حين تتحول المسؤولية إلى لعبة كراسي

حين تتحول المسؤولية إلى لعبة كراسي

كم مرة سمعنا في المغرب عبارة “هذا ليس من اختصاصي” من مسؤول يحيلك إلى آخر، ثم إلى ثالث، دون أن يتحمل أحدهم مسؤولية القرار؟ وكم مرة شهدنا قيادات تنظيمية وسياسية تختفي في اللحظات الحاسمة، تاركة الميدان لـ”المفوَّضين” الذين لا يملكون صلاحية حقيقية؟ هذه المفارقة التي يعيشها المواطن المغربي يومياً ليست مجرد بيروقراطية إدارية، بل هي أعمق من ذلك: إنها أزمة في فهم معنى التنظيم والمسؤولية داخل مؤسساتنا، بما فيها التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية.

التنظيم بين المفهوم والممارسة

ينطلق فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” من تعريف دقيق للتنظيم، حيث يستحضر تعريف الفقيه كونتز دونيل الذي يرى فيه “تجميع أوجه النشاطات اللازمة لتحقيق الأهداف والخطط، وإسناد هذه النشاطات إلى إدارات تنهضُ بها، وتفويض السُّلطة والتنسيق بين الجهود”. هذا التعريف يبدو مثالياً على الورق، لكن الممارسة في واقعنا المغربي تكشف عن انحرافات خطيرة حوّلت التنظيم من آلية لتحقيق الأهداف السامية إلى هيكل بيروقراطي يُستخدم للتهرب من المحاسبة.

التفويض، كما يشير الكاتب، له أثر طيب في شحذ الطاقات وتشجيع المبادرات، لكنه يصبح سلاحاً ذا حدين حين يتحول إلى غطاء للتملص من المسؤولية. في التنظيمات الإسلامية المغربية، وغيرها من التنظيمات السياسية، نرى كيف تحول التفويض إلى ما يسميه أكريم “تفويضاً فارغاً”، حيث يختفي المسؤول الحقيقي خلف طبقات من الوسطاء والمفوَّضين، فلا تعرف من يحاسب ولا من يتخذ القرار الفعلي.

أزمة القيادة في اللحظات المصيرية

يلفت أكريم الانتباه إلى خطورة أن “يذوب دور المسؤول في التوجيه والإشراف ثم التخلي عن المسؤولية في اللحظات المصيرية التي يجب أن يُظهر فيها المسؤول كل قوته وعزيمته وطاقته ومعارفه وحنكته ويتخذ القرارات الحاسمة دون أي تفويض فارغ”. هذا بالضبط ما نشهده في مفاصل حاسمة من تاريخنا السياسي والاجتماعي: قيادات تتوارى حين يشتد الخطب، وتظهر حين يحين وقت الاحتفال بالانتصارات.

المشكلة ليست في التفويض بحد ذاته، بل في تحوله من أداة لتوزيع العمل إلى آلية لتمييع المسؤولية. حين يصبح كل مسؤول قادراً على الإحالة على غيره، وحين تُتخذ القرارات المصيرية في غرف مغلقة دون أن يعرف أحد من المسؤول الفعلي، فإن التنظيم يفقد بوصلته وتتحول الأهداف الكبرى إلى مجرد شعارات.

من الإحسان إلى حماية الذات

العنوان الذي اختاره أكريم لكتابه “من الإحسان إلى المصلحية” يلخص هذا التحول الخطير. التنظيمات التي انطلقت بمشاريع إصلاحية كبرى ومثل عليا، تحولت تدريجياً إلى كيانات مهمتها الأولى حماية مصالحها الذاتية والحفاظ على مواقع نفوذها. التفويض الفارغ هو أحد أعراض هذا المرض: حين تصبح حماية الذات أهم من تحقيق الهدف، يصبح التملص من المسؤولية فناً يُتقنه الجميع.

في المغرب، نرى هذا جلياً في تنظيمات عديدة خرجت من رحم الحركة الإسلامية أو تأثرت بخطابها. الوعود الكبرى بالإصلاح والتغيير تصطدم بواقع إداري وتنظيمي يقوم على المحسوبية وتوزيع المغانم وتجنب المحاسبة. القيادات التي كان يُفترض أن تكون قدوة في تحمل المسؤولية، أصبحت أكثر مهارة في تفويض الأعباء والاحتفاظ بالامتيازات.

استعادة روح التنظيم

إذا كان النموذج النبوي، كما يشير الكاتب، قد أدرك أهمية التفويض والإشراك، فإنه لم يكن تفويضاً للتهرب من المسؤولية، بل لتوسيع دائرة المشاركة مع بقاء القيادة حاضرة وقوية في اللحظات الحاسمة. الفرق بين تنظيم حي وآخر متكلس يكمن هنا: في قدرة القيادة على التفويض دون أن تتنصل، وفي قدرة الأعضاء على تحمل المسؤولية دون أن يتحولوا إلى مجرد منفذين صامتين.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم على تنظيماتنا، السياسية والمدنية والدينية: هل نحن جادون في العودة إلى التنظيم بمعناه الحقيقي، أي جمع الجهود لتحقيق أهداف نبيلة؟ أم أننا سنستمر في لعبة التفويض الفارغ التي تحمي الجميع من المحاسبة وتحرم المشروع من القيادة الحقيقية؟ وهل يمكن لتنظيم يقوم على تمييع المسؤولية أن يحقق أي إنجاز حقيقي؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية