لماذا ينجح الفاسدون في بلادنا في تنسيق جهودهم، بينما يتفرق الصالحون شيعاً وأفراداً؟ كيف استطاعت شبكات الفساد أن تنسج خيوطها عبر المؤسسات والإدارات بتنظيم محكم، فيما يظل دعاة الإصلاح يتحدثون عن الفضيلة الفردية والتقوى الشخصية، وكأن العمل الجماعي المنظم رجس من عمل الشيطان؟ هذه المفارقة الصارخة في المشهد المغربي ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تحول عميق في فهم الدين ووظيفته الاجتماعية.
من الجماعة إلى العزلة
يلفت فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إلى هذا التناقض الفادح، حين يكتب: “إن الصلاح الفردي ما هو أصل ولا أساس، ولو كانت العزلة أصلا لكانت صلاة الفرد تعلو على صلاة الجماعة”، ثم يتساءل بحدة: “لاحظ معي أخي الكريم كيف ينتظم الفساد المحلي والدولي في كنتونات منظمة تعمل بفاعلية وانتظام وتعاون”. هذه الملاحظة تضع الإصبع على الجرح، فالخطاب الديني السائد في مغرب اليوم يمجّد الصلاح الفردي ويحتفي بالورع الشخصي، لكنه يتجاهل أو يُحذّر من العمل الجماعي المنظم الذي به وحده يمكن مواجهة منظومات الفساد المتشابكة.
خطاب المنابر وازدواجية المعايير
على منابر المساجد المغربية، يسمع المصلون كل جمعة عن فضل الجماعة في الصلاة، وكيف أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. لكن حين يتعلق الأمر بالعمل الدعوي أو الإصلاحي أو الخيري، يتحول الخطاب فجأة إلى التحذير من «التحزب» و«التنظيم»، وكأن ما يُمدح في العبادة يُذم في المعاملة. هذه الازدواجية ليست بريئة، بل هي تعبير عن تحول أعمق: من ثقافة الإحسان التي تسعى لمعالي الأمور وإصلاح المجتمع، إلى ثقافة المصلحية الضيقة التي ترضى بالحد الأدنى وتخشى كل فعل جماعي منظم.
الفساد المنظم والصلاح المشتت
في الواقع المغربي المعاصر، نرى كيف تعمل شبكات الفساد بتنسيق عجيب: من يعمل في الإدارة ينسّق مع من يعمل في القضاء، ومن في القطاع الخاص يتواطأ مع من في القطاع العام، وتُبنى المصالح المشتركة على حساب الصالح العام. في المقابل، يُترك أهل الصلاح مشتتين، كل يعمل في زاويته، لا تنسيق بينهم ولا تعاون منظم، بل أحياناً تنافس وتناحر. والنتيجة؟ “سمحوا للفساد المصفوف المنتظم بغزو معاقل الصلاح المشتت ودك صروحه وتقويض أسسه”.
ثقافة التشتيت
السؤال الذي يطرحه الكاتب محرج ومقلق في آن: من الذي يستفيد من تشتيت الصالحين؟ من الذي يروّج لثقافة العزلة والانكفاء الفردي باسم الدين؟ هل هو جهل مركب بحقيقة الدين الذي جاء ليُصلح المجتمعات لا الأفراد فحسب؟ أم هي خيانة مقصودة ترتكب باسم الدين؟ الإجابة قد تكون مزيجاً من الاثنين، لكن الأكيد أن النتيجة واحدة: مجتمع تسوده الفوضى الأخلاقية رغم كثرة الوعاظ، وتنتشر فيه الرشوة والمحسوبية رغم امتلاء المساجد.
استعادة المعنى الجماعي
إن استعادة روح الإحسان في العمل الإصلاحي تتطلب إعادة الاعتبار للعمل الجماعي المنظم، لا كضرورة براغماتية فحسب، بل كقيمة دينية أصيلة. الآية واضحة: “وتعاونوا على البر والتقوى”، والتعاون يعني بالضرورة التنسيق والتنظيم. الرسول الكريم لم يدعُ الناس أفراداً متفرقين، بل أقام جماعة منظمة لها قيادة وهيكل وأهداف واضحة. فلماذا نقبل بأقل من ذلك اليوم؟
هل آن الأوان لنراجع خطابنا الديني الذي يمجّد الفردانية ويخشى التنظيم، أم أننا سنظل نشاهد الفساد ينتصر لأنه أفهم لقيمة الجماعة من دعاة الصلاح أنفسهم؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً