الرأي القائل بأن الدولة موضوع لدراسة علم السياسة له ما يسنده في التاريخ والواقع، وصحيح أن المجتمع الدولي نفسه لا يقر بوجود سلطة سياسية إلا داخل دولة منظمة ذات سيادة وضمن حدود إقليم معين، لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن السلطة سابقة على الدولة تاريخيا.
ثالثا: علاقة علم السياسة بالعلوم المجاورة
علم السياسة والفلسفة السياسية
هناك فرق كبير بين علم السياسة والفلسفة السياسية: فعلم السياسة علم وصفي تحليلي، يصف فيه عالم السياسة النظم السياسية المختلفة ويحلل الفروقات بينها، فيصف ويحلل ويفسر. أما فيلسوف السياسة فيتجاوز الوصف والتحليل إلى رسم صورة لما ينبغي أن يكون عليه حال الدولة، فالعلم دراسة وصفية تجريبية لما هو كائن، بينما الفلسفة دراسة معيارية لما ينبغي أن يكون، العلم يدرس الجزئيات والفلسفة تدرس الكليات.
علم السياسة والعلوم الأخرى
- علم الاقتصاد: هناك تأثير متبادل بين الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي؛ فالثورات الكبرى كالفرنسية والروسية جاءت على إثر أوضاع اقتصادية غير صحية، وكان المحرك الأساسي للاستعمار سعي القوى الأوروبية للحصول على مصادر رخيصة للمواد الخام وأسواق جديدة.
- علم الاجتماع: البناء الاجتماعي السليم للمجتمع ينعكس إيجابا على الاستقرار السياسي، بينما التفاوت الطبقي الحاد يؤدي إلى زعزعته؛ ومن الموضوعات المشتركة أيضا التنشئة السياسية للفرد عبر الأسرة والمدرسة ودار العبادة والحزب.
- الأنثروبولوجيا: الاختلاف بين الأجناس كان محركا تاريخيا للصراع السياسي، فدراسة الأقليات والجماعات العرقية والتفرقة العنصرية محل اهتمام مشترك بين العلمين.
- التاريخ: يقدم لعالم السياسة سجلا غنيا بالمعلومات يمكن الإفادة منها في صياغة قواعد علمية عامة، ولعل خير تعبير عن ذلك أن «علم السياسة بلا تاريخ كنبات بلا جذور، والتاريخ بدون علم السياسة كنبات بلا ثمر».
- القانون: يرتبط بفرع رئيسي من فروع علم السياسة هو القانون الدستوري، وكذا القانون الدولي، وموضوع نظرية الدولة وشرعية السلطة (مدى دستوريتها).
- علم النفس: عبر فرع مشترك هو علم النفس السياسي، الذي يدرس تأثير العوامل النفسية على السلوك السياسي للأفراد والقادة.
📗 خلاصة الباب
- أربعة تصورات لمفهوم السياسة: فن الحكم، نشاط إداري، آلية لحل النزاعات، ونظام سياسي نسقي؛ واتجاهان في تعريف علم السياسة: علم الدولة، وعلم السلطة.
- السلطة والدولة مفهومان مختلفان: الدولة أركانها ثابتة (أرض، شعب، قانون)، والسلطة زائلة متحركة، هي إدارتها القانونية.
- علم السياسة وصفي تحليلي يدرس الكائن، بينما الفلسفة السياسية معيارية تدرس ما ينبغي أن يكون، ويرتبط علم السياسة بالاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والقانون وعلم النفس.
◀ الفصل السابق: مدخل إلى العلوم السياسية
الفصل التالي: علم السياسة كممارسة علمية: من المخاض إلى النشأة ▶
اترك تعليقاً