حين يصبح الصمت خيانة: التنظيمات الإسلامية بين الوفاء والمكاشفة

حين يصبح الصمت خيانة: التنظيمات الإسلامية بين الوفاء والمكاشفة

كم مرة سمعنا في المغرب عن “أخ” غادر تنظيماً إسلامياً فاختار الصمت المطلق؟ كم مرة تساءلنا عن مصير أولئك الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في العمل الدعوي، ثم اختفوا فجأة من المشهد دون كلمة واحدة؟ هل الصمت فضيلة دائماً، أم أن هناك لحظات يصبح فيها الكلام واجباً أخلاقياً، حتى لو كان مُراً؟

بين الوفاء والمكاشفة

يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” معضلة أخلاقية عميقة تواجه كل من خاض تجربة العمل التنظيمي الإسلامي في المغرب. فهو يكتب من موقع المحب الناقد، لا من موقع المنشق الحاقد، معلناً أن روابط المحبة والأخوة ما تزال تربطه بالكثير ممن عرفهم في مساره التنظيمي. لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يكون واحداً “من الذين تم رميهم جانباً، ثم سكتوا، ثم ماتوا موتتهم الطبيعية، ثم تعفنوا في هدوء دون أن يدري بهم أحد”.

هذه الجملة المؤلمة تختزل مأساة عشرات، بل مئات، من أبناء الحركة الإسلامية المغربية الذين اختاروا الصمت بعد مغادرتهم أو تهميشهم. صمت قد يبدو للبعض حكمة أو ورعاً، لكنه في حقيقته قد يكون استسلاماً لمنطق “المصلحية الضيقة” التي ينتقدها الكاتب. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، كما يقول المثل، والذي يمتلك تجربة ثم يدفنها معه يحرم الأجيال القادمة من دروس ثمينة.

التنظيم: بين القداسة والنقد

ما يميز مقاربة أكريم هو رفضه لمنطق “التقديس” أو “الشيطنة” المطلقين. فهو لا ينكر فضل جماعة العدل والإحسان وشيخها عبد السلام ياسين عليه، بل يعترف بأنها “جماعة مباركة” و”مبارك شيخها”، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في الحديث عن “الخسة” التي عومل بها و”المكائد الكثيرة” التي نُصبت له في طنجة. هذا التوازن الدقيق بين الوفاء للذاكرة والجرأة في المكاشفة هو ما تفتقده الساحة الفكرية المغربية اليوم.

المشكلة الحقيقية التي يشير إليها الكاتب هي تحول التنظيمات من فضاء للإحسان والترقي الروحي إلى ساحة للمصالح الضيقة والصراعات الشخصية. وهذا ليس خاصاً بتنظيم دون آخر، بل هو داء يصيب كل تنظيم بشري حين تطغى فيه اعتبارات الولاء على معايير الكفاءة والأخلاق، وحين يصبح “البقاء في الصف” أهم من قول الحق.

من الإمّعة إلى الفاعل

يستعيد أكريم درساً تعلمه في حضن الجماعة نفسها: ضرورة أن يكون المسلم “فاعلاً متفاعلاً” لا مجرد “كراكيز وإمعات” تحركها القوى الخفية. وهنا المفارقة: فالتنظيمات التي تربي أعضاءها على الاستقلالية الفكرية والفاعلية قد تجد نفسها، في لحظة ما، عاجزة عن احتمال نقد هؤلاء الأعضاء أنفسهم حين يوجهونه إليها.

الرسالة التي يحملها الكتاب واضحة: العمل الدعوي والتنظيمي الإسلامي في المغرب يحتاج إلى مراجعات جذرية، لا من أجل هدمه، بل “ليسير قدماً في محجة الإصلاح الحقيقي”. وهذا الإصلاح لن يأتي من الصمت، ولا من التبجيل الأعمى، ولا من الشيطنة المطلقة، بل من المكاشفة الصادقة التي تحفظ للناس حقوقهم وللتجارب قيمتها وللأجيال القادمة بوصلتها.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل آن الأوان لأن يكسر المزيد من “الصامتين” صمتهم، ويشاركوا تجاربهم المريرة والحلوة، لا انتقاماً بل إصلاحاً؟ وهل التنظيمات الإسلامية المغربية مستعدة فعلاً لاستيعاب نقد أبنائها، أم ستستمر في إنتاج “المرميين جانباً” الذين يختارون الموت الهادئ؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية