📖 علم الإجرام — الفصل 6 من 8 — فهرس الكتاب
الاتجاه الاجتماعي
يعطي هذا الاتجاه للعوامل الاجتماعية الأهمية القصوى والمطلقة في خلق الجريمة وكل افكاره ونظرياته متقاربة سنتناولها من زاويتين أساسيتين ، نظرية التركيب الاجتماعي أو الهيكل الاجتماعي ويندرج تحت نظرية الهيكل الإجتماعي خمسة نظريات هي:1- نظرية الصراع ، 2- نظرية اللانظام، 3- النظرية الإقتصادية ، 4- النظريه البيئية ، 5- النظرية العرقية ، ثم نظرية الكيفية الاجتماعية تعنى ببيان الميكاتيزم الذي يصير من خلاله الشخص مجرماً ، ومن أهم النظريات التي قيل بها في هذا الشأن: نظرية التقليد و نظرية الاختلاط الفارق .
نظرية التركيب الاجتماعي سيلين : أو الهيكل الاجتماعي ، تحاول الربط بين السلوك الاجرامي وبين هيكل وتنظيم المجتمع أو التركيب المجتمعي و سنتحدث هنا عن صراع الثقافات وهو وجود تعارض وتناقض بين قيم ومبادئ وثقافات معينة تسود مجتمعين وهذا الأمر يتخذ صورتين :
التنازل الاصلي الخارجي : يحصل عند تصادم ثقافة وقيم ومبادئ مجتمع مع ثقافة وقيم ومبادئ مجتمع آخر ، أي مجتمعين منفصلين مختلفين . مثال ذلك مهاجر عربي في الغرب قام بجريمة للدفاع عن شرف ابنته ظنا منه أن هذه الجريمة ستلقى قبولا من المجتمع الغربي بحكم ثقافته العربية لكن الواقع أن ثقافة المجتمع الغربي تتقبل الحرية الجنسية ، وكذلك في حالة سب الرسول صلى الله عليه وسلم فهي بالنسبة إليه جريمة وهي بالنسبة إلى المجتمع الغربي حرية تعبير .يقول سيلين إن سبب الجرائم هو تعارض وتضارب الثقافات لمجتمعات مختلفة لاستحالة الجمع والاندماج والتعايش بين مجتمعين مختلفين .
التنازع الثانوي الداخلي : حين يحصل التصادم بين ثقافتين مختلفتين داخل مجتمع واحد ، المجتمع الأمريكي نموذجا ، أو اللبناني ، حيث يسود تناقض بين ثقافات متعددة لأن المجتمع الأمريكي هو خليط بين ثقافات متعددة يؤدي إلى اضطراب اجتماعي ويؤدي إلى عدم التعايش بين الفئتين مما يؤدي إلى ارتكاب الجريمة لتمسك كل فئة بثقافتها وترفض ثقافة الآخر .
تقييم نظرية سيلين :
قد اصابت جزءا من الحقيقة لكن في نفس الوقت أخفقت وفشلت فشلا ذريعا في إعطاء تفسير للظاهرة الاجرامية حيث ركزت على العنصر الاجتماعي فقط وعلى نوع الجرائم التي تقع بسبب تنازع الثقافات مثل الجرائم ضد الاجانب لكنها لم تفسر لنا باقي الجرائم الأخرى كالسرقة والقتل حيث لا يوجد أن تنازع بين الثقافات .
نظرية التركيب الاجتماعي تعتمد في شرحها وتفسيرها للظاهرة الاجرامية على تركيبة أو هيكل المجتمع ، هذا الاتجاه يرفض ربط الظاهرة الاجرامية بالذات سواء من الجانب البيولوجي أو النفسي ويعتقد أن الجريمة تك من في اسباب خارجية بعوامل اجتماعية مختلفة ، وصعب على هذا الاتجاه أن يجد السبب الحقيقي المحض الذي يدفع الانسان للجريمة لتعدد الاسباب الاجتماعية
نظرية اللانظام : دوركهايم
هو عالم اجتماع خلص إلى العديد من النتائج ، يقول أن الجريمة هي ظاهرة حتمية في مجتمع معين وهي ظاهرة اجتماعية ولم يقل لها اسباب بيولوجية أو نفسين أو عقلية وإنما اجتماعية حيث يقول أنه لا يوجد مجتمع يخلو من الجريمة وأن كل مجتمع كيفما كان نوعه ومستواه الدراسي والعلمي والثقافي لديه إجرام وأنه من المستحيل وجود مجتمع بلا جريمة ، فيستحيل أن يكون جميع الناس أخيارا صالحين فمن الضروري أن يتواجد أناس اشرار ، فالجريمة إذه حسب دوركهايم هي ظاهرة عادية طبيعية عادية ترتبط بوجود نظام مجتمعي ، فالجريمة تساوي المجتمع والمجتمع يساوي الجريمة ، وبما أنها ظاهرة طبيعية فلا يجب أن نبحث عن اسباب الجريمة في التكوين النفسي والعقلي أو البيولوجي ورفض ربط السلوك الاجرامي بتكوين المجرم بل قال أن الجريمة سلوك يكتسبه الانسان من المجتمع الذي يعيش فيه باعتباره كائنا اجتماعيا فيه فالمجتمع هو الذي يصنع الجريمة من خلال ما يجرمه من افعال وسلوكات ، وقال بأن الجريمة هي ظاهرة طبيعية وصحية لإحداث التغيير الاجتماعي وبدون جريمة سيصاب المجتمع بالركود فالجريمة حسب دوركهايم ظاهرة مفيدة لتطور القانون والأخلاق في المجتمع وهي أمارة من أمارات تطور وتقدم المجتمع ، ثم قال إن الجريمة هي دليل على الحرية الموجودة في هذا المجتمع ، ثم يؤكد أن القانون الجنائي هو انعكاس لنوع النظام السائد في المجتمع ونعرف ذلك من خلال نوع العقوبات كتواجد العقوبات البديلة ومراكز الاصلاح والتأهيل والادماج ، فالمجتمعات البدائية مثلا كان قانونها الجنائي صارما وحشيا دمويا لا يعرف هذه العقوبات الحضارية ولا يعرف ثقافة إصلاح وإدماج المجرم بل يفكر فقط كيف يعاقب .
إذن حسب دوركهايم الجريمة ظاهرة مفيدة في المجتمع تساعد على تغير المجتمع وتطوره وتطور قوانينه ، فإذا قلت الجريمة في مجتمع ما فإن هذا المجتمع في خطر والخطر القادم أكبر من خطر وقوع الجريمة ، فيجب أن تسيل الدماء ليتكلم المجتمع ويقوم المشرع بتشريع القوانين والقضاء بتطبيقها وتدور الدائرة ، والفائدة الأخرى أن المجتمع يتغير حينما تظهر الجريمة ويتغير النظام أيضا ، فيمكن القول أن دوركهايم أعطى للجريمة أبعادا أخرى ونظرة جديدة حيث اعتبر الجريمة ظاهرة مفيدة صحية وضرورية لتغيير المجتمع والنظام السائد .
كل النظريات في علم الاجرام التي سبقت دوركهايم كـ لمبروزو ، فرويد ، سيلين ، فسروا الجريمة كأنها ظاهرة غير صحية وتعبر عن مرض أو خلل ما ، لكن دوركهايم اعتبر الظاهرة طبيعية عادية صحية بل واعتبرها مفيدة للمجتمع من أجل تطوره قانونيا وأخلاقيا وقال بأنه ت فاجأ من دراسته ولم يكن يعلم أنه سيصل إلى هاته النتيجة ، وهو يجزم أن الجريمة مهما تنوع المجتمع ستبقى موجودة لأنه من المستحيل أن يتماثل الجميع للنظام فمن الطبيعي أن يخرج البعض عن النظام والتركيبة الاجتماعية .
اللانظام أو اللاقانون عند دوركهايم : يقول دوركهايم بأن أهم تركيبات المجتمع تكمن في تماسكه ونظامه الاجتماعي بين أعضائه وهو ما يشكل الضمير الجماعي للمجتمع وخلص إلى أن هناك نوعين من التضامن آلي و عضوي .
التضامن الآلي : كان يسود المجتمعات البدائية حيث كان يسود ضمير اجتماعي آلي متماسك متضامن اجتماعيا تحكمه القواعد القانونية السائدة ، وكان المجتمع يفرض جزاء ماديا إذا تم الاخلال بهذه القواعد ، ومن شأن هذا الجزاء تهذيب السلوك وضمان احترام التضامن الاجتماعي في المجتمع ، ويبدو أن فكرة دوركهايم عن المجتمعات البدائية كانت تقوم على التضامن حيث كانت مجتمعات زراعية ، وهو عكس لامبروزو الذي ينظر إليها على أنها مجتمعات متوحشة وأن الانسان البدائي إنسان متوحش فـ دوركهايم يعتقد أن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات متماسكة متضامنة يسود بينها ضمير متحد متماسك ، سماه التضامن الآلي الاجتماعي ، وهذا التضامن يسوغه ذلك المجتمع على شكل قواعد قانونية ويفرض جزاء على من يخالف هذه القواعد و يكون جزاء رادعا ، إذن هي مجتمعات بدائية متضامنة تقل فيها معدلات الجريمة ويسود فيها نوع من الوحدة .
التضامن العضوي : يسود المجتمعات الحديثة ، القائمة على تقسيم العمل، فهي مجتمعات صناعية حيث تضعف فيها عوامل التضامن الاجتماعي التي كانت تعرفه المجتمعات الزراعية البدائية ، هذه العوامل آثرت على القانون الجنائي وعلى قيم المجتمع وعوامل التجانس والتعاون ، هذه الاختلالات في تكوين المجتمع سوف تؤثر على فلسفة القانون الجنائي حيث انتقل من مركز الاهتمام من الضمير الجماعي إلى الضمير الفردي ، واصبح القانون الجنائي يهتم بتعويض المجني عليه أكثر من اهتمامه بإلحاق العقوبة بـ الجاني ، فالقانون البدائي كان كل همه إلحاق العقوبة بالجاني بينما القانون الجنائي المعاصر تغلب عليه صفة تعويض المضرور ، وهو ما أدى إلى تراجع العواطف وإحساس الفرد بالعزلة المعنوية والاجتماعية الشيء الذي خلق اللانظام أو اللاقانون ، اي تحول المجتمع من مجتمع تضامني إلى مجتمع لانظامي ، من مجتمع قانوني إلى مجتمع لاقانون ، والفرد في مجتمع اللانظام واللاقانون يحس بالتمرد على هذه القيم الجديدة لأنه يحس على أنها لا تلبي حاجياته الأساسية مما يخلق لديه حالة من اللانظام أو اللاقانون ، هذه الوضعية يسهل فيها ارتكاب الجريمة ، هكذا تزداد الجريمة كلما انتقلنا من مجتمع زراعي متضامن إلى مجتمع صناعي .
حاول دوركهيم أن يجعل من الموضوعية والعلموية والتجربة أهم مكونات نظريته السوسيولوجية بعيدا عن كل خطاب تاريخي أو فلسفي ، فآمن أن العلم هو مقياس كل شيء ولا جدوى للفلسفة في تفسير الواقع الاجتماعي ذي الطبيعة المركبة ، لهذا فقد أراد دوركهيم أن يؤسس علما جديدا هو السوسيولوجيا التي أرادها أن تكون على شاكلة العلوم الاخرى كالطب والفيزياء وقد واجه عقبات منهجية في معالجة الجريمة و دوافعها .
كان أول عمل تميز به دوركهايم هو تحقيق القطيعة مع النزعة الفردية التي سيطرت على الاعمال الفكرية في القرن 18 وقد تميزت بكونها قطيعة معرفية ( ايبيستيمولوجية ) تنصرف الى دراسة الظواهر الاجتماعية ومدى تأثيرها في أفكار الفرد ، فهو لم يسلم بأن الفرد هو أساس تقييم الاشياء كما لم يسلم بأن المجتمع لا يتكون إلا من مجموع الافراد ، وخلص إلى وجود شيء آخر أطلق عليه الشيء الاجتماعي الذي يختلف عن سمات و مكونات كل فرد ، واعتقد بقوته التي تفوق مجموع قوات افراده وعبر عن ذلك بالضمير الجماعي ، وهو ما جعل دوركهايم يعتقد أن المجتمع وجد قبل الفرد وله الاولوية والاسبقية ، لذلك فتأثيره قوي على الفرد ، بل ويمارس نوعا من القهر والالزام على الافراد ، و يوجب عليهم أن يضعوا سلوكهم في قالب معين ، هكذا يشعر الفرد بقوة رادعة إذا ما أراد الخروج عن العرف الاجتماعي فيضطر للخضوع للقهر الاجتماعي وقد وضع دوركهايم مجموعة قواعد رأها أساسية في هذا العلم وهي :
• تحديد موضع علم الاجتماع تحديدا لا يجعل هذا العلم يختلط بأية دراسة علمية أخرى واعتبار الظواهر على أنها مجرد أشياء . أي ان نلاحظ الظواهر الاجتماعية بتجرد و موضوعية ونكتشفها معرفة علمية مثلما نكتشف الظواهر الطبيعية دون تحيز .
• أن يكون موضوع علم الاجتماع من الم وضوعات التي يمكن ملاحظتها وتفسيرها بالطرق العلمية
• الدراسة العلمية للفعل الانساني لا يجب أن تقوم على أي حكم مسبق
• يجب على الباحث أن يعمل للوصول الى صور متطابقة للحقائق متجنبا في ذلك كل تشويه ناتج عن ميولاته وأهوائه الخاصة .
واعتقد دوركهايم بأن الجريمة حالة طبيعية وضرورية لكل مجتمع متفاعل و يجب أن نعترف بها كمتلازمة للمجتمع الذي ينشد التطور والبناء ، وفسرها بأنها مرض اجتماعي يقابله ظواهر سليمة و يجب قبول الجريمة على أنها تعبير له وظيفته الاجتماعية وهو ظاهرة عادية طبيعية لعدة أسباب :
• وقوع الجريمة في المجتمعات ظاهرة مرضية عادية وتلازم اي مجتمع كيفما كان
• تصبح غير عادية حين ترفتفع فوق المعدل المقرر لها
• انخفاض الجريمة عن المتوسط يعتبر ظاهرة غير سوية وهو يدل على حالة قمع وقهر وخنق للتطور والابداع والابتكار
• لا يمكن اعتبار الجريمة مرضية حينما لا تؤثر سلبيا في المهام الوظيفية للمجتمع حيث أنها من صفات المجتمع وتركيبته .
كما تحدث دوركهايم على مفهوم الانومية أو اللامعيارية واعتبرها سببا للانحراف الاجتماعي و تعني حالة اللاقانون أو اللانظام الذي يجد الفرد نفسه فيها ويجد الفرد نفسه عاجزا عن تحقيق الرغبات الطبيعية التي بدونها لا يمكن للحياة أن تستقيم أي الحد الادنى من الرغبات الضرورية أي أن المجتمع لا يستطيع توفير الحاجيات والرغبات الضرورية للفرد فيدفعه للبحث عن هذه الرغبات عن طريق الجريمة نتيجة غياب معيار أو قاعدة يستند إليها في سلوكه السوي داخل المجتمع .
تجدر الاشارة إلى أن دوركهايم لم يدافع عن الجريمة لضرورة وقوعها في المجتمع وإنما نادى بضرورة الحفاظ على الحالة العادية والسوية في المجتمع ، وعلل ارتكاب الجريمة طبقا لما تقتضيه المؤسساتية وماتلزمنا به الحياة الاجتماعية ولا يرى أي مانع من توقيع العقاب على المجرم الذي يمس الضمير الجماعي ويمكن أن يكون مجرد لوم في حالة مس خفيف به ، هكذا أسس دوركهايم مدرسته السوسيولوجية التي ستعرف امتدادات وتأثيرات تجاوزت حدود فرنسا إلى العالم الجديد .
انتقاد نظرية دوركهايم
رغم أهمية هذه النظرية إلا أنها تعرضت لعدة انتقادات حيث اتهم دوركهايم بتشجيع الجريمة ، كما أن الربط بين استمرارية الجريمة وكونها ظاهرة طبيعية أمرين غير متلازمين فاستمرارية الجريمة لا تعني أنها ظاهرة طبيعية ، وتساءل البعض إذا كانت الجريمة ظاهرة طبيعية لماذا أجهد دوركهايم نفسه في البحث عن اسبابها ، ثم أن نظريته ربطت بين الجريمة وتنظيم المجتمع ولم توضح لنا الكيفية التي يصبح بها الفرد مجرما ، وإذا كانت تركيبة المجتمع تجعل بعض الافراد مجرمين فلماذا لا يرتكب البعض الآخر الجرائم .
نظرية روبرت ميرتون
هو عالم أمريكي ، تأثر كثيرا بنظرية دوركهايم ، لكن ما يميزه هو محاولته الاجابة عن ما لم يجب عنه دوركهايم ، لماذا يركتب البعض الجريمة ولا يرتكبها البعض الآخر ، رغم وجودهم تحت نفس الظروف الاجتماعية ونفس التركيبة الاجتماعية .
شكلت قفزة نوعية في الفهم العلمي لمشكلة السلوك المنحرف ، حيث تجاوز ميرتون العوامل المنعزلة والاهتمام بالبنية الاجتماعية وتناقضاتها ، واعتمد على نظرة متكاملة للمجتمع الامريكي ، لذلك انطلق من تحليل بنية المجتمع الامريكي ومحاولة معرفة الاسباب الحقيقية التي تدفع إلى الجريمة ، لذلك نجد ميرتون يصب كامل مجهوداته على البنية الاجتماعية و يحلل عناصرها ويدرس التفاعل الذي يحصل بين هذه العناصر وقد يؤدي إلى سلوكات متنوعة إما متمردة أو جانحة أو استسلامية ، وتوصل إلى حصر هذه الانماط السلوكية اعتمادا على مفهوم اللامعيارية الذي يجعل المجتمع بدون معيار يعتمد الناس عليه لتحقيق رغباتهم فيضطرون إلى الاجرام .
لكن مفهوم الأنومية أو اللامعيارية عند ميرتون تختلف عن تلك التي عند دوركهايم ، حيث أنه يرجع سبب الجريمة إلى ردود فعل الفرد وتكيفه مع التناقضات التي تفرزها ثقافة المجتمع والمفاهيم المنبثقة عن بنية التنظيم الاجتماعي ، وحين فسر دوركهايم بأن اللامعيارية هي عدم استجابة المجتمع لنزوات الافراد ورغباتهم الطبيعية فإن ميرتون ذهب إلى أن أغلب هذه الرغبات والغرائز ليست بالضرورة طبيعية وإنما مجموعة من الاغراءات التي ينتجها المجتمع وتكرسها الثقافة السائدة وعدم توفير الامكانيات واتاحة الفرص للجميع لتحقيقها وجعلها متاحة للبعض وصعبة المنال للبعض الاخر و محاولة الفئة المحرومة من تحقيق طموحاتها بالطريقة غير الشرعية بعدما حرمت ذلك بالطرق الشرعية .
والوسائل العلمية التي يعتمد عليها ميرتون لدراسة كل بنية اجتماعية تنحصر في أمرين :
الاهداف : فالمجتمع يحدد مجموعة من الاهداف التي يسعى جميع افراده لتحقيقها وتكون مرتبة وقف سلم من القيم متفاوتة الأهمية .
المعايير : وهي مجموعة من القواعد التي تحكم السلوك وتضبط وسائل الوصول إلى هذه الاهداف ، والمجتمع هو الذي يسهر على ضبط هذه الوسائل والطرق لكل صنف حسب قيمته الاجتماعية فهناك طرق مثلى وطرق مستحسنة وطرق ممنوعة .
وعلى ضوء هذين العنصرين يحدد المجتمع القواعد السلوكية ، و سلوك الانسان مرتبط بمدى تلازم هذين العنصرين و ترابط العلاقة بينهما ، فكلما كانت الصلة متوازنة كانت السلوكات متوازنة ، لكن إذا حصل تأكيد على الأهداف مع تراخي في المعايير أي الوسائل هنا تصبح كل الوسائل صالحة للوصول الى الهدف فنكون أمام بنية مجتمعية غير متكاملة ومصابة بالخلل ، أما حين يحصل التوازن فنحن أمام سلوكات طقسية أما حين تعطي بنية المجتمع وزنا أكبر للأهداف على حساب المعايير تصبح النقود معيار كل شيء فتشجع الوصول الى الاهداف بطرق غير مشروعة فيتعرض المجتمع لحالة عدم انتظام ويحصل الانحراف بدل العدالة الاجتماعية وهي حالة المجتمع الامريكي وقد نتج عن حالة اللامعيارية ظهور بعض الافكار والنظريات التي حاولت أن تغطي النقص في شرح ظاهرة الانحراف مثل نظرية الصراع الثقافي عند تورتسين التي تشرح السلوك غير السوي .
يقول ميرتون أن كل مجتمع له خاصيتين اساسيتين :
الخاصية 1 : التركيبة الاجتماعية لكل مجتمع تتبنى أهدافا يطمح الجميع إلى بلوغها ، ففي المجتمع الأمريكي يطمح الجميع أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة ، فهو مشروع الجميع ، ربما قاضيا ، وزيرا رجل أعمال ، كلها أهداف يضعها المجتمع الأمريكي .
الخاصية 2 : المجتمع يضع وسيلة لبلوغ هاته الاهداف ، فالقاضي يجب أن يدرس في كلية الحقوق ، إذن التركيبة الاجتماعية ترسم أهدافا وتضع لها وسائل مشروعة .
يقول مريتون أن هناك 5 احتمالات لتعامل الناس مع هذه القاعدة
• التطابق : حين يقبل الفرد الغاية والوسيلة التي وضعها المجتمع لبلوغ الهدف ، هنا الشخص تلائم اجتماعيا حيث تطابق سلوكه مع القواعد التي ينظمها المجتمع ، فهو شخص لا يتمرد على الاهداف ولا على الوسائل ، هو شخص مثالي لا يخرق القانون ولا يمكن أن يجرم .
• تحديد : وهي حالة قبول الهدف ورفض الوسائل ، وهي حالة المجتمع حين يضع الأهداف ويضع الوسائل لكنها تكون في صالح الطبقة العليا وليست في صالح الطبقة الدنيا مما يدفع افراد هذه الطبقة إلى ارتكاب الجريمة ، فنقابة المحامون مثلا تضع شرط 10 ملايين سنتيم تدفع لنقابة المحامين لكي يحصل الناجح في مباراة المحاماة على تزكية النقابة ويستطيع ممارسة المهنة .
• التعلق بالطقوس : الشخص يرفض الهدف ويقبل بالوسائل لكنه يكون في حالة عدم شعور بالطموح والرغبة في التغيير ونيل ما هو أحسن ، هي الطبقة الوسطى في المجتمع ، يقبلون بأوضاعهم غالبا ويرضون ولا يكون لديهم أي طموح ، يعيش عاديا ويموت عاديا المهم عنده أن يأكل الخبز ويعيش بسلام ولا يدخل في صراع مع المجتمع أو النظام ، فهو لا هدف له ولا طموح ولا يتصور أن يخرق القانون .
• التراجع : يقبل بالهدف وبالوسيلة المؤدية إليه لكنه يفشل في الوصول إلى أهدافه بالطرق المشروعة وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يلجأ إلى أهدافه بالطرق غير المشروعة ، يحدث هذا في الطبقة المنبوذة اجتماعيا ، المتشردون ، المنبوذون ، المتسولون ، مدمنو المخدرات ، هذا النوع من الفئات لا يرتكبون الجرائم .
• التمرد : رفض الأهداف والوسائل ومحاولة إقامة نظام اجتماعي جديد مغاير ، هم الثوار ، هذه الفئة حسب ميرتون ترتكب الجرائم في سبيل الوصول إلى الاهداف .
الانتقادات الموجهة لنظرية ميرتون :
نظرية ذات طابع نظري محض ، ولم تعتمد على تجارب وأبحاث علمية للتأكد من صحة فرضياته وهو يضع 5 فرضيات لنظريته لكنه لم يقم أبدا بأي تجربة علمية أو بحث علمي للتأكد من صحتها ، رغم أن زمن النظريات الفكرية قد انتهي مع عهد لامبروزو وكل نظرية لا تعتمد على أبحاث علمية وتجارب للتأكد من صحتها تبقى مجرد نظرية لا مكان لها من الصحة .
التحليل الاقتصادي
رائدها ماركس و إنجل ، عرفت اتجاها جديدا لشرح الاجرام الذي أصبح مرتبطا بالعالم الاقتصادي ، فتبعا للنظرية الاشتراكية فإن الواقع الاقتصادي والمادي هو الذي يحدد افكار الانسان وبالتالي ميولاته الاجتماعية والثقافية ، وبعبارة ادق فالنظام الرأسمالي هو السبب في انتشار الجريمة ، ويفترض أن المجتمع الاشتراكي تنعدم فيه الجريمة .
سوف نقوم بتحليل السلوك الاجرامي انطلاقا من تحليل أو مقارنة نظامين اقتصاديين أو سياسيين هما النظام الاشتراكي والرأسمالي ، و ربط الظاهرة الاجرامية بمختلف الأوضاع الاقتصادية و اعطاء الجريمة تفسيرا اقتصاديا ، هذا التصور تطور على يد كارل ماركس و فريدريك على اثر اعلان البيان الشيوعي الصادر سنة 1948 .
النظرية الاشتراكية حاولت اعطاء تفسير للظاهرة الاجرامية من خلال ربط السلوك الاجرامي يميكانزمات الرأس مال واهمها الملكية الخاصة والمنافسة الحرة و العرض والطلب ، مبدأ الحتمية الاقتصادية يخلق الجريمة ، بل هو العنصر الوحيد الذي يخلق الجريمة حسب نظر الاشتراكيين ، والنظام الرأسمالي هو الشيطان الوحيد في هذا العالم وهو منبع كل الشرور بما فيه الجريمة ، ففي نظر ماركس الملكية الفكرية والمنافسة الحرة و العرض والطلب وتقسيم المجتمع الى طبقة عاملة فقيرة تزداد فقرا وطبقة غنية تزداد غنى و تتحكم في الاقتصاد .
يقول كارل ماركس إن الجريمة تتولد من زاوتين :
الزاوية الاولى : رغبة الطبقة الرأسمالية في تحقيق اقصى ربح يدفعها الى ارتكاب جرائم من قبيل الرشوة والتهرب الضريبي والجمركي و تهريب الاموال والغش وعدم الحرص على حماية المستهلك ، فمن أجل تحقيق الربح يتم التعسف على جميع القوانين بصفة عامة والقانون الجنائي بصفة خاصة فيصير القانون في خدمتهم ، لأن رجال الأعمال يتدخلون في صياغة القوانين وتشريعها مثلا قانون حماية المستهلك في المغرب ظل 30 سنة لا تستطيع الدولة تمريره لوجود صعوبات تتمثل في ضغط رجال الاعمال على المشرع كي لا يتم تفعيل هذا القانون ، كما أن القانون يتعامل بانتقائية كبيرة فرجل الأعمال الذي يرتكب جريمة يحكم عليه بعقوبة بسيطة بينما الفقير يحكم عليه بعقوبات مشددة ، فليست هناك معاملة بالمثل ، لذلك يقال من يملك المال يملك القانون .
الزاوية الثانية : اقدام الطبقة الكادحة على ارتكاب الجرائم للحصول على المال وقضاء حوائجهم اليومية من أجل العيش وأحيانا انتقاما من الطبقة الغنية الاستغلالية ، فالشعور بالحرمان والاقصاء وعدم تكافؤ الفرص كلها تدفع الى ارتكاب الجريمة .
تقييم هذه النظرية
لا أحد ينكر أن هذه النظرية لامست زوايا حقيقية وأن الظروف الاقتصادية تؤثر بشكل واضح على الافراد وتدفعهم الى ارتكاب الجريمة من حيث الكيف والكم وأن انتقال المجتمع من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي ساهم أيضا في انتقال الجريمة من جريمة تعتمد على القوة العضلية إلى جريمة تعتمد على الذكاء و الحيل ، كجرائم الشركات والبورصة والتهرب الضريبي والتزوير والجرائم الالكترونية ، هذه الجرائم تبقى غير قابلة للبروز وهي جرائم اقتصادية جرائم اقتصادية لكنها تدخل ايضا في المجال السياسي والقوانين دائما ما تقوم بحماية أصحاب هذه الجرائم .
يعاب على هذه النظرية أن العامل الاقتصادي لا يصلح وحده لتفسير الجريمة ولو اصاب جزءا من الحقيقة ولو كان العامل الاقتصادي وحده الذي خلق الجريمة لما أجرم الناس في المجتمعات الاشتراكية وظلت الجريمة قاصرة على المجتمعات الراسمالية ، بالمقابل هناك الكثير من الناس في مجتمعات راسمالية ولا يرتكبون الجرائم رغم ظروفهم الاقتصادية الصعبة ، لذلك يمكن القول أن نظرية ماركس هي نظرية خاطئة لأنها اقتصرت على العامل الاقتصادي وحده في تفسير الظاهرة الاجرامية ، خصوصا أن ليس كل الجرائم دافعها اقتصادي ، فجرائم الاغتصاب والقتل والاعتداء والجرائم الاخلاقية لا يلعب فيها الاقتصاد أي دور .
النظرية البيئية :
هذه النظرية تقوم على ربط الجريمة بالبيئة المحيطة بالانسان فقد قام بيير شو بدراسة على وسط مدينة شيكاغو ولاحظ أن الجريمة تقل كلما ابتعدنا عن وسط المدينة ، ولاحظ أن أعلى معدلات الجريمة تحدث في الاماكن المكتظة بالناس والواقعة بالقرب من مراكز الاعمال والمفككة اجتماعيا ، شيكاغو كانت مدينة اقتصادية وكان الكثير يهاجر إليها من أجل العمل فجمعت العديد من المهاجرين من شتى المناطق ، فحدث اختلال اجتماعي ، واختلاف ثقافي و عرقي مما أحدث تفككا اجتماعيا ، هذا الخليط غير المتجانس نتج عنه صراعات اجتماعية ، كما لاحظ أن معدل الجريمة يرتفع في الاماكن المهجورة التي هجرها سكانها الاصليون وحل محلهم سكان هامشيون مثل الافارقة الأمر الذي يدفع للجريمة .
تقييم هذه النظرية :
اعتمد شو في دراسته على منهج علمي وهو الاسلوب الاحصائي و ركز على المناطق التي يكثر فيها الناس والاعمال الجريمة قد تحدث حتى في الاماكن التي يعيش سكانها في رغد من العيش ، لذلك قال بعض المفكرون أنه يجب إخراج الطبقات الفقيرة و المهاجرة من المدن الكبرى لمناطق هامشية بعيدا عن مراكز المال والاعمال حتى لا تحدث الجريمة ، مثال ذلك الاحياء التي يسكنها الافارقة في طنجة ، لكن يبقى طلبا غريبا من علماء القانون الجنائي ولا يمكن أن تستجيب له السياسة الجنائية ، ثم أن شو قال بأن الجريمة تحدث في مراكز المال والاعمال والمراكز التجارية الكبرى وكلما ابتعدنا عنها قلت الجريمة ، لكن هل هذا صحيح ؟ فربما يكون نشاط الشرطة في هذه المدن كثيفا أكثر من المدن الهامشية فتظهر الجرائم وتضع الشرطة يدها عليها بينما يتعذر ذلك في المدن الصغرى ولا تصل إلى يد الشرطة يعاب أيضا على هذه النظرية أنها لم تعط تفسيرا متكاملا لكل أنماط الجرائم وإنما اقتصرت على نمط إجرامي معين .
النظرية العرقية :
سيلين هو عالم أمريكي ، وعموما جميع علماء التركيب الاجتماعي هم أمريكيون ، درسوا الجريمة انطلاقا من المجتمع الأمريكي الذي يعتبر خليطا من العديد من الثقافات ، لذلك فتفسير الجريمة في المجتمع الأمريكي يختلف عن التفسير في المجتمع الاوروبي أو المغربي .
النظرة العرقية حاولت ربط السلوك الاجرامي بالجنس والعرق واللون ، وحاولت إقناعنا بأن بعض الاعراق أقرب الى الجريمة من الأعراق الأخرى ، فالسود مثلا ترتفع لديهم معدلات الجريمة وبالمقابل يقل مستوى الجريمة في الصين واليابان وفسروا ذلك أن هذه المجتمعات تتميز بنظام متماسك وأخلاق وتركيبة اجتماعية محصنة قوية ومتماسكة في المقابل هناك هشاشة في التركيبة الاجتماعية لدى طائفة السود .
انتقادات لهذه النظرية :
في العصر الحديث لا يمكن لعنصر معين أن يكون السبب في الجريمة ، ويمكن اعتبار هذه النظرية قاصرة واقتصرت على الزنوج ولا يمكن تعميم النتيجة ، فالانسان الابيض ايضا يرتكب الجرائم ويمكن القول أنها نظرية عنصرية أغفلت جانبا مهما وهو أن نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة يشجع السود على ارتكاب الجرائم حيث يعانون الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي والعنصرية كما أن ظروفهم الاقتصادية صعبة ويعانون من الحيف في تطبيق العقوبة الجنائية فالرجل الأبيض تبقى له امتيازات جنائية ، ثم أن نشاط الشرطة يزداد في مناطق السود أكثر من مناطق البيض والقضاة دائما يكونون من السكان البيض مما يجعل احتمالية التعسف في الحكم قائمة ، فعندما يكون الابيض مجرما يتم التعامل معه بمحاباة بينما يتم توقيع أقسى العقوبات على المجرم الاسود .
نظريات التركيب الاجتماعي على الرغم من أهميتها تبقى دراستها منطلقة من تركيبة ونظام المجتمع بعيدا عن التفسيرات البيولوجية والنفسية ، ومع ذلك تبقى قاصرة عن اعطاء تفسير موحد للظاهرة الاجرامية ، فليس هناك تلازم بين الجريمة والمعيشة في ظل تركيبة اجتماعية معينة ، بمعنى أن نظريات التركيب الاجتماعي قد فشلت فشلا ذريعا في الاجابة عن السؤال الجوهري والاساسي ” لماذا يرتكب الانسان الجريمة في نظام اجتماعي معين دون آخر .
نظرية الكيفية الاجتماعية :
هذه النظرية تبحث في الطريقة التي تصير بها الانسان مجرما ، وهي تنقسم إلى العديد من النظريات سنقف فقط عند نظرتين الاولى نظرية التقليد عند كابرييل طارد والثانية نظرية الاختلاط الفارق لــ ساندرلاند .
نظرية التقليد عند كبريال طارد :
كبريال طارد هو قاض وعالم اجتماع فرنسي وهو أستاذ لعلم الاجتماع ، عاش ما بين 1834-1904 ، الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها نظريته هي أن الجريمة ليست سلوكا موروثا وإنما هي سلوك مكتسب وأن الانسان لا يولد مجرما وإنما يكتسب السلوك الاجرامي ، وهو ما يشكل نقيضا لنظرية لامبروزو والاتجاه البيولوجي عموما ، فهو يقول اي كبريال كارل أن الانسان يندفع إلى ارتكاب الجريمة تحت تأثير عوامل اجتماعية أهمها التقليد ، حيث يتم تقليد المجرمين في سلوكاتهم ، هذه النظرية قد تكون أجابت عن جانب من الحقيقة لأن هناك بعض الاشخاص في المجتمع ارتكبوا جرائم لأنهم تمثلوا نموذجا اجتماعيا سيئا ، لكن ما يعاب على هذه النظرية أنها أحادية الجانب ، فهي لا تستطيع أن تفسر لنا كل أنماط الجريمة ، ثم إغفالها للعوامل النفسية والبيولوجية والعقلية التي تدفع الانسان نحو السلوك الاجرامي .
كابرييل طارد هو النقيض لدوركهايم في مدرسة المحيط الاجتماعي حين يتعلق الأمر بشرح أسباب الظاهرة الاجرامية ، فهو يختلف معه في الاصل وفي التكوين وفي الفلسفة .
ألف كتبا أهمها الاجرام المقارن و الفلسفة العقابية و قوانين التقليد و دراسات جنائية واجتماعية ، ويبقى كتابه الفلسفة العقابية متميزا نظرا لأهميته المنهجية حيث عمد فيه طارد إلى التصدي لمزاعم المدرسة الوضعية خاصة العضوية وفند حججها بالدليل والتحليل العلمي ، هكذا صفى حساباته مع المدرسة العضوية علميا ومنهجيا ثم هيأ الارض لنشر افكاره العلمية حول الجريمة بعيدا عن فكرة المجرم بالولادة .
يتوقف طارد عند المحيط الاجتماعي ويعتبره سببا مهما في تحديد سلوك المجرم ، ويلفت الانتباه إلى أن أغلب المجرمين عاشوا بطفولة تعسة وعانوا من الحرمان العاطفي ورقابة الاسرة مما جعلهم يلجأون للاجرام من أجل العيش ، كما أن المدنية تجعل الجريمة تعتمد أكثر على الدهاء والغدر والخبث ، ويعطي طارد وصفا دقيقا للمجرم فيقول عنه بأنه شخص عود نفسه منذ صغره على الكراهية والحقد والحسد وأغلق على نفسه باب الرحمة والعطف ، كما أنه تمرس على تقبل الصدمات وتخزينها وتحمل الشدائد والصعاب ومختلف أشكال المعاناة ، حتى تبلد الحس والشفقة لديه مما أفقده كل مشاعر الرحمة نحو الاخرين وكنتيجة لهذا التكوين النفسي الاجتماعي ينمو هذا الفرد متحفزا لارتكاب الجريمة والشرور والعنف ويكون محظوظا إلى لم يرتكب جريمة قتل في حياته ، هكذا يقول طارد بأن احتراف الجريمة يتطلب تدريبا مثلها مثل أي حرفة من الحرف مع فارق بسيط هو ان المجرم يتربى في بيئة إجرامية تساعد على انخراطه في عالم الجريمة .
ويلاحظ أن طارد بقي متشبثا بقانونه الاخلاقي الذي ربطه بالجريمة واعتبر أن مستوى الاجرام هو المؤشر الحقيقي للأخلاق في مجتمع معين وهذا التلازم بين الاخلاق والجريمة يعكس اعتقاده الراسخ أن دائرة الاخلاق ودائرة القانون هما متماسكتان لا تقوم الواحدة دون الاخرى .
وقد اعتمد طارد على فكرة التقليد وجعل لها قوانين تحكمها لتشرح ميكانيزمات الجريمة ، وهذه المقومات تنبع من مقومات علم النفس الاجتماعي الذي يكشف عن استعداد الافراد للمحاكاة وتقليد بعضهم بعضا في السلوك الاجرامي ، هكذا يرى طارد أن قانون التقليد مسؤول عن انتاج مجرمين ، هذا القانون يتكون من 3 قواعد ، الاولى تقتضي أن التقليد يذهب من الداخل للخارج أي أن الطفل يقلد الانسان القريب أسبق من تقليده للانسان البعيد فالطفل يقلد الاقربين ويصبح مجرما ، القاعدة الثاني فتفيد أن التقليد يأخذ طريقه من القوي إلى الضعيف أي أن الافراد ذوو المكانة المرموقة يؤثرون في أصحاب المكانة الاجتماعية العادية فيقلد المجرم رؤساءه في العصابة ، أما القاعدة الثالثة فترتكز على وجود موضات داخل فكرة التقليد نفسها بالضبط كما يوجد موضة في الملابس ، فالموضة الجديدة تطرد الموضة القديمة وتأخذ مكانها فالاجرام يتطور ويفرض نفسه على المجرم بالوسائل الجديدة كخطف الطائرات .
نظرية الاختلاط الفارق لـ ساندرلاند : هو عالم اجتماع أمريكي واستاذ بالجامعة الأمريكية ، صاغ نظريته سنة 1939 ، وأكملها فيما بعد سنة 1950 دونالد كريستي ، حيث قالت النظرية بأن الشخص لا يولد مجرما وإنما يكتسب الاجرام ، فالسلوك الاجرامي سلوك مكتسب وليس موروثا ، وهو يتم عن طريق التدرب والتعلم فهي صنعة يتم احترافها بعد تعلمها ، فالجريمة لا تقع بصفة تلقائية اعتباطية وإنما هي مكتسبة بعد الاختلاط بمجتمع الفاسدين والاحتكاك بالمجرمين والتعلم منهم والتدرب على يدهم واقتباس سلوكاتهم الاجرامية ، والفرد يصبح مجرما بعد أن يتغلب لديه التفسير المخالف للقانون على التفسير المطابق للقانون ، و حينما يختلط مع جماعة تحرص على احترام القانون تقوى لدى هذا الشخص المناعة
وعندما يختلط الشخص مع نماذج المجرمين والاشرار في المجتمع فسلوك الجريمة ينتقل إليه بالتعلم والتدرب شيئا فشيئا وهو ما سماه ساندرلاند بالاختلاط الفارق ، لأن هناك فرقا بين من يختلط مع جماعة الفاسدين وبين من يختلط مع جماعة الصالحين ، حيث تقوى مناعته ضد الجريمة ، ويتعلم الاخلاق والانضباط
صاغ ساندرلاند نظريته الجديدة ثم أضاف إليها صنفا جديدا من الجرائم سماها جرائم أصحاب الياقات البيضاء ، حيث يتبوؤون مراكز اجتماعية راقية كالوزراء والمسؤولين والبرلمانيين وقد لاحظ أن علم الاجرام يركز دائما على الطبقة الضعيفة ولا يتطرق لجرائم هؤلاء النخبة وربما كانت جرائمهم أكثر تأثيرا من جرائم سرقة قطعة خبز ، فالجرائم الوزراء والبرلمانيين تعتبر ذات تأثير قوي على المجتمع و يتأثر بها آلاف الناس أو ربما ملايين ، لذلك يرى ساندرلاند أن جرائم أصحاب الياقات البيضاء أخطر من جرائم المجرمين البسطاء ، وقال أن إجرام أصحاب الياقات البيضاء هو إجرام خفي مستتر لا يظهر ولا يثير اضطرابا اجتماعيا كجريمة القتل في الشارع مثلا ، واستحالة الاحالة أو البروز ، وقال أن أصحاب الياقات البيضاء يتصرفون و كأنهم فوق القانون وغير ملزمين به ولا يطبق عليهم ، وأنهم جديرون بالاحترام بخلاف المجرم البسيط الذي يحس أنه تحت مظلة القانون ، كما أن مجرمي الياقات البيضاء يبحثون عن الثغرات وربما هم من يصنعونها عند التشريع خدمة لمصالحهم الشخصية ، حيث أن مكانتهم تسمح لهم بالتدخل في القرار السياسي أو التشريعي وسن القوانين ويملكون زمام السلطة التشريعية وقد قيل ” من يملك الاقتصاد يملك القانون ” حتى القانون الجنائي جاء ليحمي مصالحهم ، أما جرائمهم فترتكب غالبا بعيدا عن أعين الناس في مكاتب مغلقة و تحت الكواليس و يصعب إحالتها إلى أجهزة العدالة بل وربما كانت أجهزة العدالة متواطئة معهم شأنها في ذلك شأن باقي أجهزة الدولة التي يتحكمون فيها وفي أجهزتها السياسية والتشريعية .
قال ساندرلاند إن الاتجاه البيولوجي والنفسي عجز عن تفسير هذا النوع من الإجرام فأصحاب الياقات البيضاء ليست لديهم عيوب خلقية بل تجدهم في أحسن صحة و رغد عيش ويتمتعون بلباقة و حسن مظهر ولا تظهر عليهم اي عيوب خلقية عضوية ، والغاية من جرائمهم ليست بسبب العيوب العضوية أو النفسية بل بسبب الطمع في الربح والثراء الفاحش فهم يرتكبون جرائمهم من أجل الحفاظ على السلطة التي بدورها تخول لهم الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية و تعطيهم فرصة للتهرب الضريبي واستغلال السلطة من أجل تمرير القوانين التي تخدم القطاعات الاقتصادية التي ينشطون فيها ، فكل همهم هو الحفاظ على مراكزهم و مناصبهم و تحقيق أكبر قدر من الربح .
يعتبر سوزرلاند أول من حاول تمثيل المدرسة الامريكية لعلم الاجرام ، وهو يرى أن السلوك الاجرامي لا يعود فقط للعوامل الاجتماعية أو النفسية أو الفقر بل حتى الاغنياء يسرقون ويقتلون فالسلوك الاجرامي يتعلمه الاغنياء والفقراء على حد سواء ، بطريقة واحدة وبعمليات متشابهة ، وقد حاول أن يجد النظرية العامة اعتمادا على الدراسات المنطقية وآليات التوجه نحو الانحراف والانخراط فيه ، وتقوم نظرية الاختلاط الفارق التي توصل إليها على محاولة شرح السلوك الاجرامي المتعلق أو الملقن أو المكتسب الذي يظهر نتيجة صراع بين معايير الثقافات المختلفة التي تكون منها المجتمع الامريكي ، هذا السلوك المنحرف يظهر حينما تطغى المعايير الجانحة في جماعة على المعايير المتكيفة التي تحكم المجتمع الكلي ، و مراحل هذه العملية ضمنها سوزرلاند في كتابه مبادئ في علم الاجرام وهي :
• السلوك الجانح مكتسب يلقن ويتعلم وليس وراثيا
• السلوك الجانح مكتسب عن طريق التواصل والاحتكاك بالاخرين وهو لفظي وشخصي ويمكن أن يكون بالمثال والقدوة .
• يتعلم السلوك الجانح في جماعة محصورة تتميز بالعلاقات المباشرة والشخصية أما وسائل الاعلام فلا تساهم إلا بدور ثانوي .
• يشمل التدريب على الانحراف تعلم تقنيات ارتكاب الجنح وتوجيه الدوافع نحو الانحراف
انتقادات لهذه النظرية :
أول انتقاد لهذه النظرية هو عجزها عن تفسير السلوك الاجرامي للطبقة العليا الذين لا يخالطون المجرمين ، ثم عجزها عن كشف حقيقة الجرائم التي تحدث جراء الانفعال أو مرحلة الطفولة اي قبل أن يخالط الانسان من هو أكبر منه ليتعلم منه ، لأنه قال أن الاختلاط الفارق هو السبب في ارتكاب الجرائم وإذا كان الاختلاط الفارق هو السبب في تعليم السلوك الاجرامي فكيف نفسر سلوك المجرم الأول فمن علمه فن ارتكاب الجريمة ؟ ولماذا بعض الناس رغم اختلاطهم بالمجرمين لا يقدمون على ارتكاب الجريمة ، والعكس صحيح فبعض الناس يتربون في بيئة سليمة ويعاشرون الصالحين ومع ذلك قد يرتكبون الجرائم ، ولماذا لا يصبح المسؤولون عن إدارة السجون وعائلات المجرمين مجرمين أيضا فهم أكثر احتكاكا بالمجرمين ؟ والقول إن الجرائم تُتعلم منطق غير سليم فجرائم القتل والسرقة والاغتصاب لا تحتاج أي تعليم ، يمكن القول أن هذه النظرية غير قادرة على اعطاء تفسير شامل للظاهرة الاجرامية .
اتضح لنا من خلال دراسة الاتجاه الاجتماعي بنظرياته المتعددة أنه يربط الظاهرة الاجرامية بعامل واحد بعينه فكل نظرية ركزت اهتمامها على عامل واحد وأغفلت باقي العوامل فكانت نظريات أحادية النظرة أهملت العوامل الاخرى وكانت تعطي تفسيرا جزئيا لنمط معين من الجرائم ، لكن كلهم اتفقوا على الحتمية الاجرامية ، هذه العوامل ساعدت في نشوء اتجاه جديد هو الاتجاه التكاملي في تفسير الظاهرة الاجرامية ، من أجل الخروج من مأزق أن كل اتجاه ينظر إلى السلوك الاجرامي من زاويته الأحادية فعالم الاجتماع ينظر للجريمة من منظور المجتمع ، والاقتصادي ينظر للجريمة من زاوية الاقتصاد ، والطبيب ينظر للجريمة من زاوية العيوب البيولوجية وعالم النفس ينظر إليها من جانب النفسية ، كل عامل من هؤلاء ينظر للجريمة من زاويته ويغفل العوامل الاخرى .
📗 خلاصة الباب
- يمنح الاتجاه الاجتماعي العوامل الاجتماعية الأهمية القصوى في تفسير الجريمة، من خلال نظريات متعددة: نظرية التركيب الاجتماعي لسيلين (تنازع الثقافات)، نظرية اللانظام (الأنومي) لدوركهايم الذي اعتبر الجريمة ظاهرة طبيعية وحتى مفيدة ضمن حدود معينة لتطور المجتمع، ونظرية روبرت ميرتون التي ربطت الانحراف بالتفاوت بين أهداف المجتمع ووسائل بلوغها المشروعة (خمسة احتمالات: التطابق، التحديد، التعلق بالطقوس، التراجع، التمرد).
- أضافت نظريات أخرى أبعادا مكمِّلة: التحليل الاقتصادي الماركسي (الجريمة نتاج صراع طبقي)، النظرية البيئية (ربط الجريمة بالبيئة المكانية)، النظرية العرقية (المرفوضة علميا اليوم)، نظرية التقليد عند غابرييل طارد، ونظرية الاختلاط الفارق لساذرلاند التي فسَّرت السلوك الإجرامي كسلوك مكتسب بالتعلم والاحتكاك الاجتماعي، بما في ذلك تفسير جرائم “أصحاب الياقات البيضاء”.
◀ الفصل السابق: الباب الرابع: الاتجاه التكويني في تفسير السلوك الإجرامي (لومبروزو وفرويد)
الفصل التالي: الباب السادس: الاتجاه التكاملي في تفسير السلوك الإجرامي (نظريتا فيري ودي توليو) ▶
اترك تعليقاً