فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الرابع: الاتجاه التكويني في تفسير السلوك الإجرامي (لومبروزو وفرويد)

📖 علم الإجرام — الفصل 5 من 8 — فهرس الكتاب

المحور الثاني : تفسير الظاهرة الاجرامية أو التفسير السلوك الاجرامي

المحور الثالث : دراسة عوامل الظاهرة الاجرامية

علم الاجرام يدور حول سؤال جوهري مهم ” لماذا يسلك الانسان مسلكا إجراميا ؟ ” وكل النظريات التي تحدثت في هذا الامر لم تشف الغليل ولم تجب عن السؤال ، ما هو السبب ؟ ما هي العلة وراء السلوك الاجرامي ؟ و سوف يتهم هذا العالم بأنه غير ناضج وما زال في مرحلة التكوين لأننا لسنا في خضم علم من العلوم الطبيعية 1+1=2 ، بل نحن بصدد علم إنساني يبحث في الانسان ، والانسان مزيج من العقد النفسية ، تؤثر على سلوكاته ، فالجريمة إذن علم متراكم وأغلب الاجرام يدرسون الجريمة كونها ظاهرة عامة لكن ينسون أن الجريمة أنواع وليست واحدة فالجرائم الجنسية تختلف عن الجرائم المالية أو جرائم العنف ، ووضع الجريمة كيفما كانت تحت قاعدة عامة خطأ كبير ، فيجب دراسة كل جريمة على حدة لأن لكل جريمة اسبابها الخاصة ، فالتخصص مما يساعد في تطور العلوم ، فالطب لولا تخصصه لما وصل إلى ما هو عليه من النجاح فيجب دراسة كل جريمة على حدة لكي نصل إلى نتيجة حتمية وعلاج فعال لكل جريمة .

لماذا إن يسلك الانسان مسلكا إجراميا ؟

الجريمة هي المجهول الذي يرتبط بالباطن والجانب الخفي من الانسان ، فيستحيل معرفة باطن الانسان و يستحيل توقع سلوكاته ، وعلماء الاجرام أنفسهم انقسموا إلى 3 اتجاهات مختلفة في إعطائهم التفاسير لظاهرة الاجرامية ، فهناك الاتجاه التكويني : ويرجع اسباب الجريمة إلى اسباب عضوية أو نفسية وقد ظهر في أوروبا أو ما يعرف بالمدرسة الاوروبية ، ثم هناك الاتجاه الاجتماعي : وهو اتجاه أمريكي ظهر في أمريكا بعد فشل الاتجاه الاوروبي وقال بأن الجريمة لا ترجع الى التكوين الجسمي الطبيعي للإنسان بل ترجع إلى محيطه الاجتماعي والعوامل الاجتماعية ومن الخطأ اعتبار الجريمة ناتجة عن العوامل البيولوجية النفسية وإنما هي نتيجة العوامل الاجتماعية فعندما يتظافر الفقر مع البطالة مع القمع تنتج لنا إنسانا مجرما ، ثم الاتجاه التكاملي : الذي جمع بين المدرستين التكوينية والاجتماعية وقال أن الجريمة ما هي إلا نتائج لعوامل بيولوجية نفسية واجتماعية في نفس الوقت أي هي خليط مركب .

الاتجاه التكويني : هذه النظريات أجمعت على أن السلوك الاجرامي سببه أسباب داخلية ترتبط بالشخصية الاجرامية اي بالتكوين العضوي أو النفسي للمجرم .

أولا : النظريات البيولوجية

مرحلة ما قبل لومبروزو

اهتم الفكر الانساني على مر العصور بالجريمة وحاول جاهدا أن يجد لها شروحات مناسبة كما حاول أن يحد منها بالعقاب من منطلقات أخلاقية وفلسفية متعددة ، لكنها بقيت في إطار العقاب دون أن تبحث عن الدوافع لتعالجها فالجريمة كانت دائما تهدد أمن المجتمع وبالتالي كان العقاب ضروريا لذلك لم تظهر دراسة اسباب ما وراء الظاهرة الاجرامية الا في القرن 19 . أما في القرنين 17 و 18 فقد ذهب أغلب الشارحين للسلوك الاجرامي إلى اعتبار العوامل البيولوجية ، وهي محاولة تقترب من فراسة الانسان القديم الذي ربط بين المجرم و ملامح جسدية ظاهرة في جسمه ، حيث قام الاطباء بتشريحات لجسم المجرم ثم ذهبوا إلى فراسة جديدة عرفت بفراسة الدماغ التي جعلت من قياسات جماجم المجرمين وسيلة لمعرفة المجرم ، فانطلق أطباء أوروبا باحثين عن الاوصاف الجسمية خاصة المتعلقة بالجمجمة والذراع ليربطوا بها سلوكات معينة أو يجدوا لها نماذج لها نموذجا بشريا إجراميا يفسرون به سبب الجريمة .

عهد لومبروزو

أهمها نظرية لمبروزو في تفسير الظاهرة الاجرامية فهو الأول الذي انتقل من دراستها نظريا إلى دراستها علميا فعلم الاجرام الحديث يدين لهذا العالم الايطالي بالفضل الكبير لأنه أول من وضع الاسس العلمية في مجال دراسة الظاهرة الاجرامية ويعتبر حجر الزاوية لمعظم المذاهب البيولوجية التي عملت على إعطاء تفسير للسلوك الاجرامي وهي عصب الفلسفة الوضعية .

ولد لامبروزو في ايطاليا 1836-1909 من أبوين يهوديين ، درس الطب في عدد من الجامعات الايطالية ثم عمل أستاذا للطب الشرعي والعقلي في الجامعة وعمل طبيبا للأمراض العقلية في السجون الايطالية وعمل سنوات في الجيش الايطالي فـكون بذلك تجربة كبيرة عن الجريمة والانسان المجرم له عدة أعمال حول الجريمة وأسبابها ، المرأة المجرمة ، الدعارة ، والفكرة الاساسية له هي أن هناك أشخاصا يتميزون بمظاهر جسمانية خلقية وملامح عضوية وسمات خلقية معينة ينقادون إلى ارتكاب الجريمة تحت تأثير عوامل وراثية ويقدمون على الجريمة بحكم تكوينهم البيولوجي ، وأن سلوكهم الاجرامي يحكمه مبدأ الحتمية البيولوجية ، وإذا كان البعض اعتبر الانسان مخيرا فإن لامبروزو اعتبره غير مخير وإنما مسيرا وأنه يولد من بطن أمه مجرما بسبب اختلالات وراثية وسمات خلقية شاذة ترجع إلى سمات الانسان البدائي يتوارثها جيل عن جيل ، هذه الاختلالات تبدو على شكل ملامح عضوية سماها سمات الارتداد فعندما نلاحظ أن شخصا ما لديه سمات خلقية معينة شاذة نقول هذا مشروع مجرم قادم لا محالة وقد خلص لامبروزو إلى هذه النتائج انطلاقا من دراسة ميدانية في السجون والجيش وخرج بمجموعة من الخلاصات ، وتتمثل هذه السمات حسب لامبروزو في الخصائص الجسمانية التي إذا ما توفرت في انسان ما يكون ختما مجرما .

ولومبروزو يعتمد في نظريته على فرضيتين رئيسيتين استقاهما من علم الاجناس وعلم الامراض العقلية ، فالمجرم المطبوع بالولادة في نظره يخلق مجرما نتيجة ردة أو نكسة عكسية وراثية فهو يتميز عن الانسان العادي بأنه توقف نموه الطبيعي في رحم أمه وبقي في حالة بدائية تشبه حالة الانسان المتوحش العاجز عن إدراك القوانين التي تنظم المجتمع ، فهو يستجيب لغرائزه الحيوانية والفرضية الثانية أن إجرام المجرم يأتي نتيجة مرض الصرع الذي يفقد المجرم الذاكرة ويجعله يرتكب أفعالا فظيعة ، وهو في كلا الحالتين مجرم بالوراثة مدفوع بحتمية بيولوجية .

وقد أجرى لومبروزو تجارب على حوالي 6000 مجرم وقارنها مع الانسان العادي فحصل على نتائج أكدت صحة فرضياته وهي أن المجرم يختلف عن الانسان العادي بحالات شاذة في شكل جمجمته تشكل انحطاطا في الجنس البشري وهبوطا نحو مستوى الحيوانية ، وهكذا يتميز المجرم بفقدان الشعور بالعطف والألم كما يظهر شعوره بالميل الجنسي مبكرا و انعدام الرادع الاخلاقي هكذا يعتبر إجرامه لا مفر منه ونتيجة حتمية وقد أعطى أوصافا محددة لهذا المجرم ففي الاغتصاب الجنسي مثلا يتميز بـ الفك الضخم والجبهة الضيقة والاذنين المندفعتين بعيدا عن الرأس و وجنتين بارزتين وانخساف في الدماغ وتقارب بين العينين ، أما في جرائم السرقة فيتميز بكثافة وانخفاض الحاجبين وصغر العينين وتحركهما المستمر .

هكذا خلص لومبروزو إلى مصطلح الانسان المجرم المثقل بالجريمة والمطبوع على ارتكابها ، لكن لومبروزو تراجع نسبيا عن فكرة المجرم بالفطرة بعد كثرة الانتقادات له وعوض الفكرة بالمجرم العاطفي والمجرم المختل عقليا ، الشيء الذي يوحي أنه بدأ يؤمن بالمؤثرات النفسية والخارجية وتأثيرها على السلوك الانساني و تحدث عن ذلك أواخر عمره .

يبقى أن لومبروزو كان له الفضل في الانتقال من المدرسة الكلاسيكية والفلسفية و أعطى لعلم الاجرام نكهة علمية كانت سببا في ظهور المدرسة الايطالية التي دشنت عهدا جديدا في علم الاجرام ورغم المغالاة في العامل البيولوجي أو الانحطاطية البيولوجية فهو يرجع إليه الفضل في استعمال منهجية علمية لدراسة الظاهرة الاجرامية وكان أول من استعمل المنهجية المقارنة أو طريقة المغايرة التي تعتمد على إجراء دراسات وفحوص على جماعة من المجرمين و مقارنتها مع جماعة من غير المجرمين للتوصل إلى نموذج للمجرم ، ومع ذلك وجهت انتقادات كثيرة إلى لومبروزو ذلك أن العالم الانجليزي غورنغ أثبت أنه لا فروق واضحة بين المجرمين وغير المجرمين من الناحية العضوية مما يفند نظرية المجرم بالفطرة كما أثبت ذلك العالم الامريكي هوتن ، كما أن نظرية الانسان بالفطرة اصبحت لا تناسب الافكار الحديثة التي تؤمن بالمساواة بين جميع البشر ، أولا فكرة توقف النمو فكرة لم يتفق معه فيها الكثير وهي فكرة غير مستساغة فلا يمكن أن يعود الانسان 60 مليون سنة إلى الوراء ليجد نفسه حيوانا ، ثانيا هناك فروق كثيرة بين الانسان والحيوان فالانسان هو الانسان ولا يوجد انسان متوحش متخلف زمنيا عن زمانه متوقف عن التطور واتهموا لومبروزو بالعنصرية .

سمات الارتداد عند لامروزو :

المجرم هو نوع من البشر لكن ما يميزه عن البشر هو تميزه بمظاهر جسمانية شاذة إذا ما توفرت في انسان فإنه يكون مجرما ، هذه السمات شبيهة بالإنسان البدائي المتوحش وقال أن هناك 10 سمات أساسية هي التي يرتد بها إلى مواصفات الانسان البدائي ولا بد أن تتوفر 5 صفات على الأقل في الانسان ليصبح مجرما بالفطرة لا محالة وأن علامة واحدة أو اثنتين لا تكفي بل لا بد من وجود 5 صفات على الأقل ليكون لديه ميل إجرامي ويرتكب الجريمة عندما تسنح الفرصة وهي : انحدار و ضيق في الجبهة 2- غزارة في شعر الجلد والرأس 3- عدم انتظام الاسنان 4- ضخامة الفكين 5- طول مفرط في الذراعين 6- قلة شعر اللحية 7- شذوذ في حجم الاذنين والانف 8- بروز عظام الوجنتين 9- ضيق تجويف عظام الرأس 10 – البلوغ الجنسي المبكر .

هذه السمات تشبه الانسان البدائي الذي يميل نحو الانسان الحيواني بطبيعته فكل من لديه هذه الصفات فهذه الصفات تعود به إلى طباع الانسان البدائي في سلوكاته ، ومن التجارب التي اعتمد عليها لامبروزو في أبحاثه أنه قام بتشريح جثة قاطع طريق فاكتشف أنه لديهتجويف في مؤخرة الجمجمة شبيه بتجويف الحيوانات المتوحشة والقردة ، واستخلص أن المجرم يتمتع بشذوذ جسماني خاص يرتد به إلى خصائص الانسان البدائي فيرتكب الجريمة دون وعي أو أنه ينقاد إلى ارتكابها بشكل حتمي .

ثم أنه تناول حالة مجرم خطير قتل 20 من النساء ثم شوه جثتهم وشرب دماءهم ثم دفنهم وعند موته قام لامبروزو بتشريح جثته فاكتشف بأن لديه صفات الانسان البدائي لا من حيث الاسنان ولا من حيث الجمجمة والفكين وما إلى ذلك .

ثم قام بتشريح 383 جثة لمجرمين كانوا متهمين بجرائم عنف و اكتشف أن هناك تجويفات تشبه الحيوانات المتوحشة ، فيقول لامبروزو أن هناك سمات ارتداد .

لامبروزو لم يقف عند هذا الحد إنما قرر من واقع بحوث لاحقة أن هناك علاقة وثيقة بين السلوك الاجرامي والصرع أو التشنجات العصبية اي المجرم المجنون انطلاقا من تجربة جندي كان طبيعيا في الجيش الايطالي وكان معروفا بانتظامه وأخلاقه الحسنة وحسن سلوكه لكن فجأة تعرض إلى إهانة من أحد الجنود لأنه قدم من مقاطعة فقيرة فدخل هذا الجندي في حالة هستيرية و قتل 8 من زملائه وختم برؤسائه في الجيش ، من هنا ربط السلوك الاجرامي بالتشنجات العصبية أو الصرع .

مرحلة ما بعد لومبروزو

اختلف كثير من أتباع لومبروزو معه في تفسير الجريمة وتحديد أسبابها ، فلم يتقيدوا بتفسيره وأضافوا إلى نظريته بعض الشروح ليلطفوا من طغيان العامل البيولوجي فيها ، فقال فيري بوجود عوامل خارجية أو داخلية للمجرم طبيعية أو اجتماعية تؤثر في سلوكه فاتخذ مجرى سوسيولوجيا ، أما كاروفارو فلاحظ أن العامل البيولوجي ليس وحده السبب بل هناك عوامل اجتماعية تساعد على ارتكابها واعتبر الضمير الاخلاقي معيارا لتحديد الشعور العام بالرفق والاستقامة ، وتظهر محدودية التقسيم الثنائي للجرائم إلى طبيعية واعتبارية ، فلو سلمنا بها في حالة القتل فلا يمكن التسليم بها في الجرائم التي تتطور مع المجتمع فلا يمكن للمجرم أن يتنبأ بها في بطن أمه ولا أن يتدرب عليها في رحمها بل يعيشها و يتدرب عليها في المجتمع ، فالمجرم إذن لا يخلق مجرما بالفطرة ، بل يولد كسائر الناس و يأخذ إجرامه من المجتمع ، هكذا استطاع كاروفارو أن ينتقد استاذه لومبروزو ويوجه الاهتمام إلى عوامل أخرى نفسية واجتماعية وانتقل علم الاجرام من طوره البيولوجي إلى مرحلة الدراسات السوسيولوجية لشرح الظاهرة الاجرامية

تقييم نظرية لامبروزو :

لامبروزو هو أول من تقدم لدراسة شخصية المجرم بدل الجريمة حيث كانت جميع الدراسات السابقة تنصب على دراسة الجريمة دون ربطها بالشخصية الاجرامية للمجرم و قال أن الخطورة لا تكمن في الجريمة بل في شخصية المجرم ، أي التحول من دراسة الجريمة إلى دراسة المجرم ورغم أن أبحاثه لم تكن مرضية لكن يكفيه أنه كان السباق إلى إخضاع الدراسة الاجرامية للمنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة بعدما أخرجها من إطار الدراسة النظرية ، ثم أنه أنشأ علما جديدا حديثا يسمى بعلم الانطروبولوجيا أو علم طبائع المجرم ، وهو أول من وضع تصورا للمجرم حسب الخصائص البيولوجية والعضوية والنفسية .

انتقادات هذه النظرية :

• وقع في خطأ منهجي من خلال تعميم نتائج البحث الفردية على جميع المجرمين ليخلص إلى نتيجة عامة تفتقد إلى الموضوعية والمنهج العلمي السليم

• لم يقارن عينات من الاشخاص العاديين ويقارنهم بعينات من المجرمين

• اعتماده على فكرة المجرم بالفطرة وهوما يتناقض مع فكرة أن الجريمة هي ظاهرة احتمالية لكنه يقول أنها ظاهرة حتمية وما يؤكد خطأ نظريته أن هناك أشخاص توفرت فيهم العيوب التي ذكرها ولم يسلكوا مسلكا إجراميا وبالمقابل هناك أشخاص مجرمون ولم تتوفر فيهم العيوب التي ذكرها

• إنكاره للعوامل الاجتماعية كمحرك للجريمة ومبالغته في إظهار الخصائص البيولوجية والسمات الخلقية الشاذة

• ربط سلوكات المجرمين بسلوك الانسان البدائي رغم عدم توفره على معلومات دقيقة عن الانسان البدائي وهل كان فعلا متوحشا لأن هناك دراسة تظهر أن الانسان البدائي كان اقل وحشية من الانسان المعاصر وأن الجريمة تتلاشي كلما عدنا إلى الوراء و تزيد كلما زاد التطور بمعنى أن الانسان كان يعيش حياة بسيطة وكانت الجريمة بمعدلات أقل من الحاضر ، فلامبروزو اعتمد على منطق افتراضي خيالي ليس له اي أسس علمية

• لم يستطع أن يفسر الجريمة تفسيرا علميا وكيف يمكن لنا أن نربط بين التكوين البيولوجي للمجرم والسلوك الاجرامي فما هو الدليل العلمي على أن هناك صلة ما وعلاقة تربطهما .

ثانيا : الاتجاه النفسي

النظرية البيولوجية أخفقت إخفاقا ظاهرا في اعطائها إجابة واضحة عن الظاهرة الاجرامية ، ظهر الاتجاه النفسي السيكولوجي الذي اتفق مع النظرية البيولوجية في أن العلة هي داخل الانسان أي الشخصية الاجرامية الا أنه ربط السلوك الاجرامي بالاضطرابات النفسية وعدم استواء الشخصية وأن المجرم هو شخص مريض ولا يستحق العقوبة بقدر ما يستحق العلاج فلا يجب أن نسلب حريته بل يجب أن نعالجه ، وهو اتجاه من أكبر الاتجاهات التي تبحث في الظاهرة الاجرامية وتبحث في الجانب الخفي من الانسان تلك المنطقة الباطنية غير الملموسة التي تتبرمج في سلوكاته ، هذا الاتجاه حاول كشف الحجاب عن ذلك المستور المجهول الخفي المسمى بمنطقة اللاشعور .

من ابرز علماء هذا الاتجاه فرويد وهو عالم في علم النفس وهو المؤسس الحقيقي والفعلي لعلم النفس الحديث ، وقد حاول تفسير الجريمة تفسيرا نفسيا خالصا ، وكان الهدف من وراء أبحاثه هو إظهار التأثيرات أو اضطرابات الجهاز النفسي على سلوك الانسان عامة ومن ضمنه السلوك الاجرامي ، ولقد أثارت نظريته الكثير من الجدل وردود الفعل كالتي أثارتها نظرية لامبروزو ، لكن فرويد اختار الطريق الصعب كونه اهتم بالصعب وهو الجزء الخفي ومنطقة اللاشعور منطقة المجهول في الانسان .

قال فرويد بأن كل إنسان لديه ثلاثة مناطق اساسية في نفسيته

الهو أو الذات الدنيا ثم الأنا الاعلى ثم الأنا

الهو أو الذات الدنيا : هي مجموع النزوات أو الغرائز الفطرية في الانسان أو الشهوات التي لا يقبلها المجتمع وكل إنسان كيف ما كان مستواه إلا ولديه ميولات فطرية غريزية لا يقبلها المجتمع مثال ذلك حب الجنس والمال والبقاء ، والهو هو مستودع الشهوات وينساق وراء إشباع اللذة والشهوات دون إقامة الاعتبار لقيود المجتمع والدين والقيم الأخلاقية المتعارف عليها ، نعم هناك غرائز لكن بالمقابل هناك قيود اجتماعية فالجميع لديه غرائز جنسية لكن هل المجتمع يسمح بممارسة الجنس دون ضوابط أخلاقية و دينية كالزواج مثلا ؟ فإذا اراد الانسان أن يعيش محترما و متوازنا في المجتمع فعليه أن يكبح هذه الغريزة وأن يعبر عنها بأسلوب شرعي مقبول اجتماعيا غير اسلوب الحيوانات التي تنساق وراء شهواتها دون ضوابط ، لكن الانسان تفرض عليه قيود اجتماعية تفرض عليه أن يخضع لها ، هذا الهو الذي هو مركز الشهوات لا يضع أي قيود في طريق ممارسة شهواته و غرائزه ولا يحترم أي ضابط ، مثال ذلك أن الجميع يريد المال لكن المجتمع يفرض عليك أن تجني المال بطريقة شرعية عن طريق العمل وليس عن طريق السرقة والجريمة هي أن ينساق الانسان وراء الهو فينفذ كل شهواته و ملذاته بطريقة حيوانية دون أدنى اعتبار لقيود المجتمع وقيمه الاخلاقية .

إذن الهو هو ذلك الجانب الشرير في الانسان أو النفس الامارة بالسوء

الانا الأعلى : ويسمى بالذات الانسانية وهو الجانب المثالي أو المظهر الروحي للإنسان ، ويضم المبادئ الاخلاقية والمثالية المستقاة من المبادئ والقيم الاخلاقية والدينية والقوانين التي تحكم المجتمع ، وظيفته هي القوة الرادعة لنزوات و شهوات الهو لنقل هي النفس اللوامة ، وهي لا تتوفر في كل إنسان فمن الناس من تعمل لديه الانا الاعلى كلما خرج عن نطاق القواعد الاخلاقية و زل سلوكه ومن الناس من لا تتحرك لديه الانا الأعلى حتى ولو ارتكب الجرائم .

الأنا أو الذات الشعورية والعقل : و هي مجموع الملكات الفطرية أو الفكرية المستمدة من رغبات النفس بعد تهذيبها بما ينطبق ومقتضيات الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية ، وهي محاولة توفيق بين متطلبات الأنا الأعلى و متطلبات الهو .

لكن كيف فسر فرويد السلوك الاجرامي اعتمادا على الانا الاعلى والانا والهو ؟

قال فرويد إن السلوك الاجرامي ما هو إلا نتيجة للصراع الداخلي القائم بين نزواته من جهة وبين القيم والاخلاق والعقائد من جهة أخرى ، يعني الصراع بين الهو وغرائزه ونزواته وبين الأنا الأعلى وقيمه الاخلاقية والاجتماعية وبين ضغوط العقل التمي يمارسها من أجل التوفيق بين الانا الأعلى و بين الهو ، فغذا حدث خلل في عملية الكبت وإذا ما أخفق العقل في كبت النزوات في منطقة الهو فالإنسان يرتكب جريمة ، فهناك إذن صراع بين الانا الاعلى والهو ودور الانا هو التوفيق بينهما فإذا انفلت الهو من كل رقابة أو قيد وانطلق يشبع رغباته سيرتكب الجرائم لا محالة .

يرى فرويد أن متراكمات اللاشعور قد تتحول إلى عقد نفسية تدفع الشخص إلى التعبير عنها في صورة سلوك إجرامي ، والانسان عندما يعجز عن الكبت فإن هذا الكبت يصبح عقدة و عندما تحين الفرصة تخرج العقدة على شكل جريمة من أجل إفراغ الغرائز المكبوتة و هو ما سماه فرويد أنماط العقد .

أنماط العقد عند فرويد :

• زنى المحارم : هناك نوعان ، عقدة إلكترا ، وهي تعلق البنت بأبيها جنسيا و يكون هذا التعلق الجنسي مصحوبا بغيرة من أمها وكراهية لها لأنها تراها منافسة لها في ابيها لكن تبقى البنت حائرة عندما ترى حنان أمها عليها وتقع الجريمة حين يدفع الهو البنت إلى قتل أمها أو تتمرد عليها ولا تقع الجريمة حين تكبت البنت هذا الشعور وتدعه في منطقة اللاشعور ، النوع الثاني هو عقدة أوديب وهي تعلق الولد بأمه جنسيا .

• عقدة الذنب : الأنا الأعلى توجه لومها إلى الهو لأنه ارتكب جريمة مما يدفعه إلى ارتكاب جريمة ثانية ليتم القبض عليه وتوقيع العقوبة عليه فيتخلص من الشعور بالذنب ويتخلص من عقدة الذنب .

• عقدة النقص : تنشأ نتيجة الصراع الكامن في منطقة اللاشعور نتيجة شعور الانسان بالنقص في أحد أعضائه الخارجية أو مظهره أو أعضائه الداخلية أو الاحساس بخيبة أمل أو فشل اجتماعي تمنعه من الوصول إلى طموحاته فيدفعه الاحساس بالنقص إلى ارتكاب الجريمة كتعبير عن شعوره بالنقص .

تقييم نظرية فرويد :

• أول عيب تميزت به نظرية فرويد هو سقوطها في الخطأ المنهجي ثم صعوبة المصطلحات التي استعملها فرويد ، هذه المصطلحات لا تستند إلى أي دراسة علمية بل هي مجرد تخمينات من فرويد ويستحيل التأكد من صحتها فمصطلحات كالهو والانا الأعلى والانا كيف يمكن قياسها علميا وكيف يمكن إخضاع هذه المصطلحات للتجربة والملاحظة للتأكد من مصداقيتها بل ومن وجودها أصلا فهي تبقى مفاهيم غامضة ولم يأتي بها أي عالم غير فرويد .

• مبالغة هذه النظرية في إظهار العيوب النفسية والعقد والاختلالات العقلية و الاضطرابات العاطفية التي تدفع للجريمة وإغفالها للظروف الاجتماعية والطبيعية التي تساهم بدورها في الدفع إلى ارتكاب الجريمة .

• الخلل النفسي لا يمكنه لوحده أن يدفع إلى ارتكاب الجريمة فكل الناس تعاني من مشاكل نفسية ولا يقدمون على ارتكاب الجرائم .

• هذه النظرية تنظر إلى السلوك الاجرامي نظرة أحادية الجانب اي النفسي و تستبعد الظروف الاخرى .

📗 خلاصة الباب

  • يرجع الاتجاه التكويني السلوك الإجرامي إلى أسباب داخلية مرتبطة بشخص الفاعل، وأبرز فروعه النظرية البيولوجية عند لومبروزو (1836-1909) الذي أجرى تجارب على نحو 6000 مجرم وخلص إلى فكرة “المجرم بالفطرة” ذي السمات الجسمانية الشاذة الشبيهة بالإنسان البدائي، رغم الانتقادات الموجهة لمنهجه (التعميم من عينات فردية، إغفال العوامل الاجتماعية).
  • أما الاتجاه النفسي فيمثله فرويد، مؤسس علم النفس الحديث، الذي فسَّر السلوك الإجرامي بالصراع بين مكونات النفس الثلاثة (الهو، الأنا، الأنا الأعلى)، وربطه بعقد نفسية (كعقدة الذنب وعقدة النقص) تنشأ عن متراكمات اللاشعور، مع انتقادات تتعلق بصعوبة مصطلحاته والمبالغة في تحميل العامل النفسي وحده تفسير الجريمة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية