فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

نشأة القانون التجاري ومصادره وخصائصه

📖 القانون التجاري — الفصل 2 من 6 — فهرس الكتاب

أولا: نشأة القانون التجاري

بشكل عام يمكن القول بان التجارة مرت بعدة مراحل تاريخية تتسم بالتدرج و التطور.

المرحلة الأولى: مرحلة ما يسمى بالمقايضة

حيث كانت تهدف إلى اشباع الحاجيات المعيشية بدون سعي وراء تحقيق الربح لكن مع اتساع رقعة المبادلات ظهرت الأسواق داخل القرى والمدن.

المرحلة الثانية: مرحلة ظهور الأسواق

والتي كانت ولا زالت مكان التقاء المنتج بالمستهلك وهو كذلك مكان للتعبير عن الحاجيات المتبادلة أو المختلفة وبالتالي ظهور بعض الاتفاقيات المحدودة، وهو كذلك من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور بعض الملامح الصناعية والتحويلية لأدوات خشبية أو معدنية، وعن هذه الاتفاقيات المحدودة تولد العرف والعادات الاتفاقية اللذان لعبا دورا أساسيا في تكون القانون التجاري.

المرحلة الثالثة: مرحلة ابتكار بعض الآليات والقواعد

مع اتساع رقعة تجارة السلع تطورت التجارة مرحلة أكثر تقنية تميزت بظهور النقود التي كانت في بدايتها معادن ثمينة كالذهب والفضة كوسيلة للأداء ووسيط في التداول، غير أن النقود تحيط بها مجموعة من المخاطر كالسرقة وبالخصوص أثناء نقلها من مكان إلى مكان مما دفع التجار إلى ابتكار اليات ووسائل قانونية لتفادي تلك المخاطر فظهرت الأوراق التجارية كالشيك.

المرحلة الرابعة: مرحلة ظهور المؤسسات والتقنين

في هذه المرحلة ستظهر المصارف والبنوك وغيرها من مؤسسات الائتمان وتطورت التجارة بشكل سريع ومنظم وظهرت الأوراق المالية وهي ما يسمى بالأسهم المنقولة، وستعرف تطورا كبيرا مع شركات المساهمة والتجارة في العصر الحالي و في ظل ما يسمى بالعولمة الاقتصادية التجأت إلى وسائل وتقنيات للتواصل يمكن اختزالها فيما يسمى بالعولمة الاقتصادية.

ومن خلال هذه المراحل التاريخية لتطور التجارة سيتم تدريجيا تقنين التجارة في مجموعة من القوانين تخص إما التاجر أو النشاط التجاري الذي يمارسه وهو ما يسمى بالقانون التجاري.

ويرجع أول تدوين لقواعد القانون التجاري لسنة 1563 حيث أصدر ملك فرنسا تشارلز التاسع قرارا بإصدار محكمة باريس التجارية، وبعده أصدر الوزير كولوبار أمرين:

• الأول سنة 1673 يتعلق بتدوين القانون التجاري البري و الثاني سنة 1681 يتعلق بتدوين القانون التجاري البحري

وبعد قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 صدر قانون شابولييه Chapelier لسنة 1791 الذي الغى نظام الطوائف و اقر حرية التجارة والصناعة، ولم يظهر قانون تجاري خاص إلا في سنة 1807 الذي دخل حيز التنفيذ سنة 1808، وهو القانون الذي سيكون له تأثير كبير على القانون التجاري المغربي ولعل من ابرز آثاره إصدار سلطات الحماية لمدونة التجارة في 12 غشت 1913 والتي ظلت سارية المفعول إلى غاية 1996 حيث صدر القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة.

ثانيا: تعريف القانون التجاري و خصائصه

القانون التجاري هو فرع من فروع القانون الخاص عرفته مدونة التجارة في المادة 1 على انه: “ينظم القواعد المتعلقة بالأعمال التجارية و التجار”

بمعنى انه ينظم الأعمال التجارية التي تنشأ سواء بين التجار فيما بينهم أو بين التجار و زبنائهم، وبهذا يكون نطاقه أضيق من القانون المدني الذي يضم القواعد العامة التي تحكم العلاقات بين الأفراد بغض النظر عن طبيعة الأعمال التي يقومون بها.

طبيعة وتطور و حركية العمل التجاري

الأنشطة التجارية عرفت تطورا و حركية في مفهومها القانوني، فمفهوم التجارة لغويا في معناها الاقتصادي أي عملية الوساطة بين المستهلك و المنتج، في حين انه في معناه القانوني يشمل بالإضافة إلى المفهوم الاقتصادي أعمال التحويل و التصنيع وأنشطة الخدمات و الأعمال البنكية، و كلها أعمال تجارية ينظمها القانون التجاري. بل أكثر من هذا هناك مجموعة من الأعمال التي كانت تعتبر بصفتها مدنية ثم تم ضمها إلى العمل التجاري، وعلى سبيل المثال: عملية استخراج البترول و عملية بيع العقار، ونفس الشيء بالنسبة لتطبيق القانون التجاري على غير التجار بالنسبة للكمبيالة عندما تسحب من غير التجار و عند الاكتتاب بالأسهم و السندات. فهذا التوسع في الأعمال التجارية وهذه الحركية في مفهومه جاءت نتيجة للتطور الاقتصادي و الاجتماعي و المالي، الشيء الذي جعل البعض يقول بان القانون التجاري هو قانون الأعمال بصفة عامة.

طبيعة استقلالية القانون التجاري

القول بان القانون التجاري هو قانون الأعمال جاء نتيجة تعدد و تشعب المواضع المرتبطة بالعمل التجاري وبالتالي نتيجة انفتاحه على محيطه، فهناك مواضع مرتبطة به و تشكل جزءا منه كقانون الشركات وقانون المحاسبة ثم قانون الملكية، في حين أن هنالك مواضع أخرى تخص محيط المقاولة و التاجر على سبيل المثال القانون الضريبي الذي يخص الضرائب المفروضة على التاجر، وهناك أيضا قانون التامين والقانون البنكي وغيرها من القوانين التي تخص محيط المقاولة و التاجر.

ثالثا: مصادر القانون التجاري

إذا كان التشريع القديم قد أغفل ذكر مصادر القانون التجاري فان مدونة التجارة الحالية قد حددت مصادر القانون التجاري في المادة 2 حيث نصت على أنه: “يفصل في المسائل التجارية بمقتضى قوانين وأعراف وعادات التجارة أو بمقتضى القانون المدني ما لم تتعارض قواعده مع مبادئ أساسية للقانون التجاري”. في هذه المادة أشار المشرع فقط إلى المصادر الرسمية في حين أن هنالك مصادر أخرى لها أهميتها والمتمثلة في المصادر التفسيرية.

1 – مصادر خارجية

ويتعلق الأمر أساسا بالمعاهدات و الاتفاقات الدولية التي تهدف إلى وضع قوانين موحدة في مجال التجارة الدولية، وهي تأخذ شكلين مختلفين: اتفاقيات دولية خاصة بالعلاقات التجارية الخارجية للدول الموقعة في حين تبقى العلاقات التجارية الداخلية خاضعة للقانون الداخلي، ومن جهة أخرى هناك اتفاقيات دولية تضع قوانين موحدة وواجبة التطبيق بين الدول المتعاهدة فتكون بذلك العلاقات التجارية الداخلية والخارجية خاضعة لنفس القواعد القانونية.

2 – مصادر داخلية

وهي المصادر الرسمية و المصادر التفسيرية.

المصادر الرسمية للقانون التجاري: وهي النصوص التشريعية التجارية، ويتعلق الأمر بنصوص القانون التجاري لسنة 13 غشت 1913 أول مدونة مغربية والتي تم تكملة مقتضياتها بمجموعة ظهائر شريفة ذات طابع تجاري، كما تلاه الظهير الشريف لسنة 1914 المتعلق ببيع و رهن الأصل التجاري للتجار، أو ظ/ش لسنة 1939 المتعلق بالشيك. وفي إطار الإصلاحات السياسية والاقتصادية جاءت مدونة التجارة في سنة 1996 ليتدارك المشرع من خلالها الثغرات و النقص اللذان كان يتميز بهما التشريع التجاري المغربي، كما صدرت قوانين أخرى نخص منها بالذكر مثلا: قانون الشركات وغيره من القوانين الجديدة.

العرف التجاري والعادة الاتفاقية: العرف التجاري وهو ما درج (تعود) التجار عليه من قواعد في تنظيم معاملاتهم التجارية، الشيء الذي يعطي لهذه القواعد بحكم تكرارها في الزمن واعتقاد التجار بالزاميتها قوة ملزمة فيما بينهم شأنها شأن النصوص التشريعية. أما العادة التجارية فهي قواعد طرد الناس على اتباعها زمنا طويلا في مكان معين أو بخصوص مهنة معينة إلا أنها على عكس العرف التجاري لا يتوفر فيها ركن الإلزام، أي أنه لم يتكون بالرغم من تكرارها الاعتقاد بالزاميتها وضرورة احترامها. ونظرا لأهميتها في الحياة التجارية فان المشرع المغربي رجح القاعدة العرفية والعادة التجارية على القانون المدني. ففي حالة نزاع تجاري تطبق قاعدة القانون التجاري فان لم توجد فالقاعدة العرفية أو العادة التجارية فان لم توجدا تطبق حينئذ القاعدة الآمرة المدنية.

القانون المدني: يعتبره الفقه مصدرا احتياطيا للقانون التجاري حيث انه إذا لم يوجد حكم لنازلة تجارية لا في العرف ولا في العادة التجارية فإنه يتم اللجوء للنص التشريعي المدني على أساس انه الشريعة العامة التي تطبق على جميع المعاملات سواء أكانت مدنية أو تجارية.

المصادر التفسيرية: وهي إما قضائية أو فقهية توفر للقاضي متسعا من الرأي في حالة سكوت القانون أو غموضه بخصوص نازلة تعرض عليه، والحل التفسيري غير إلزامي بالنسبة للقاضي إلا انه غالبا ما يميل إلى مسايرة اجتهاد قضائي وخاصة الصادر عن المجلس الأعلى.

الاجتهاد القضائي التجاري: هو الحالة التي تعرض فيها نازلة تجارية على القاضي، مثال ذلك: الحرفي أهو تاجر أم لا؟ إذا رجعنا للمادة 6 من القانون التجاري نجده تاجرا لكنه في حكم القضاء ليس تاجرا. والاجتهاد القضائي له رافدان: الأول يتعلق بالاجتهادات الصادرة عن المحاكم التجارية، والثاني المقصود به الاجتهادات الصادرة عن هيئة التحكيم. وعموما يمكن القول بان الاجتهاد القضائي هو مجموعة من الحلول القانونية التي تستنبطها المحاكم عند فصلها في المنازعات المعروضة عليها وتكون تفسيرا للقانون متى كان غامضا أو تكميلية أو مكملة للقانون متى كان ناقصا.

الاجتهاد الفقهي: وهو مجموعة آراء ونظريات و شروحات و تحليلات قانونية يُضمنُها رجال القانون في مقالاتهم مساهمة منهم في إعطاء الحلول القانونية وإزالة اللبس عن النصوص التشريعية، فهو بمثابة مختبر للآراء بالنسبة للقضاة.

رابعا: تطبيق أحكام القانون التجاري

لتحديد مفهوم الأعمال التجارية لا بد من دراسة شروط اكتساب صفة التاجر ولا بد كذلك من تحديد أهم التزاماته و أهم الحقوق التي تترتب عن هذه الصفة. أهمية التفرقة بين التاجر وغير التاجر تكمن في ضرورة تطبيق مقتضيات القانون التجاري على التجار ويترتب على ذلك مجموعة من الحقوق والالتزامات من أهمها: أداء الضرائب، فتح حساب بنكي، الأصل التجاري، الملكية الصناعية والتجارية.

1- الأحكام المتعلقة بسرعة المعاملات

حرية الإثبات في المعاملات التجارية: إذا كان الإثبات في المادة المدنية مقيدا كما هو في الفصل 448 من قانون الالتزامات و العقود و الذي مفاده أن الاتفاقيات التي تنشئ الالتزامات و العقود أو تعدلها و تتجاوز 10000 درهم لا بد من كتابتها. أما في المعاملات التجارية فالمادة 334 من القانون التجاري أقرت مبدأ حرية الإثبات، و السبب في ذلك راجع إلى خاصية السرعة التي تتسم بها الحياة التجارية بحيث يكون من الصعب أو المستحيل تقييد أو تسجيل كل المعاملات التجارية، ولهذا يمكن أن يكون الإثبات باللجوء إلى شهادة الشهود أو المحاسبة الخاصة بالتاجر.

تقليص آجال التقادم في الالتزامات التجارية: الأصل في القانون المدني أن كل الدعاوي الناشئة عن الالتزامات تتقادم بمضي 15 سنة، أما الالتزامات التجارية فان التقادم فيها كما هو وارد في المادة 5 من القانون التجاري يكون بمضي 5 سنوات ما لم توجد مقتضيات خاصة مخالفة، و السبب في هذا التقصير راجع إلى كون الالتزامات و العلاقات التجارية مبنية أساسا على الثقة بين التجار وانه غالبا ما يقوم التاجر باسترداد ديونه قبل حلول آجال الأداء.

التشدد في منح مهلة الميسرة: الأصل أن القاضي لا يمكنه أن يمنح أجلا أو ينظر إلى ميسرة إلا إذا أجازه الاتفاق أو القانون (الفصل 128 من قانون الالتزامات و العقود)، غير أن المدونة الحالية وتماشيا مع خاصية السرعة والائتمان في المعاملات التجارية أدخلت استثناءات لهذا المبدأ تتمثل في إقامة مسطرة أكثر يسر تُمكن التاجر من الوفاء بديونه من خلال نظام التسوية القضائية والتصفية القضائية.

النفاذ المعجل: فالأصل أن الأحكام الصادرة عن المحاكم لا تنفذ إلا بعد استنفاذ مواعيد الاستئناف و الطعن، أما في الأحكام التجارية ونظرا لخاصية السرعة فان المادة 147 من قانون المسطرة المدنية أقرت بالتنفيذ المعجل رغم الاستئناف.

2- المسطرة المتعلقة بالائتمان

هنا يتعلق الأمر أساسا بالتضامن بين التجار، والأصل فيه انه لا يفترض التضامن بين المدينين في الأعمال المدنية إلا باتفاق أو بنص قانوني، أما فيما بين التجار المدينين فان التضامن قائم بحكم القانون وتقره المدونة الحالية من خلال المادة 336 من القانون التجاري، فخاصية الائتمان تهدف إلى تقوية ضمانات الدائن وبالتالي فالقانون التجاري يفترض أن التاجر وشريكه متضامنان في الالتزامات الناشئة في تجارتهم ويسائلون عنها بصفة تضامنية ومطلقة.

خصوصيات المنازعات التجارية: تتمثل في ضرورة الفصل والبث في النزاع بسرعة ليس فقط لتصفيته وإنهائه وإنما أيضا لمعالجته حتى يتمكن المقاول و التاجر من الاستمرار، هذه الخاصية دفعت بالمشرع المغربي إلى إحداث محاكم تجارية كما مكن المتنازعين التجار من اللجوء إلى هيئة تحكيمية لها القدرة على ملائمة الحكم في النازلة مع طبيعة العمل التجاري.

وضع قيود على مزاولة الأعمال التجارية: منع المشرع بعض الأشخاص من مزاولة الأنشطة التجارية كالقاصر الذي حصل على الترشيد حيث لا يمكن له مزاولة النشاط التجاري إلا بعد حصوله على إذن من وليه أو وصيه ليتم تقييد الإذن في السجل التجاري، كذلك لا يجوز للأجنبي غير البالغ لسن الرشد المنصوص عليه في القانون المغربي حتى ولو قضى قانون جنسية بلده برشده أن يتاجر إلا بإذن من رئيس المحكمة التي ينوي المتاجرة بدائرتها.

📗 خلاصة الباب

  • القانون التجاري فرع من القانون الخاص ينظم القواعد المتعلقة بالأعمال التجارية والتجار (المادة 1)، وهو أضيق نطاقا من القانون المدني الذي يحكم كل العلاقات بين الأفراد.
  • تطور القانون التجاري المغربي عبر مراحل تاريخية (المقايضة، الأسواق، النقود والأوراق التجارية، المؤسسات والتقنين) وصولا إلى مدونة التجارة الحالية (القانون 15.95 لسنة 1996) التي خلفت مدونة 1913.
  • مصادره الرسمية: القوانين التجارية، العرف والعادة التجارية (تُرجَّح على القانون المدني)، ثم القانون المدني كمصدر احتياطي، إلى جانب مصادر تفسيرية (الاجتهاد القضائي والفقهي).
  • تطبيق أحكامه على التجار يتميز بخصائص السرعة والائتمان: حرية الإثبات، تقادم قصير (5 سنوات)، تشدد في مهل الأداء، النفاذ المعجل، افتراض التضامن، ومحاكم تجارية متخصصة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية