📖 القانون التجاري — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب
الباب الأول: مفهوم الأعمال التجارية
هذا المفهوم وضحه المشرع في المادة 1 من القانون التجاري حينما اعتبر أن القانون التجاري ينظم القواعد المتعلقة بالأعمال التجارية و التجار، بمعنى أن القانون التجاري لم يعد أساسا كما كان عليه الحال في المدونة القديمة قانون الأعمال التجارية بمعنى انه يسري على العمل التجاري بغض النظر عن الشخص الممارس له (النظرية الموضوعية) ولا يتم العمل به على غير النشاط التجاري ولو مارسه تاجر إلا إذا كان متعلقا بالتجارة. ولكنه وحسب مضمون المادة 1 من مدونة التجارة فهو قانون التجار أيضا، وعلى هذا الأساس يكون المشرع قد أخذ أيضا بالنظرية الشخصية التي تعتبر القانون التجاري قانون التجار دون غيرهم. فكلا النظريتين نجدها في مدونة التجارة الحالية، لكن المشرع لم يُعرِّف العمل التجاري إنما اكتفى بتعداد الأعمال التجارية: الأصلية البحرية والبرية (المواد 6 و7)، المختلطة (المادة 4)، الشكلية (المادة 9)، وأضاف صنفا آخر يمكن تسميته بالمستقبلية التي قد تظهر نتيجة التطور والحركة التي تتسم بها الأعمال التجارية.
المادة 4 من القانون التجاري: إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة للمتعاقد الأخر طبقت قواعد القانون التجاري في مواجهة الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا ولا يمكن أن يواجه بها الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه مدنيا ما لم ينص مقتضى خلاف ذلك.
المادة 6 من القانون التجاري: مع مراعاة أحكام الباب 2 من القسم 4 بعده والمتعلق بالشهر في السجل التجاري، تكتسب صفة التاجر بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة التالية:
• شراء المنقولات المادية أو المعنوية بنية بيعها بذاتها أو بعد تهيئتها بهيئة أخرى أو بقصد تأجيرها • اكتراء المنقولات المادية أو المعنوية من اجل اكرائها من الباقي • شراء العقارات بنية بيعها على حالها أو بعد تغييرها • التنقيب عن المناجم والمقالع واستغلالها • النشاط الصناعي أو الحرفي • النقل • البنك والقرض والمعاملات المالية • عملية التامين بالأقساط الثابتة • السمسرة والوكالة بالعمولة وغيرهما من أعمال الوساطة • استغلال المستودعات والمخازن العمومية • الطباعة والنشر بجميع أشكالها ودعائمها • البناء والأشغال العمومية • مكاتب ووكالات الأعمال والاسفار والاعلام والإشهار • التزويد بالمواد والخدمات • البيع بالمزاد العلني • توزيع الماء والكهرباء والغاز • البريد والمواصلات.
المادة 7 من مدونة التجارة: تكتسب صفة تاجر ايضا بالممارسة الاعتيادية والاحترافية لكل عملية تتعلق بالسفن والطائرات وتوابعها، وكل عملية ترتبط باستغلال السفن والطائرات وبالتجارة البحرية والجوية.
المادة 9 من القانون التجاري: يعد عملا تجاريا بصرف النظر عن ما ورد في المادتين 6 و7: الكمبيالة، والسند لأمر الموقع ولو من غير تاجر إذا ترتب في هذه الحالة على معاملة تجارية.
فالمشرع عزف عن إعطاء تعريف للأعمال التجارية نظرا لخصوصيتها المتمثلة في الحركية والتطور، وكذلك فتح المجال أيضا لأنشطة تجارية ستظهر مستقبليا، وعليه فإذا كانت مدونة التجارة قد وضعت شروط اكتساب صفة التاجر فإنها لم تُعرِّف هذا النشاط، الشيء الذي يفرض علينا دراسة الأعمال والأنشطة التجارية من خلال تمييزها عن الأعمال الغير التجارية أو المدنية.
الفصل الأول: أسباب ومعايير تمييز الأعمال التجارية عن المدنية
الفرع الأول: التفرقة بين التاجر وغير التاجر. هذا التميز مهم لتطبيق مقتضيات القانون التجاري الخاصة بالتجار، فصفة التاجر لا تكتسب كما هو وارد في المادة 6 من القانون التجاري إلا بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة الواردة فيها أو تلك التي تماثلها، وعليه فمفهوم التاجر يتحدد إما على أساس موضوعي (عمل تجاري/الممارسة الاعتيادية والاحترافية) وإما على أساس قانوني أيضا أي أن الشخصية صفة التاجر ولو لم يمارس عملا تجاريا.
الفرع الثاني: تطبيق أحكام القانون التجاري، وتشمل الأحكام المتعلقة بسرعة المعاملات (حرية الإثبات، تقليص آجال التقادم إلى 5 سنوات، التشدد في منح مهلة الميسرة، النفاذ المعجل) والمسطرة المتعلقة بالائتمان (افتراض التضامن بين التجار المدينين، المادة 336).
الفرع الثالث: خصوصيات المنازعات التجارية، تتمثل في ضرورة الفصل والبث في النزاع بسرعة، مما دفع المشرع إلى إحداث محاكم تجارية وتمكين المتنازعين من اللجوء إلى هيئة تحكيمية.
الفرع الرابع: وضع قيود على مزاولة الأعمال التجارية، كالقاصر الذي حصل على الترشيد حيث لا يمكن له مزاولة النشاط التجاري إلا بعد حصوله على إذن، وعدم جواز اتجار الأجنبي غير البالغ سن الرشد المغربي إلا بإذن من رئيس المحكمة.
المبحث الثاني: معايير التمييز بين الأعمال التجارية والمدنية
هذه المعايير نظريات فقهية تهدف إلى تمييز العمل التجاري عن غيره ويمكن تصنيفها إلى ثلاث نظريات أساسية.
فرع 1: نظرية المضاربة
ويقصد بالمضاربة السعي نحو تحقيق الربح، وهي من أهم معايير التمييز إلا أنها تبقى نسبية بحيث أن هناك الكثير من الأعمال المدنية كالزراعة والمهن الحرة تهدف إلى تحقيق الربح والعكس صحيح، كما أن هناك أعمالا تجارية بنص القانون لكنها لا تهدف إلى تحقيق الربح مثال ذلك الأوراق التجارية، وهذه النظرية لا تكفي وحدها كمعيار للتمييز.
فرع 2: نظرية الوساطة
أصحاب هذه النظرية يقولون بأن العمل التجاري هو الذي يقوم على الوساطة بين المنتج والمستهلك وكل عمل لا يتضمن عنصر الوساطة فهو نشاط مدني، غير أن هذه النظرية تبدو نسبية لأن هناك أعمالا تجارية بالرغم من عدم قيامها على عنصر الوساطة (الأوراق التجارية)، كما أن هناك أعمالا مدنية بالرغم من حصول عنصر الوساطة فيها.
فرع 3: نظرية المقاولة أو المؤسسة أو المشروع
يرى القائلون بهذه النظرية أن معيار المقاولة هو الذي يميز العمل التجاري عن المدني ويقصد به تكرار العمل على وجه الحرفة بنية المضاربة بناء على وجود تنظيم وعمال وأجهزة، وهذه النظرية تعرف أيضا نوعا من القصور بحيث لا يعد نشاطا تجاريا سوى تلك الأنشطة التي تحدث داخل المقاولة، أما إذا قام بالنشاط شخص خارج المقاولة فهذا النشاط يعد مدنيا.
ورغم نسبية هذه النظريات فانه من الممكن ضم هذه المعايير لتعريف وتحديد نطاق النشاط التجاري والقول بأنه كل نشاط تم القيام به على سبيل الاعتياد والاحتراف ويقوم على الوساطة بهدف تحقيق الربح، سواء تمت ممارسته داخل المقاولة أو خارجها.
الفصل الثاني: الأنشطة التجارية الأصلية بالطبيعة
تنقسم الأعمال التجارية إلى أنشطة تجارية أصلية وأخرى بالتبعية والأعمال التجارية المختلطة والأعمال التجارية بشكلها. الأنشطة التجارية الأصلية هي تلك الواردة في المادتين 6 و7 من القانون التجاري وتتنقسم بدورها إلى: أعمال تجارية أصلية بالطبيعة، أعمال تجارية حرفية في شكل مقاولة، وأعمال تجارية بشكلها.
الأعمال التجارية الأصلية بالطبيعة هي أعمال تجارية ولو وقعت عرضا ولمرة واحدة وبصرف النظر عن الشخص المزاول لها، مثل الشراء بنية البيع، وهذه الرؤية مبنية على النظرية الموضوعية.
1- أنشطة التوزيع
وتدخل في نطاق توزيع المنتجات وهي: عمليات شراء المنقولات واكترائها بنية إعادة بيعها وتأجيرها (بشرط أن يقع الشراء أو التأجير، وأن ترد عملية البيع والشراء على المنقولات، وأن يكون الشراء أو الاكتراء بنية البيع)، التزويد بالمواد والخدمات، وتوزيع الماء والكهرباء.
أما إذا تم الشراء بقصد الاستهلاك والاستعمال الخاص فيعد عملا مدنيا.
2- أنشطة الصناعة
الصناعات الاستخراجية: كالتنقيب عن المناجم والمقالع واستغلالها، فالأصل أنها مدنية لأنه لا يسبقها شراء إلا انه نظرا لكونها تتطلب آليات وتقنيات متطورة واستثمارات ضخمة وتحصل داخل مقاولة عرفت حركية وتطورا لتتحول لأعمال تجارية، وقد اقر المشرع تجارية المقاولات المعدنية الاستخراجية بمقتضى ظهير 1 ابريل 1951 ثم أقرت المدونة الحالية تجارية الصناعة الاستخراجية عموما ويكفي تكرارها أو احترافها لتعد تجارية.
النشاط الصناعي والحرفي: العمل الصناعي هو كل عمل يكون فيه تحويل وتصنيع جزئي أو كلي، أما العمل الحرفي فهو العمل الذي يعتمد فيه صاحبه على مهاراته الشخصية.
الطباعة والنشر: تعد عملا تجاريا لان الناشر يقوم على حصول شراء حقوق المؤلفين واستغلال مؤلفاتهم قصد بيعها وتحقيق الربح.
البناء والأشغال العمومية: ضمنتها المدونة الحالية إلى الأعمال التجارية الأصلية بطبيعتها لأنها لم تكن كذلك من قبل.
3- أنشطة الخدمات الإدارية
وفيها نوعان: خدمات الوساطة (السمسرة، الوكالة بالعمولة، الوكالة التجارية، مكاتب ووكالات الأسفار، البيع بالمزاد العلني إذا كان يهدف إلى تحقيق الربح) والخدمات المالية (الأعمال البنكية). وهناك أيضا الخدمات الاجتماعية الترفيهية (المسارح والحدائق العمومية المجهزة بالألعاب) التي اشترط المشرع تكرارها وهدفها الربح لكي تعتبر تجارية.
فرع 2: الأعمال التجارية في شكل مقاولة
وهي لا تعد تجارية إلا إذا مورست داخل المقاولة مثل الوكالة بالعمولة.
فرع 3: الأعمال التجارية الشكلية
تعتبر تجارية بنص القانون فهي تستمد تجاريتها من خلال شكلها القانوني بالرغم من أنها لا تتوفر على معايير المضاربة والوساطة، مثل شركة المساهمة والأوراق التجارية كالكمبيالة.
الفصل الثالث: الأنشطة بالتبعية والأنشطة المختلطة
المبحث الثاني: الأنشطة التجارية بالتبعية، وهي الحالة التي تكون فيها أعمال تعتبر في أصلها مدنية لكن لأنها صدرت عن تاجر ولأغراضه التجارية تصبح تجارية بالتبعية. نظرية الأعمال التجارية بالتبعية تهدف إلى إخضاع الأعمال التجارية إلى نظام قانوني واحد أكثر قابلية لتحقيق الحماية القانونية للمتعاملين مع التجار، ونفس الشيء بالنسبة للأعمال المدنية بحيث إذا مارس شخص ليست له صفة تاجر أعمالا تجارية تتعلق بعمله المدني فانه يعد عملا مدنيا بالتبعية.
المبحث الثالث: الأنشطة المختلطة، وهي أنشطة تجمع بين عملين أو طرفين احدهما مدني والآخر تجاري. حسب المادة 4 من القانون التجاري تطبق قواعد القانون التجاري على الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا ولا يمكن أن يواجه بها الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه مدنيا ما لم ينص على خلاف ذلك.
📗 خلاصة الباب
- لم تُعرِّف مدونة التجارة العمل التجاري تعريفا جامعا، بل اكتفت بتعداده في المواد 6 و7 (أنشطة أصلية) و9 (أعمال شكلية كالكمبيالة والسند لأمر) و4 (أعمال مختلطة).
- التمييز بين العمل التجاري والمدني يعتمد على ثلاث نظريات فقهية نسبية: المضاربة (السعي للربح)، الوساطة (بين المنتج والمستهلك)، والمقاولة (تكرار العمل في إطار منظم)؛ ولا تكفي واحدة منها وحدها.
- الأعمال التجارية الأصلية بالطبيعة تشمل أنشطة التوزيع، الصناعة (بما فيها الصناعات الاستخراجية منذ ظهير 1951)، والخدمات الإدارية والمالية، وتُضاف إليها أعمال شكلية (شركة المساهمة، الكمبيالة) لا تتوفر بالضرورة على معايير المضاربة أو الوساطة.
- الأعمال بالتبعية تكتسب صفتها التجارية أو المدنية تبعا لصفة من صدرت عنه (تاجر أو غير تاجر)، والأعمال المختلطة تطبَّق فيها قواعد القانون التجاري فقط على الطرف الذي كان العمل تجاريا بالنسبة إليه (المادة 4).
◀ الفصل السابق: نشأة القانون التجاري ومصادره وخصائصه
الفصل التالي: التاجر: شروط اكتساب الصفة التجارية ▶
اترك تعليقاً