📖 المسطرة الجنائية — الفصل 3 من 14 — فهرس الكتاب
مدخل
یحتل مبدأ لا متابعة ولا اعتقال ولا إدانة إلا بنص القانون، مكانة الصدارة في المسطرة الجنائیة، فالقانون والقانون وحده هو الذي یحدد الھیئات المكلفة بمحاكمة الجناة، اختصاصھم وكذا المسطرة المتبعة من طرف ھذه الھیئات من أجل استصدار الحكم بالإدانة أو البراءة. وكل ھذا ینظمه المشرع بدقة حتى یتجنب التعسف من جھة، ویمكن الشخص المتابع من الدفاع عن نفسه، أي تأمین ما یسمى بحقوق الدفاع.
والحقیقة أن المبدأ المذكور یعرف مرونة جلیة من خلال قواعد عامة أخرى وأعراف متبعة في اجتھاد وعمل الھیئات القضائیة والھیئات المساعدة لھا، والتي تؤثر على مفھوم القانون وتطبیقه، ولا غرابة في التعامل مع النص، لأن مبدأ الشرعیة الذي یحكم المادة الجنائیة المسطریة على الخصوص یھدف إلى تحقیق غایة أخرى بالإضافة إلى حمایة حقوق وحریات الإنسان، أي حسن سیر العدالة الذي یقضي من جھته بتقویة الصیانة اللازمة لتلك الحقوق والحریات، وبالتوفیق بینھا وبین مستلزمات استقرار النظام المجتمعي، لذلك فإن نتائج مبدأ الشرعیة المتعلقة بتفسیر القانون وتطبیقه تتمیز بخصوصیات معینة في المسطرة تخالف نسبیا ما هو عليه الحال في جوھر المادة الجنائیة.
تفسیر قواعد المسطرة الجنائیة
یذھب الفقه الفرنسي إلى القول بأنه جرى العمل على أن نعتبر القضاة في مادة التفسیر ملزمون بتطبیق قاعدة التفسیر الضیق بالنسبة لقواعد الموضوع. بینما بإمكانھم اعتماد قاعدة التفسیر الواسع –على الشكل الممارس في إطار القانون المدني- بالنسبة للقوانین الجنائیة الشكلیة مثلا. وھذا لیس صحیحا بشكل كامل ، ذلك أن المقصود بالتفسیر الضیق، منع القضاة من اتخاذ قاعدة التفسیر كوسیلة من شأنها المطبق تحمیل الشخص المتابع لمصیر أسوأ مما تقضي بھ القواعد الموضوعية نفسھا. فالمسار المنطقي لا یعتمد على التمییز بین قواعد الموضوع وقواعد الشكل، بل یعمل على التمییز بین المقتضیات التي ھي في صالح الشخص المتابع وتلك التي ھي لیست في صالحه.
فقواعد الشكل وعلى خلاف قواعد الموضوع مھیأة أساسا لتأمین سیر حسن لإدارة العدل الجنائي، وھي بذلك تعتبر مبدئیا في صالح المتھم. لذلك فلا مانع من القول بأن قانون المسطرة الجنائیة ھو أكثر انسجاما مع ھذه المنھجیة –أي منھجیة التفسیر الواسع- ومن ھذه الزاویة لا یمنع على القاضي أن یلجأ إلى البرھنة بواسطة القیاس المبني على مقارنة وجود أو غیاب جانب من المعطیات، أو القیاس العكسي أو القیاس على المبدأ الأقوى.
لكن ھذه الصلاحیة المعترف بھا للقاضي تتوقف عندما تؤدي منھجیة التفسیر الواسع إلى الإضرار بحقوق الدفاع أو حقوق الفرد أو حسن سیر العدالة؛ ففي ھذه الحالات یصیر العمل بالمنھجیة المعاكسة ھو الكفیل باحترام ھذه الضمانات، فالمادة 126 من القانون الجدید
للمسطرة الجنائیة تشتمل على قواعد تقدیم محاضر الاستماع إلى الشھود في مرحلة التحقیق الإعدادي؛ ولا نعرف نصا یقول الفقیه المشیشي مقابلا لھا في إجراءات المحاكمة والتحقیق النھائي، ولا یجد الاجتھاد حرجا في تمدیدھا إلى ھذا النطاق لاتحاد العلة والغایة .
تطبیق قواعد المسطرة الجنائیة في الزمن
إن التغییرات والتعدیلات التي یدخلھا المشرع على نصوص المسطرة الجنائیة تطبق فور صدورھا أو ابتداء من التاریخ الذي یعینه التغییر او التعدیل. فإن صدر تعدیل یغیر الإجراءات التي یتم بھا التحقیق مثل كیفیة استدعاء الشھود ومقابلتھم مع المتھم، ودخول المساكن وفترات الاعتقال الاحتیاطي، فإن على قاضي التحقیق التخلي عن الإجراءات السابقة وتطبیق الإجراءات التي جاء بھا التعدیل ابتداء من تاریخ نفاذه، مع بقاء الإجراءات المنجزة في ظل القانون السابق صحیحة وقانونیة ومنتجة لكل آثارها، فإذا كانت الغایة الكبرى للمسطرة ھي تحقیق حسن سیر العدالة، فإنه یصیر من المؤكد أن كل تعدیل لقانونھا یرمي إلى ذات الھدف أو یفرض العمل به ولو على الحالات الجاریة.
لذلك يقال بأن قواعد المسطرة الجنائیة ذات طبیعة مزدوجة، أي أنھا تطبق على جرائم حدثت في الماضي، فإذا صدر قانون في الفترة الفاصلة بین حدوث الجریمة وإنجاز المتابعة والمحاكمة، فإن إجراءاته ستطبق على جریمة سابقة علیه حدثت في ظل قانون آخر وقد تمس بعض قواعدھا بمركز الفرد مساسا بلیغا كأن یرفع القانون الجدید فترة التقادم مثلا.
انطلاقا من ھذه المعطاة، فإنه كلما تعارض التطبیق الفوري مع احترام المتقاضین وخاصة منھا ما یضمن لھم دفاعا صحیحا إلا ووجب انحساره، بحیث یجب الرجوع إلى قاعدة عدم الرجعیة أو الامتناع عن التطبیق الفوري إذا ألغى مثلا القانون الجدید إحدى طرق الطعن فحرم بذلك الأطراف من إمكانیة التعرض أو الاستئناف، أو إذا رفع درجة الجریمة وغیر بذلك المحكمة المختصة بالحكم فیھا، أو إذا عدل مدة تقادم الدعوى العمومیة أو شدد وسائل الإثبات مخالفا مبدأ حریة الإثبات في المواد الجنائیة.
لذلك فإن قوانین المسطرة الجنائية تطبق بأثر فوري حتى على الجرائم المرتكبة قبل صدورھا، لكن دون المساس بالإجراءات التي تمت في ظل القانون السابق وخضعت فعلا لأحكامه سواء كانت مقتضیات القانون اللاحق في مصلحة المتھم أو ضده، فلا مجال لتطبیق القانون الأصلح على قواعد المسطرة بما في ذلك فترات التقادم وطرق الطعن وآجالھا.
📗 خلاصة الباب
- تُفسَّر قواعد المسطرة الجنائية تفسيرا ضيقا حماية لحقوق الدفاع، وتطبَّق القواعد الشكلية بأثر فوري على الدعاوى الجارية بمجرد دخولها حيز التنفيذ، خلافا لقواعد التجريم والعقاب الموضوعية الخاضعة لمبدأ عدم الرجعية.
اترك تعليقاً