📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب
أولا: الظاهرة السياسية كموضوع مشترك
الظاهرة السياسية التي تدرسها العلوم السياسية أو علم السياسة هي كل ظاهرة تنجم عن تجمع إنساني وسلوك إنساني داخل المجتمع المنظم، سواء كان المتحرك داخل هذا المجتمع فردا أو جماعة أو مؤسسة أو بنية مجتمعية، مع مراعاة التدافع بين هذه المكونات من أجل إقرار أهداف مجتمعية مشتركة وضمان تدبير الخلاف الناجم عن تعارض الأهداف المختلفة للأطراف المجتمعية. وعليه فالعلوم السياسية تعبر عن معارف علمية تعنى بدراسة الظاهرة السياسية بشكل موضوعي وحيادي.
المدارس الكبرى في دراسة الظاهرة السياسية
- المدرسة الأمريكية: تقول باستحالة وجود علم واحد في دراسة الظاهرة السياسية، وتنكر استقلالية علم السياسة، مبررة ذلك بأن الظاهرة السياسية لا يمكن دراستها إلا في إطار العلوم الاجتماعية الأخرى التي تشكل مصدرا أساسيا في دراستها.
- المدرسة الأوروبية بجناحيها المحافظ والحداثي: فالمدرسة البريطانية تعتبر منهجيتها نموذجا وفيا للمنهج التقليدي الوصفي، ارتبطت دراسة الظاهرة السياسية فيها بالجامعة البريطانية دائما ببرامج تعتمد دراسة العلوم الإنسانية كبرنامج أكسفورد (الفلسفة والسياسة والاقتصاد). أما المدرسة الفرنسية فهي خليط بين المدرستين الأمريكية والبريطانية، مع استنادها بالمقام الأول على العلوم القانونية والقانون العام خاصة، مما جعلها لا تنفتح أكاديميا على الدراسة العلمية للظاهرة السياسية إلا من خلال كليات الحقوق شعبة القانون العام.
كان من نتائج اجتماع لجنة خبراء اليونسكو بباريس، طبع الكتاب الجماعي الصادر عنها سنة 1950 تحت عنوان «علم السياسة المعاصر»، والذي شكل ثورة علمية جذرية بدءا من تغيير الاسم التقليدي «العلوم السياسية» إلى اسم جديد هو «علم السياسة»، وتضمنت القائمة النموذجية لخبراء اليونسكو أربعة فروع لعلم السياسة أو النظرية العامة للسياسة، وهي: النظرية السياسية وتاريخ الأفكار السياسية، والنظم السياسية، والأحزاب السياسية والرأي العام، والعلاقات الدولية.
والنظام البيداغوجي المغربي في تدريس العلوم السياسية يسير في اتجاه نظيره الفرنسي منهجيا وتنظيميا، فيدرس الطالب المغربي في الفصول الأربعة الأولى المدخل إلى العلوم السياسية والمدخل إلى العلاقات الدولية والقانون الدولي والنظرية العامة للقانون الدستوري والتنظيم الإداري، ثم يستكمل في مستويات أعلى مواد أخرى كالسياسات العمومية والفكر السياسي والمرافق العمومية والقانون الدولي الاقتصادي.
ثانيا: مفهوم العلوم السياسية وأهميتها ومجالاتها
العلوم السياسية علم يعنى بدراسة منهج الحياة السياسية، ويحاول علماء السياسة الإجابة عن أسئلة محددة مثل: ما الأسباب التي تبرر ممارسات الدولة؟ ومن الذين تخدم الدولة مصالحهم؟ وتتناول العلوم السياسية بالدراسة والتحليل الأنماط المختلفة للحكومات والأحزاب وجماعات الضغط والانتخابات والعلاقات الدولية والإدارة العامة، كما تهتم بدراسة القيم الأساسية مثل المساواة والحرية والعدالة والسلطة.
ترتبط العلوم السياسية ارتباطا وثيقا بعلوم أخرى: فالاقتصاد يتناول التحكم في الموارد المادية التي تؤثر مباشرة على هياكل القوى السياسية؛ والتاريخ مادة أولية لا بد للباحث السياسي من الإحاطة بها؛ والقانون يقدم الإطار الفكري الذي يرتكز عليه عالم السياسة في التحليل؛ وعلم الاجتماع يزود الباحث السياسي بجوانب التطور الاجتماعي ذات الأثر المباشر على الحياة السياسية.
مجالات العلوم السياسية الستة
- النظرية السياسية والفلسفة: يستخدم علماء السياسة المدخل التاريخي في دراستهما، اعتمادا على مصادر كلاسيكية من أفلاطون وأرسطو إلى مونتسكيو وماركس، ومن الفارابي والماوردي والغزالي إلى ابن خلدون.
- علم السياسة المقارن: يرتكز على مقارنة المؤسسات والممارسات السياسية في قطرين أو أكثر، ويتخصص بعض العلماء في نظريات التحديث والتنمية والبنيوية والتبعية وتطبيقها منهجيا على دول يختارها الباحث.
- العلاقات الدولية: يشمل دراسة الدبلوماسية والقانون الدولي والمنظمات الدولية والمحركات المؤثرة في صنع السياسة الدولية، إضافة إلى السياسات الدفاعية ومشكلات السلم والحرب.
- الحكومات الوطنية والعلوم السياسية: يوليه علماء السياسة اهتماما خاصا يفوق اهتمامهم بدراسة الحكومات الأخرى، لإدراكهم أهمية دراسة حكوماتهم الوطنية وتطورها.
- الإدارة العامة: فرع من دراسة علم السياسة المقارن والشؤون السياسية الداخلية، يتناول واجبات الموظفين العموميين والمحاسبة وإدارة شؤون الأفراد.
- السلوك السياسي: يحاول الدارسون فيه معرفة كيفية استجابة الجمهور لبعض المؤثرات السياسية، متأثرين بإسهامات علم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
وكما قال أرسطو واضع أسس علم السياسة، فإن علم السياسة سيد العلوم، لأن كل شيء تقريبا يحدث ضمن إطار سياسي؛ فالسياسة تشمل كل القرارات المتعلقة بكيفية صنع القوانين التي تحكم الحياة المشتركة، ديمقراطية كانت أو استبدادية. ويمكن الحديث أيضا عن فوائد أخرى لدراسة علم السياسة: الإعداد العلمي والمهني لشغل الوظائف العليا في الدولة، وتنمية المهارات السياسية للأفراد وبالذات المتصلة بصنع القرار والتفاوض، والتمييز بين السياسة كعلم وفن ومبادئ وأخلاق وبين السلوك السياسي الذي قد يتطلب الإصلاح.
📗 خلاصة الباب
- الظاهرة السياسية موضوع مشترك بين العلوم السياسية وعلم السياسة، وتتباين مقاربتها بين المدرسة الأمريكية (تنكر استقلالية علم السياسة) والبريطانية (منهج وصفي تقليدي) والفرنسية (خليط، أساسها القانون العام).
- أقر تقرير اليونسكو لسنة 1950 أربعة فروع رسمية لعلم السياسة: النظرية السياسية، النظم السياسية، الأحزاب والرأي العام، العلاقات الدولية.
- العلوم السياسية ترتبط بالاقتصاد والتاريخ والقانون وعلم الاجتماع، ولها ستة مجالات رئيسية: النظرية والفلسفة، السياسة المقارنة، العلاقات الدولية، الحكومات الوطنية، الإدارة العامة، والسلوك السياسي.
اترك تعليقاً