مدخل: الإشكال القانوني
حيث إنّ وظيفة القانون في كل نظام تشريعي، أيّاً كان مصدره، هي كبح التحكم والأهواء واستبداد الحكام، وحماية الفرد والجماعة معاً في إطار يوفّق بين الحقوق الفردية والمصالح الاجتماعية، فإنّ هذا التوفيق هو ما يصون السلم الاجتماعي من التمزق، ويمنح النظام القائم شرعيته بما يرسمه من قواعد السلوك السليم، وبما يقرره من حق في مقاومة الظلم، ومن إخضاع للحاكمين أنفسهم لمبادئ العدل والمصلحة المعتبرة ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (يُراجع في ذلك مقال صاحب الدراسة الموسوم بـ«مقدمة في فلسفة الشرائع»، مجلة القانون المقارن العراقية، العدد الحادي عشر، ص 6).
والحال أنّ الشرع الإسلامي كثيراً ما يُوصف بأنه تشريع ديني عتيق لا يرقى إلى الأنماط التشريعية الحديثة. فهل يقوم هذا الشرع على فلسفة تشريعية متماسكة ذات معيار مستقل، هو العدل والمصلحة المعتبرة، وعلى ضمانات مؤسسية كفيلة بتطبيقها، بما يجعله نظاماً قانونياً قائماً بذاته لا مجرد منظومة أخلاقية دينية؟
أولاً: الإطار الفلسفي للشرع الإسلامي وخصائصه
المرحلة المكية: التوحيد ومقاومة الطغيان
بدأ الخطاب القرآني في مكة بأمرين متلازمين. أولهما زعزعة العقائد الوثنية وإعلان التوحيد المطلق بديلاً عن كل تصور يتسامح بالشرك بوجه من الوجوه، سواء تمثّل في التسليم بعناصر متعارضة كما في المذاهب الثنوية (المثنوية)، أو بعناصر متماسكة كعقيدة الأقانيم. وثانيهما مهاجمة الطغيان وفساد الطبقة الحاكمة ورجال الكهنوت، لما عُرف عن هذه الطبقات عبر العصور من استغلال الإنسان بالربا والسحت والتسخير، والاتجار بالنفوذ والسلطة عن طريق الرشوة.
وأعقب ذلك إعلانُ كرامة الإنسان وإباحةُ انتفاعه بخيرات الأرض والبحر والسماوات دون شطط ولا فساد؛ فقد سُخّر له ما في الأرض جميعاً، وأُبيح له السير في مناكبها وركوب البحار وابتغاء الرزق حيثما تيسّرت أسبابه، والنفاذ بسلطان العلم من أقطار السماوات والأرض، بشرط ألّا يقترن ذلك بفساد أو صدّ عن سبيل الله، وهو سبيل العدل والخير والعمران. ويترتب عن ذلك أنّ الإسلام رجّح جانب السلم، فأمر بالاستجابة له متى جنح إليه العدو المتعنت جنوحاً عادلاً، ونهى عن الغدر حتى في الحرب، وأوجب الإصلاح بين الفئتين المتقاتلتين على سائر الجماعات الملتزمة بالعدل حتى تفيء الفئة الباغية إلى أمر الله. وبذلك رسم معالم السلم في الداخل والخارج.
خصائص الشريعة مقارنةً بالشريعة الرومانية
لم يشهد حوض البحر الأبيض المتوسط بعد شريعة روما شريعةً كُتب لها من الانتشار وسموّ الصياغة، محتوىً وشكلاً وسبكاً، ما كُتب للشريعة الإسلامية. وقد امتازت فضلاً عن ذلك بخلوّها من الشكلية التي أثقلت أحكام الشريعة الرومانية، وبطابع إنساني عميق جمع بين حب العدل والرغبة في استقرار السلام والإخاء والمساواة. وتجلّى هذا الطابع في حماية الضعفاء من نساء وصغار وسائر ناقصي الأهلية، وفي حماية المدينين الغارمين والمتعاقدين الغافلين، وفي إعلان وحدة النوع البشري وتفنيد كل دعوة عنصرية أو سياسة ميكافيلية.
ولم يقف الأمر عند المبادئ، إذ رسم كبار المفكرين المسلمين للخلفاء سياسة مثلى تؤثر العدل والصلاح، كما يظهر في نظرية الغزالي السياسية في كتاب «فضائح الباطنية»، وفي كتاب «الخراج» لأبي يوسف الذي وضع لهارون الرشيد خطة إصلاح مالي وضريبي، وشرح مساوئ جباية الخراج في عصره شرحاً مقروناً باقتراحات عادلة تُعدّ رائدة في علم المالية العامة والضرائب.
ثانياً: الأسس المعيارية: الخلافة والمقاصد وميزان العدل
خلافة الإنسان على الأرض
تكلّلت هذه الفلسفة، بعد استقرار سلطان الإسلام في المدينة، بإعلان القرآن الكريم خلافة الإنسان على الأرض، وهي خلافة فُسّرت بالتزام الإنسان السلوك المستقيم، وامتثاله للتكليف بإقامة الحق والعدل وإعمار الأرض وتوفير سبل التمدن والارتقاء (يُراجع: «الذريعة إلى مكارم الشريعة» للراغب الأصفهاني، ورسالة «الخوالد من آراء الراغب» للدكتور صلاح الدين الناهي، ومقالة «نظرة الإسلام في صباح العيد» بالتركية للدكتور محمد أيدن، الأستاذ المساعد بكلية الإلهيات بجامعة أنقرة، جريدة مليت، 19 أغسطس 1980).
ومن مقتضيات هذه الخلافة تقرير مبدأ الثورة على الظلم ومقاومته عند الضرورة واستفحال الفساد، وجعله واجباً على كل مسلم، بل على كل إنسان، بقدر وسعه، وهو ما عُبّر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبناءً عليه، لا يصح وصف تشريع يقوم على هذه الفلسفة بالعتاقة لمجرد كونه ديني المصدر.
مقاصد الشريعة وتمييزها عن مذهب المنفعة
قرّر الشرع للأفراد حقوقاً فردية واجتماعية متنوعة، وللمجتمع مصالح واجبة الحماية، فانتهى علماء الأصول، وهم فلاسفة الشرع الإسلامي، إلى أنّ فلسفته هي فلسفة «المقاصد»، أي الغايات الأساسية التي تصلح بها الحياة الفردية والجماعية في انسجام مطّرد. وتتدرج هذه المقاصد على ثلاث مراتب: الضروريات التي لا تقوم الحياة بدونها، وقد حصرها الأصوليون في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال؛ ثم الحاجيات التي ترفع الحرج وتيسّر أسباب التقدم؛ ثم التحسينيات أو الكماليات. والغاية من ذلك كله تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة دون فساد ولا تبذير.
ولئن كان مذهب المنفعة، الممتدة جذوره إلى الفلسفة اليونانية، قد ترعرع في إنجلترا على يد الفيلسوف القانوني بنثام، وتعرّض للنقد الداعي إلى التجرد من المنفعة الأنانية وطلب الخير لذاته، فإنّ مذهب المصالح المشروعة الذي انتهت إليه مدرسة المقاصد، بالاستقراء من جملة أحكام الشرع كما قرر الشاطبي في «الموافقات»، لا يصح ردّه إلى الأنانية الفردية. وحيث إنّ الفكر الإسلامي تغلب عليه فكرة التوفيق بين المصالح الفردية والاجتماعية، ويدعو إلى البر والخير والعدل، وحيث إنّ المشرّع في نظر الإسلام هو الله تعالى، ولا يُتصوّر عقلاً نسبة الأنانية إليه، فإنّ هذا المشرّع يختلف عن المشرّع الوضعي. ذلك أنّ الأخير يبقى عرضة للتأثر بالمصالح الطبقية والحزبية والفردية، مهما تستّر عليها بالتعميم والتجريد في صياغة القاعدة القانونية أو بالتباكي على الحريات المهدرة.
العدالة معياراً والحرية تابعة لها
يتجنب الشرع الإسلامي غلواء الفلسفة الفردية التي أسكرتها إيديولوجيا الحرية وسلطان الإرادة، فزعمت أنّ تحرير الإرادة وحده كفيل بتحقيق العدالة. والمعيار الإسلامي البديل هو معيار العدل والقسط، المرموز إليه بـ«الميزان» المتكفّل بالمساواة. فالعدالة هي المنطلق الحق لكل نظام تشريعي سليم الأسس، لأنها تكفل في الوقت عينه قدراً معقولاً من الحرية في إطار الضرورات الاجتماعية، والحال أنّ الحرية وحدها لا تستقل بتوفير العدالة.
ثالثاً: الآثار: الضوابط الشرعية على المال والمعاملات
يترتب عن هذه المعيارية أنّ الإسلام أخضع الأموال لضوابط عادلة تحول دون الاستغلال الأناني. فحرّم الربا، وقاس عليه الفقهاء كل ضرر يتمثل في نقص غير عادل بين الأعواض. وفي هذا السياق فرّق الغزالي في «إحياء علوم الدين» بين أسباب الكسب، فجعل منها المشروع لانتفاء الربا والغرر (أي الجهالة والمخاطرة المفضية إلى النزاع)، وغير المشروع، وألزم التجار بواجبات خلقية رفيعة لئلا يتلوث كسبهم باستغلال حاجة المحتاج أو احتكار السلع ترقباً للغلاء.
وإذا كانت آراء الغزالي وغيره قد انطلقت من منطلقات خلقية تروم إسباغ المعايير الأخلاقية على العقود، فإنّ المنطلق المعاصر في منع الاستغلال صار يستند إلى مقولات اشتراكية صريحة تؤكد الصراع الطبقي وانتصار الطبقة العاملة. ويرى صاحب الدراسة، في ضوء ذلك، أنّ للإسلام وجهة نظر أصيلة في العدالة التوزيعية، وأنّ له «اشتراكية» لا تقل عمقاً عن الاشتراكية المسيحية، شهدت تطبيقاً حازماً في صدر الإسلام كما تدل على ذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
رابعاً: الإشكالات العملية وموقف القضاء والإفتاء
الرد على دعوى قلة آيات الأحكام
زعم الفقيه الفرنسي مييه أنّ النبي محمداً لم يكن يقصد إرساء نمط تشريعي جديد، لقلة الآيات القرآنية المتعلقة بالقانون. بل ذهب في مقدمته (ص 685)، بعد استعراض الشرائع المرتبطة بالدين، وجمع القاضي القديم بين صفة الكاهن وصفة القاضي، واستناد الشكلية الرومانية إلى الطقوس الدينية، إلى أنّ خطة القضاء في الإسلام أدنى إلى التشريعات العتيقة منها إلى الحديثة، لا لشيء سوى أنّ القاضي المسلم يطبّق الشريعة، ثم تراجع عن ذلك قليلاً في الصفحة 687.
وقد فاته أنّ العبرة ليست بعدد النصوص، بل بما تتضمنه من معايير تشريعية واتجاه جديد في العدل. فآيات الأحكام في معظمها ذات طابع معياري توجيهي نحو العدل والمعروف والبر والتعاون، ويسع كل قضاء عادل اجتمع فيه شرطا العدالة والاجتهاد أن يبني عليها عملاً قضائياً متواصلاً، وهو ما تحقق فعلاً في القرون الأولى على أيدي القضاة والمجتهدين منذ عصر الصحابة والتابعين.
أصالة النظام القضائي
روى التاريخ اقتباس الفاتحين نظم بيزنطة والساسانيين الخراجية والمالية، بأمانة وصراحة، مع إخضاعها لمُثُل الإسلام، غير أنّ هذا الاقتباس لم يتجاوز الجوانب الفنية كإمساك الدفاتر والحسابات. أما القضاء فقد تطور تطوراً ذاتياً، حفظت المصادر أسماء قضاته وطرفاً من أقضيتهم، منطلقاً من مبدأ «الإسلام يعلو» ومن توجيهات الخلفاء، وفي مقدمتها رسالة عمر في القضاء التي تجسّد مُثُل القضاء العادل مهما حفّ بها من جدل.
ومن دلائل نضج هذا النظام تمييز الفقهاء بين ما هو واجب قضائي ملزم وما هو أمر خلقي موكول إلى الضمير. فالقاضي يحكم بالظاهر، وحكمه ماضٍ قابل للتنفيذ، لكنّ المحكوم له إذا علم أنه مبطل فأمره موكول إلى ذمته، ولا يُحلّ له الحكمُ ما هو حرام في حقيقة الأمر. وفضلاً عن ذلك، أوجب الفقه على ولاة الأمر، عند حدوث تمرد، أن يبادروا إلى سماع شكاوى الثائرين وإزالة أسبابها قبل اللجوء إلى قتالهم.
الوسائل العملية للضمانات الشرعية
لا قيمة لضمانة بلا وسيلة تكفل تطبيقها. ووسائل ذلك في الإسلام متعددة، أبرزها نظام القضاء ويكمله نظام الإفتاء، ثم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تُرجم إلى نظم متخصصة كالحسبة والمشاورة القضائية، ثم ما يقابل في المصطلح الديمقراطي المعاصر «المعارضة الحرة»، وهو ما يعبّر عنه القرآن بالدعوة إلى الخير في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 104).
الإفتاء: ولاية شعبية حرة وحدود سلطتها
الإفتاء نظام موازٍ للقضاء، وولاية عامة ذات طابع شعبي حر، لا تملك سلطة الفصل في الخصومات، سواء بين الأفراد في روابطهم الخاصة أو بين الفرد وموظفي الدولة ودواوينها بشأن ما يلحقه من تعسف في استعمال السلطة. ووظيفته الإرشاد إلى حكم الشرع بمفهومه الواسع الجامع بين التكليف الملزم والقاعدة الخلقية المستحبة، وبيان ما يُعدّ مشروعاً أو محظوراً أو مندوباً أو مكروهاً. ورغم هذه القيود، أسهمت هذه المؤسسة في استقرار العلاقات الاجتماعية بما قدّمته للأفراد والحكام والقضاة من استشارات.
ولا يزال الإفتاء قائماً في مختلف الشعوب الإسلامية، وعاملاً مساعداً للأقليات المسلمة على ممارسة عقيدتها. غير أنّ حاجة العصر تستدعي إعادة النظر في برامج إعداد المفتين وتبصيرهم بعمق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، توفيقاً بين حركة الإفتاء والسياسة التشريعية العادلة. وقد استرعت هذه المؤسسة اهتمام الخلفاء والسلاطين، فراقبوها ونظّموها حرصاً على النظام العام، وبسطاً لسيطرة الدولة على مؤسسة تنافسها في توجيه الرأي العام. وتجلّى ذلك في الحجر على المفتي الماجن وفي تعيين مفتين رسميين، كما سُجّل تدخّل السلطان سليم خان في الشام بتخصيص مفتٍ لكل مذهب من مذاهب أهل السنة وإلزامه بالإفتاء في حدود مذهبه، وشهد القضاء حجراً مماثلاً على حرية الاجتهاد في عهده.
مستجدات وتنبيهات
في السياق المغربي، اتجه التنظيم الدستوري إلى ضبط الإفتاء الرسمي ضمن مؤسسة جماعية. فقد جعل الفصل 41 من دستور 2011 المجلسَ العلمي الأعلى، الذي يرأسه الملك بصفته أميراً للمؤمنين، الجهةَ الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسمياً. وهذا امتداد معاصر لما سبقت الإشارة إليه من تنظيم السلطة للإفتاء حرصاً على النظام العام. يُرجى التحقق من النص المعمول به عند الاستعمال.
خلاصة عملية
يقوم الشرع الإسلامي على فلسفة تشريعية متكاملة قوامها الخلافة والمقاصد وميزان العدل، ويوفّق بين الحرية والمصلحة الاجتماعية دون إفراط ولا تفريط. ويسند هذه الفلسفةَ جهازٌ مؤسسي من القضاء والإفتاء والحسبة والدعوة إلى الخير. ومن ثم فإنّ وصفه بالعتاقة لمجرد مصدره الديني حكم لا يصمد أمام معياريته وأصالة قضائه. أما الباحث والممارس فعليهما أن يستحضرا التمييز بين الحكم القضائي الملزم والفتوى الإرشادية، وبين الإلزام القانوني والواجب الخلقي، عند توظيف هذا التراث في النقاش التشريعي المعاصر.
هذا المقال للتثقيف القانوني العام ولا يغني عن استشارة محامٍ في الحالة الخاصة.







اترك تعليقاً