📖 المدخل إلى العلوم السياسية — الفصل 4 من 6 — فهرس الكتاب
أولا: مرحلة المخاض (من القرن السابع إلى بداية القرن التاسع عشر)
هي مرحلة طويلة تأسست فيها أغلب النظريات السياسية المفضية إلى علم السياسة، ميزها الميل نحو التفكير الفلسفي وهيمنة القيم المعيارية على دراسة الفكر السياسي.
أرسطو: المعلم الأول
يمكن اعتبار أرسطو الرائد الأول المدشن لعلم السياسة، اعتمد منهج الملاحظة والاستقراء انطلاقا من الدولة الواقعية أمامه، وحاول في كتابه «السياسة» أن يصنف ستة أنواع من الحكومات، متأثرا بأستاذه أفلاطون، لكنه لم يفصل بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي.
ميكيافيلي: المعلم الثاني
اعتمد نيكولا ميكيافيلي لأول مرة بعد أرسطو طريقة الاستقراء العلمي الحديث المبنية على الملاحظة والالتزام بالمنهج الموضوعي، قاطعا مع الأخلاقيات الدينية والمثالية الفلسفية، فيما دونه في كتابه «الأمير» (1513)، فكان بذلك إمام الواقعية السياسية في العصور الحديثة. فصل ميكيافيلي بين الأخلاق والسياسة، ورأى أن الطبيعة البشرية فاسدة وماكرة، والسلطة قوة تُمتلك لأجل إقامة الدولة التي عليها أن تدافع عن نفسها بكل الوسائل.
ابن خلدون: مؤسس علم الاجتماع
يمثل ابن خلدون ذروة الفكر العقلاني في علم الاجتماع السياسي الحديث. يجعل السياسة موضوعا لعلم نظري، ويقسمها إلى ثلاثة أقسام: العلاقة بين السلطان والرعية، تصرف الحكومة نحو الأفراد في المسائل العامة، ونظام الخلافة وضرورتها. ويربط ابن خلدون بين السياسة والأخلاق، فالأخلاق تكسب الدولة القوة وزوالها سبب لضعفها وانهيارها. ويقسّم السياسات إلى أربعة أنواع: سياسة دينية مستمدة من الشرع، وسياسة عقلية تصدر عن العقلاء وأكابر الدولة، وسياسة طبيعية، وسياسة مدنية (المدينة الفاضلة). ويبقى أهم ما أتى به ابن خلدون مبدأ «العلية الطبيعية» الذي قاده إلى تأسيس علم الاجتماع (علم العمران)، إذ لم يكتشف فكره في أوروبا إلا مع مطلع القرن التاسع عشر.
بودان ومونتسكيو
بلور جان بودان، الفقيه القانوني والسياسي الفرنسي، نظرية سيادة الدولة وأعاد التوازن المفتقد في واقعية ميكيافيلي، معتبرا أن هلاك الدولة يأتي من استبداد الحاكم أو استبداد الشعب. أما مونتسكيو، في كتابه «روح القوانين»، فميّز بين ثلاثة أنظمة حكم (الملكية، الديكتاتورية، الجمهورية)، ورأى أن النظام الأمثل يضمن حرية الإنسان عبر الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ وقد أثرت نظريته على دستور الولايات المتحدة وعلى دساتير عديد من الأنظمة الديمقراطية المعاصرة.
ثانيا: مرحلة نشوء علم السياسة (من منتصف القرن التاسع عشر)
اتسمت بمحاولات مفكرين بارزين لبناء نظرية متكاملة حول الظاهرة السياسية، أبرزهم أليكسيس دي توكفيل وأوغست كونت وكارل ماركس.
توكفيل
مؤرخ ومنظر سياسي فرنسي (1805-1859)، صاحب كتابي «الديمقراطية في أمريكا». تتمثل منهجيته في تحليل الظاهرة السياسية عبر ثلاثة عناصر: المعاينة المباشرة للوقائع، وتسجيلها وقراءتها قراءة تركيبية لاستخراج القوانين المتحكمة فيها، وارتباط المنهج بمتطلبات دراسة الحالة. فكرة الديمقراطية عنده تجمع بين المساواة الاجتماعية ومسلسل التقريب بين المستويات المعيشية، ورأى أن السلطة يجب أن تُحد بالسلطة عبر تنويع مصادر القرار وتوزيع الأدوار بين مؤسسات مختلفة.
أوغست كونت
عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي (1798-1857)، الأب الشرعي للفلسفة الوضعية. يرى أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل: اللاهوتية، والميتافيزيقية، ثم الوضعية التي يتوقف فيها الفكر عن تعليل الظواهر بالرجوع إلى مبادئ أولى ويهتم باكتشاف قوانين علاقات الأشياء عن طريق الملاحظة والتجربة. يخضع كونت السياسة للأخلاق، إذ تقوم الأخلاق الوضعية على تقديم الاجتماعي على الفردي، ويؤمن بدور النخب في تحديد الأهداف والوسائل. أسهم كونت في بناء علم السياسة المعاصر من جانبين: تأكيده حلول الفكر الوضعي العقلاني، وتأكيده إمكانية دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية دراسة علمية بالاستفادة من العلوم الطبيعية.
كارل ماركس
فيلسوف ألماني واقتصادي وعالم اجتماع (1818-1883)، من أهم كتبه «بيان الحزب الشيوعي» و«رأس المال». تتمثل إسهاماته في علم السياسة في جانبين: تحقيقه طفرة في الفكر الاشتراكي بتجاوز الطوباوية، وإدخاله العنصر الاقتصادي في دراسة الظاهرة السياسية عبر مفاهيم نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج والبنية التحتية والفوقية. يرى ماركس أن «السلطة السياسية ليست إلا القوة المنظمة لطبقة في قمعها لطبقة أخرى»، وأن نمط الإنتاج في العالم المادي هو الذي يقرر الطابع العام للمسيرة السياسية والاجتماعية والروحية للحياة.
ثالثا: مرحلة إقرار وتنظيم علم السياسة
تبدأ هذه المرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث أدى التقدم في مجال الحريات إلى رغبة الباحثين في الاستفادة من مناهج البحث العلمي الحديثة في العلوم الاجتماعية، فتأسست مراكز البحث في الولايات المتحدة وأوروبا، وبادرت اليونسكو إلى وضع برامج لتكوين خبراء في العلوم السياسية. سارت فرنسا على نفس النهج بعد الإصلاح الجامعي سنة 1945، حيث أسست معهد الدراسات السياسية، توجت بإدخال علم السياسة إلى التدريس في كليات الحقوق الفرنسية سنة 1956، وسيقتفي النظام الجامعي المغربي نفس الخطوات بإدخال المادة إلى الجامعات المغربية ابتداء من سنة 1974.
📗 خلاصة الباب
- مرحلة المخاض (القرن 7-19): أرسطو رائد الملاحظة والاستقراء، ميكيافيلي فصل الأخلاق عن السياسة، ابن خلدون أسس العلية الطبيعية وعلم العمران، بودان بلور سيادة الدولة، ومونتسكيو أرسى فصل السلط.
- مرحلة النشأة (من منتصف القرن 19): توكفيل ربط الديمقراطية بالمساواة الاجتماعية، كونت أسس الوضعية وأخضع السياسة للأخلاق، وماركس أدخل العنصر الاقتصادي والصراع الطبقي في تحليل السلطة.
- مرحلة الإقرار والتنظيم بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بتأسيس مراكز بحث ومعاهد متخصصة، ودخل علم السياسة الجامعات المغربية سنة 1974.
◀ الفصل السابق: ذاتية علم السياسة وموضوعه
الفصل التالي: مناهج التنظير الحديث في علم السياسة المعاصر ▶
اترك تعليقاً