كم من مناضل مغربي وجد نفسه فجأة خارج الجماعة التي أفنى فيها شبابه؟ كم من مؤمن بمشروع نهضوي استيقظ ذات صباح ليجد أن التنظيم الذي حمله على الأكتاف قد فصله أو همّشه أو شوّه سمعته؟ هذه ليست مجرد حالات فردية معزولة، بل ظاهرة تستحق التأمل العميق في مسار التنظيمات الإسلامية التي انطلقت بشعارات الأخوة والإحسان، ثم انتهت إلى ممارسات لا تختلف كثيراً عن منطق المصلحة الضيقة الذي كانت تدّعي محاربته.
يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” أسئلة مباشرة وجارحة حول هذا التحول: “ماذا استفاد التنظيم من فصل خيرة الإخوان؟ ماذا استفاد من أكل أبنائه؟ ماذا استفاد من تدميرهم؟” هذه الأسئلة ليست بلاغية، بل تشريحية لواقع مرير عاشته تنظيمات رفعت شعار الأخوة الإيمانية، ثم مارست ما يصفه الكاتب بـ”الميكيافيلية المصلحية” التي تبرر الوسيلة بالغاية.
من الإحسان إلى المكيدة
المفارقة المؤلمة أن هذه التنظيمات بدأت رحلتها بخطاب أخلاقي رفيع، يدعو إلى التآخي والإيثار والتضحية من أجل مشروع حضاري كبير. لكن مع مرور الوقت، وتحت ضغط الصراع على النفوذ والمواقع، تحولت البوصلة من “معالي الأمور” إلى حسابات المكاسب والخسائر. أصبح الإخوان الذين يختلفون مع القيادة “خطراً” يجب استئصاله، وصارت المعارضة الداخلية “فتنة” تستوجب التصفية.
ما يجعل هذا التحول أشد إيلاماً هو أنه لم يأتِ من خصوم التنظيم، بل من داخله. فالذي يفصل ويقاطع ويضرب الأرزاق ويشوّه السمعة هو التنظيم نفسه الذي كان يوماً ما يتغنى بقيم الرحمة والعدل والشورى. هنا تكمن المأساة: حين يتحول الرفيق إلى خصم، والأخ إلى عدو، والنقد إلى خيانة.
سؤال المحصلة
السؤال الذي يطرحه أكريم وينبغي أن يشغل كل مهتم بالشأن العام المغربي: ما الذي كسبته هذه التنظيمات من وراء هذه الممارسات؟ هل حققت الخلافة الراشدة التي تحلم بها؟ هل أقامت العدل الذي تنادي به؟ أم أنها فقط “دمّرت الجماعة ككل”، وخسرت أثمن ما تملك: مصداقيتها الأخلاقية؟
التجربة المغربية مليئة بالشواهد على هذا التحول. تنظيمات بدأت في الثمانينيات والتسعينيات بحماس الشباب ونقاء المقصد، ثم تحولت تدريجياً إلى آلات بيروقراطية تحمي مواقعها أكثر مما تخدم مشروعها. قادة كانوا رموزاً أخلاقية، أصبحوا يمارسون الإقصاء والتهميش بحجة “حماية التنظيم”، متناسين أن التنظيم ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخدمة قضية أكبر منه.
أزمة الوسائل والغايات
المشكلة الجوهرية ليست في وجود التنظيم كإطار للعمل الجماعي، فهذا مشروع وضروري. المشكلة تكمن في تحول التنظيم من وسيلة إلى غاية، ومن أداة للتغيير إلى كيان يحمي نفسه على حساب المبادئ التي قام لأجلها. حين يصبح الولاء للتنظيم أهم من الولاء للحق، وحين تصبح طاعة القيادة أقدس من النصيحة والمساءلة، فإن الانحراف عن “المحجة النبوية الأخوية” يصبح أمراً حتمياً.
إن ما يحتاجه الفضاء العام المغربي اليوم ليس مزيداً من الخطاب الأخلاقي المجرد، بل محاسبة صادقة وشجاعة لهذه التحولات. نحتاج أن نسأل: كيف تحولت الأخوة إلى أداة للابتزاز العاطفي؟ كيف صارت الطاعة قيمة مطلقة تبرر الظلم؟ كيف أصبح النقد الداخلي جريمة تستحق العقوبة؟
في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه أكريم ويستحق منا جميعاً التأمل: هل يمكن لتنظيم يأكل أبناءه أن يبني نهضة؟ وهل من الممكن أن تنبت القيم الفاضلة من بذور المصلحية والإقصاء؟
ما رأيكم: هل يمكن إصلاح هذه التنظيمات من الداخل، أم أن المطلوب هو نموذج جديد كلياً للعمل الجماعي؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً