📖 علم الإجرام — الفصل 8 من 8 — فهرس الكتاب
النوع والعرق
من ناحية النوع : اجرام الرجل واجرام المرأة
هناك فرق بينهما واضح سواء من حيث الكم أو النوع فمن ناحية الكم إجرام الرجل يفوق إجرام المرأة يقدرها البعض ب 10 اضعاف ، يتأثر بعامل السن فيقل مثلا في سن الاربعين ويزيد خلال الحروب ، أما من ناحية الكيف فتؤكد الاحصائيات أن هناك جرائم تكاد تكون حكرا على المرأة كالدعارة و قتل الوليد و تعريض الاطفال للخطر والاجهاض والخيانة الزوجية والقتل عن طريق التسميم ، كما يلاحظ اقدام المرأة على الجرائم المعتمدة على الحيلة أكثر من الجرائم التي تتطلب مجهودا عضليا كالسرقة من المحلات التجارية والزنا والقوادة والنصب وخيانة الامانة والقتل بالسم بينما تقل لديهن جرام القتل بالعنف والضرب والجرح والسرقة المشددة والجرائم الضارة بالمصلحة العامة التي تعتبر جرائم ذكورية .
أولا : اختلاف إجرام الرجل عن اجرام المرأة ، فوارق ظاهرية خاضعة ، هناك تبريرات كثيرة ، منها ما هو بيولوجي ، نفسي ، أو اجتماعي ، لكن هناك من قال أن هذا الفارق هو ظاهري يرجع إلى أن الاجرام الرسمي للمرأة كما تكشف عنه الاحصائيات لا يتطابق مع العدد الفعلي لجرائمها و الاحصائيات الرسمية كما يشير لامبروزو في مؤلفه “المرأة المجرمة والدعارة” أن الميول الاجرامية عند النساء تتجه نحو الدعارة والبغاء مما يدر عليها أموالا لا يستطيع الرجل الحصول عليها إلا بالوسائل غير المشروعة والكثير من الدول لا تعتبر الدعارة جريمة لذلك لو أضيف عدد ممارسات الدعارة إلى قائمة الاجرام عند النساء لربما زاد إجرام المرأة على الرجل ، كما أن هناك العديد من جرائم النساء لا يظهر ويتم في الخفاء كالإجهاض والزنا عكس إجرام الرجل الذي يظهر للعيان في الاحصائيات ، هذه الاخيرة حسب لامبروزو لا تعبر عن الحجم الحقيقي للإجرام عند المرأة وأضاف أن المرأة تقف وراء العديد من الجرائم التي يقوم بها الرجل لتصدق مقولة نابليون الشهيرة إبحث عن المرأة ، فالإحصائيات كشفت أن المرأة وراء 40 في المائة من الخلقية و 20 في المائة من جرائم القتل و 10 في المائة من جرائم السرقة ، وهناك اعتبارات عملية تحول دون النطق بالعقوبة في حق المرأة :
• تودد الرجل للمرأة من تقديم شكاية ضدها إذا كان مجنيا عليه أو يتحمل وحده المسؤولية اذا شاركها الجريمة .
• تساهل أجهزة العدالة مع المرأة بدافع التستر والحفاظ على السمعة
ثانيا : تفسير صلة النوع بكم ونوع الاجرام
• التفسير البيولوجي والنفسي : انخفاض إجرام المرأة عن الرجل يرجع إلى التكوين العضوي والنفسي الذي يختلف عن الرجل :
قوة بدنية أقل من قوة الرجل فهي لا تقدم على جرائم العنف وتتوارى وراء الجرائم البسيطة
• التغيرات الفيزيولوجية التي تتعرض لها بحكم الدورة الشهرية والحمل والولادة والرضاعة قد تدفعها لارتكاب الجريمة لأنه غالبا يصاحبها ميول حادة أنانية عدوانية واضطرابات عصبية وتقلبات مزاجية فالمرأة مثلا في سن اليأس تزيد لديها نوبات القلق والاكتئاب والشذوذ الجنسي والخوف فالإحصائيات تقول أن 41 في المائة من النساء المتهمات ارتكبن جرائم في فترة الحيض وفي فرنسا 63 في المائة من جرائم السرقة عند النساء كانت في فترة الحيض .
• التفسير الاجتماعي : ويذهب الى الاختلاف في المركز الاجتماعي والدور الذي يلعبه كل من الرجل والمرأة في المجتمع ، فالنسبة تميل الى التساوي كلما كان هنالك تقارب المركز الاجتماعي وتتقارب في المدن مقارنة مع الارياف و في الدول المتقدمة مقارنة مع المتخلفة وفي المجتمعات الصناعية مقارنة مع المجتمعات الزراعية وتزيد في الحروب لأن المرأة تنزل لمعترك الحياة بينما يكون الرجل منهمكا في القتال ، كما يرجع البعض هذا الاختلاف إلى أن البنت خلال التنشئة تحصل على حماية وعناية أكبر من الولد الذي يطلب منه أن يكون قويا ويتحمل المسؤولية وإلا تم نعته بالتخنث ، بينما تبقى البنت في البيت وتتكفل الاسرة بكامل احتياجاتها فتكون هادئة الطبع حسنة الخلق . والواقع أن جرائم المرأة لا يمكن تفسيرها الا في ظل المنهج التكاملي أي الجمع بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية فكل منها يفسر جزءا من الحقيقة بحيث يصعب الفصل بينهما ، فارتفاع جرائم معينة عند النساء لا يمكن تفسيره الا في ضوء الاعتبارات النفسية والبيولوجية التي تميز المرأة عن الرجل في حين أن قلة جرائم معينة عند النساء لا يمكن تفسيره الا من خلال قلة احتكاكها بميدان المعاملات والتجارة .
الفرع الثاني : العرق
حاول البعض أمثال سيلين الربط بين الظاهرة الاجرامية وبين السلالة والعرق ، و قالوا أن أعراقا معينة ترتفع فيها الجريمة أكثر من باقي الاعراق ، حيث لاحظوا ارتفاع الجريمة بين السود بينما قل ذلك في عرق اليابانيين ، وقد فسر بونجر هذا التفاوت من خلال دراسة التركيب الاجتماعي فلاحظ قوة وتماسك نظام العائلة في الشرق الاسيوي بينما لاحظ ضعفه لدى السود الامريكيين .
تقييم النظرية العرقية :
لم يعد مقبولا هذا الربط في العصر الحاضر فلا يتصور أن يكون عرق بعينه سببا للجريمة
• الدراسات لم تنصب سوى على عنصر الزنوج فلا يمكن تعميم النتائج
• الدراسات أغفلت العوامل الاقتصادية والاجتماعية وتأثير نظام العدالة الجنائية في المجتمع الامريكي ، فالعوامل الاقتصادية تتمثل في ارتفاع نسبة الفقر بين السود ثم أنهم يجبرون على السكن في أحياء سكنية يغلب عليها طابع التفكك الاجتماعي أما نظام العدالة الجنائية الامريكي فيتميز بالمحاباة فبعض الجرائم لا تتم المحاكمة بشأنها اذا كان مرتكبها أسودا ، ثم أن نشاط الشرطة يزداد في مناطق السود والقضاة غالبا يكونون من فئة البيض فيحصل التعسف وتكون العقوبة على عنصر البيض مخففة بينما تصل لحد الاعدام في حق السود كما أن معاملة السود في السجون تكون أدنى من تلك التي يحظى بها العنصر الابيض ، كل هذا كان لا بد أن يعبئ السود في مواجهة البيض وتصبح الجريمة هي المتنفس الوحيد انتقاما وتعبيرا عن الغضب اتجاه أزمة العدالة الجنائية في الولايات المتحدة الامريكية .
العوامل الداخلية العارضة
طبيعية لا يستطيع التحكم فيها كالسن ، وغير طبيعية كالإدمان على المخدرات
السن :
يرتبط الاجرام كما وكيفا باختلاف السن ، ويرجع ذلك الى اختلاف العوامل الشخصية والاجتماعية طبقا لسن الشخص ، فكل مرحلة خصائص عضوية ونفسية تترك آثارا على كم و نوع الاجرام .
أولا : مرحلة الطفولة ، تمتد حتى سن 12 ، تتميز بقلة الجرائم نظرا لضعف التواصل الاجتماعي و ضعف الاطفال العام كما أن المحاكم لا تعتبر بأي مسؤولية للأطفال في هذا السن .
ثانيا : مرحلة الاحداث ما بين 12-18 سنة ، تحدث تغيرات عضوية ونفسية للحدث ويكون للبيئة الخارجية تأثير على سلوكه فترتفع معدلات الجريمة بين المراهقين خصوصا في السرقة داخل الوسط العائلي لكثرة الرغبات وقلة الامكانيات ثم جرائم الاعتداء كالضرب والجرح نتيجة نمو القوة البدنية وجرائم المخلة بالآداب كالاغتصاب نتيجة نمو النشاط الجنسي لديهم .
ثالثا : مرحلة الشباب ، 18-25 سنة ، تتميز بانتهاء اعراض المراهقة وازدياد متطلبات بناء المستقبل و قوة في البنية الجسمية و نضج في الغريزة الجنسية وعدم الاكتراث والاندفاع والتهور فترة خطرة تستغرق ما بين ربع وثلث الاجرام الكلي ، وغالبا تكون جرائم بسيطة كالسرقة بالإكراه والاغتصاب و تكون جرائم الاجهاض في ذروتها عن الشابات حيث تكون المرأة في هذا السن أكثر عرضة للحمل ، كما تكثر في هذه السن جرائم غير العمدية كالقتل الخطأ نتيجة قيادة متهورة للسيارة .
رابعا : مرحلة النضج ، 25-50 سنة ، تتسم هذه المرحلة بالاستقرار من حيث العمل والزواج والجرائم الغالبة على هذه المرحلة هي جرائم السرقة وخيانة الامانة والاختلاس خاصة بين 25-35 ثم نجد جرائم النصب في سن 35 فما فوق أما جرائم الاعتداء على الشرف كالسب والشتم فنجدها ما بين 40-50 سنة حيث يكون الشخص ضعيفا بدنيا .
خامسا : مرحلة الشيخوخة ، 50 سنة فما فوق ، تتميز بالضعف في القدرات البيولوجية و تعرض الجسم للأمراض وتخبو الغريزة الجنسية و تضعف القوة الذهنية وتزداد معدلات اليأس وعدم الاستقرار والقلق النفسي وفقدان المهنة والتفكير في تحقيق مطالب العيش والخشية من المرض وابتعاد الابناء والعزلة الاجتماعية وأغلب جرائم هذه السن ترتبط بالحيلة والذكاء بعيدا عن استخدام القوة البدنية فتكثر جرائم النصب وخيانة الامانة وانحراف الغريزة الجنسية نحو الاطفال كما أن المرأة يسجل لديها أعلى معدلات الجريمة ما بين 45-55 سنة أي سن اليأس حيث تسوء حالتها النفسية لشعورها بانتهاء مهمتها في الانجاب وتضيق مواردها بعد تقاعد زوجها وابتعاد أبنائها عنها .
إدمان الخمور والمخدرات
يجمع الباحثون على صلته وتهيئته للسلوك الاجرامي وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالسلوك الاجرامي 85% القتل ، 75 % الضرب والجرح ، 65% الاغتصاب ، فالخمر له تأثير قوي على التكوين العضوي والنفسي للشخص بحيث يحدث هيجانا في الانفعالات ويثير الدوافع الغريزية وينال من القدرة الذهنية والعقلية ويضعف القدرة على ضبط الانفعالات و يعطي جرأة على الاقدام على ارتكاب الجرائم ، كما أن الخمر ينال من الحالة الاجتماعية فتكون غالبا مفككة وينشأ الاطفال في تربية غير سليمة ، وقد تكون الصلة بين الجريمة والخمر صلة مرتدة حيث ينال من ذريته فقد أثبتت الدراسات أن الأجنة تتأثر بحالة الادمان التي يكون عليها أحد الأبوين أو كليهما مما تعرض الجنين لتشوهات عضوية أو نفسية أو عصبية تدفعه بعد ذلك إلى ارتكاب الجريمة ، فالإدمان يؤدي الى ارتفاع نسبة الكحول في الدم وهي خاصية بيولوجية تنتقل بالوراثة فيميل الابناء بدورهم الى شرب الخمر وبالتالي يكونون عرضة أكثر من غيرهم لسلوك سبيل الجريمة .
العوامل الخارجية للسلوك الاجرامي
يقصد بها العوامل المحيطة بالشخص وقد قال العلماء قديما ان المرء نتاج بيئته ، غير أن تأثير البيئة على الانسان هو أمر نسبي من ناحية و تكاملي من ناحية أخرى .
العوامل البيئة الجغرافية
يقصد بها العوامل الطبيعية التي تسود منطقة معينة كطبيعة المكان من حيث الصعوبة والوعورة ودرجة الحرارة وتقلبات الفصول وطول النهار وكمية الامطار ودرجة الرطوبة وحركة الرياح وطبيعة التربة ، فللمكان تأثير قوي على الانسان ، ولا شك أن ظاهرة الاجرام تتأثر بطبيعة المكان من ناحية و كثافة السكان من ناحية أخرى وقد اختلف الباحثون حول تفسير العلاقة بين المناخ و الظاهرة الاجرامية .
علاقة البطالة بالظاهرة الاجرامية
هي من مظاهر الركود الاقتصادي وتعني توقف العامل عن عمله وبالتالي حرمانه من مصدر رزقه ، وتترتب آثار سيئة على البطالة خصوصا بعد التوقف عن العمل لمدة طويلة وخاصة عندما يكون العاطل رب اسرة فيصبح عاجزا عن الوفاء بالتزاماته فيساوره القلق والخوف على مستقبله ومستقبل أسرته مما يدفعه الى ارتكاب الجرائم ، أما على صعيد الاسرة غالبا ما يؤدي ذلك الى تصدع الاسرة بسبب ما يقع من خلاف بين الزوجين بسبب البطالة وتنحسر سلطة الاب على أبنائه مما قد يدفعهم للتشرد والضياع والانحراف .
العوامل الثقافية
هي مجموع القيم الخلقية والروحية والدينية التي يقوم عليها المجتمع ، وقد ربط الباحثون في علم الاجرام بين بعض العوامل الثقافية والظاهرة الاجرامية فهي قد تؤثر سلبا أو ايجابا
أبرز هذه العوامل التعليم والدين ووسائل الاعلام
تنازع الثقافات لـ سيلين : نشر تورستين سيلين كتابا سنة 1938 عنوانه تنازع الثقافة والجريمة أكد فيه على دور تنازع الثقافات في تكوين الاجرام ، فالجريمة من وجهة نظره تحدث في المجتمع الوحيد بين قواعد السلوك المختلفة ، يظهر هذا بجلاء في المجتمع الامريكي ومع ذلك يرى سيلين أن مفهوم تنازع الثقافات لا يكفي بمفرده لتفسير الظاهرة الاجرامية بل ينبغي أن ينظر للأمر من داخل مجموعة متكاملة من العوامل الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع ككل .
وقد فسر كوهين هذه النظرية بما سماه الثقافات المتدنية الاجرامية فقال أن الانحراف وانعدام التنظيم الاجتماعي يظهران في أدنى السلم الاجتماعي لدى الفئات العمالية البسيطة التي تستجيب له أكثر من غيرها ويستدل على ذلك بمستوى الجريمة العالي في هذه الاوساط خصوصا في المدن الكبرى هكذا يرى كوهين أن اضطراد الاجرام في هذه الاوساط يفسر لنا ما يفرزه هؤلاء من ثقافات متدنية إجرامية .
وإذا كان أنصار هذه الفكرة يتفقون على فكرة الثقافة المتدنية الاجرامية لكننا نجد الآراء تختلف عندما يتعلق الأمر بتحديد مصدر ونماذج هذه الثقافات الدنيا ، فـ كوهين نفسه يفسر تكوين هذه الثقافات بوجود مجموعة من الافراد داخل نفس الوسط العمالي الذي يعيش حياة بائسة متدنية غير ملائمة تعاني أكثر من غيرها من مشاكل التكيف الاجتماعي ، عدم التكيف هذا يؤدي بها إلى الاندفاع الى الاجرام ، ويرى بعض أنصار هذه النظرية أن الثقافة المتدنية هي ثقافة مقتصرة على الطبقة العمالية بينما يرى غيرهم أن مصدرها يكمن في الخصائص الفردية لطائفة من الشباب داخل الطبقة العمالية وأن مصدرها هو انعدام الفرص للانتقال المشروع إلى الثقافة الغالبة في الجماعة .
التعليم والسلوك الاجرامي
لا نقصد بالتعليم في مجال الدراسات الاجرامية مجرد تلقين مجموعة من المعلومات عن طريق الكتابة والقراءة أو ما يسمى عملية محو الامية ، بل نقصد بها مجمل عملية التعليم بما تشمله من تهذيب وتلقين وتربية على القيم الاخلاقية والدينية وخلق روح التعاون بين افراد المجتمع . وساد الاعتقاد أن التعليم يترتب عنه انخفاض مستوى الجريمة فقال فكتور هيكو ” ان فتح مدرسة يعادل إغلاق سجن ” فالتعليم عامل مضاد للجريمة لما يبثه في النفوس من قيم و معارف ودعم للقدرة على مواجهة الصعاب ومعرفة الحقوق و الواجبات و يبعد عن الناس الخرافة والاعتقادات الفاسدة كما أن التعليم ينمي المواهب والقدرات والخبرات ويدفعها نحو الاعمال الايجابية مقويا بذلك الفرص من أجل الحصول عمل شريف ويتخطى الفرد بذلك عوامل الفقر والبطالة والتشرد و آثارها السيئة ، وهو الامر الذي أكدته عدة دراسات في هذا الميدان فمعظم السجناء في المؤسسات السجنية تجدهم حاصلين على مستويات دراسية ضعيفة ، وهذا لا يغير من حقيقة أن فساد اساليب التعليم واقتصارها على تلقين المعلومة دون غرس القيم والاخلاق لا يمكن أن يؤدي إلى تراجع الجريمة فدراسة أجريت في فرنسا ما بين 1851 و 1930 دلت على عدم انخفاض معدل الجريمة رغم أن الامية انخفضت بنسبة 90 % .
هكذا قالت المدرسة الوضعية بأن التعليم لا يمكنه أن يستأصل الاجرام فهو ثمرة تكوين إجرامي عضوي نفسي موروث بل يمكن للتعليم أن يمد المجرم بوسائل تقنية وخبرات أكثر يستعين بها على سلوكه الاجرامي ، هذا السبب ما دفع لامبروزو الى معارضة فكرة التعليم داخل المؤسسات العقابية .
لكن تبقى الحقيقة أن مستوى التعليم يحد من الجريمة ولا يمكن أن نوقف عجلة التعليم خوفا من مجرم أكثر تعلما والعوامل البيولوجية وحدها لا تكفي وحدها لخلق الجريمة بل يجب ان تصادفها عوامل اجتماعية محفزة كما أن الأخذ بهذا الرأي سيقعد الباحثين في مجال الاجرام والعقاب عن تلمس أسباب مكافحة الجريمة طالما أن الجريمة أمر حتمي لا مفر منه رغم ارتفاع مستوى التعليم الفردي والعام .
نجد أنفسنا اذن أمام حقيقة أن التعليم والجريمة ليست بينهما صلة حتمية فلا الجهل يوقف الاجرام وكم من الشرفاء أميون ، ولا العلم ينأى بالأفراد عن الجريمة فكم من المجرمين هم خريجو المعاهد العليا والجامعات . فالتعليم قد يقي من ارتكاب السلوك الاجرامي حيث انه يبصر الفرد بحقوقه والتزاماته ويعلمه كيف يحل مشاكله بالحكمة والعقل فيجنبه بذلك سبل الطرق غير المشروعة للحصول على حلول لمشاكله ، لكنه أحيانا قد يدفع إلى ارتكابه ، فالشخص ذو الميل الاجرامي الموروث أو الفطري فيحاول أن يستعين بمكتسباته العلمية لتوظيفها في سلوكاته الاجرامية مثال ذلك ما نجده من جرائم المعلوميات والسرقة غير التقليدية على الشبكات العنكبوتية ، كما نجد أن الشخص المتعلم يرتكب جرائم غالبا ما تكون معتمدة على الحيلة والخداع كالنصب واعطاء شيك بدون رصيد والتهرب الضريبي وتزييف العملات وغير ذلك من الجرائم التي لا يستطيع الأميون إليها سبيلا حيث تعتمد جرائمهم على القوة العضلية والعنف والسرقة التقليدية وترجع بالأساس ليس الى الأمية بل الى ارتباط الامية بعامل آخر كعاهة في العقل أو مرض نفسي أو تصدع أسري ، فيمكن القول أن الامية والاجرام نتيجتان لعامل واحد .
الدين والسلوك الاجرامي
الدين مجموعة معتقدات ترتبط بالألوهية وكيفية عبادة الالاه وهي مجموعة من قواعد تنظم السلوك الاجتماعي للفرد والمجتمع . وينبغي الحذر كثيرا عند دراسة الدين وعلاقته بالسلوك الاجرامي ولا يجب أن تتأثر النتائج بالمعتقدات الدينية للباحث كما لا يجب الخلط بين الدين والديانة التي تعني انتماء الى دين معين وممارسة شعائره ، فالدين بصفة عامة يحض على تهذيب النفوس وتزكيتها وحب الخير للناس والتمسك بالقيم الاخلاقية العالية والمثل السامية والترابط بين بني البشر والحيلولة دون السقوط في مهاوي الخطيئة ، فالدين هو المضاد الحيوي المانع من تحريك عوامل الاجرام ، هكذا قال كابريل طارد أخشى مع تراجع دور الدين أن ينضب المعين الذي تستقي منه الاجيال الجديدة ما يعينها على مقاومة الميول الاجرامية .
هذا الدور الوقائي الذي يلعبه الدين ينتج أثره كلما تداخلت دائرة الدين مع دائرة القانون دون أن تتعارض الدائرتان بحيث يصبح القانون الجنائي صورة معبرة عن ضمير المجتمع ويكون الباعث من وراء الالتزام بأحكامه هو التمسك بما يدعو إليه الدين من فضائل .
لكن قد يكون الدين عاملا من عوامل الاجرام وذلك في حالتين الأولى عندما يتعارض الدين مع القانون الجنائي والثانية عند وجود فهم خاطئ للدين ، ففي حالة تعارض الدين والقانون يجد الفرد نفسه أمام قاعدتين قانونيتين ، فيختار أيهما يخرق ، فبعض الدول مثلا تعتبر تعدد الازواج جريمة والدعارة ليست جريمة ، والباحث في علم الاجرام يجب أن لا يهتم بحالة التعارض بين الدين والقانون ، فلا يهمه سوى المفهوم القانوني للجريمة بما أنه رجل قانون دون أن يهتم بالمفهوم الأخلاقي فكثيرا ما يجيز القانون الجنائي أمورا تعتبر لا أخلاقية من قبيل رفع التجريم عن الزنى واللواط والشذوذ الجنسي والاجهاض والخمور .
كما أن الفهم الخاطئ للدين قد يكون سببا وراء ارتكاب الجريمة ، فالواقع أن الدين لا يمكن أن يدعو الى الاجرام ، والدراسات أكدت أن الاجرام من طرف دينية على طائفة اخرى لا يمكن فهمه الا بالرجوع الى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مر منها اعضاء الطائفة وليس بسبب انتمائهم الديني في حد ذاته ، فالدراسة أكدت ارتفاع معدل الجريمة لدى الكاثوليك مقارنة مع البروتستانت وانخفاضه لدى اليهود ، لكن هذا لا يعود الى تعاليم الدين بل لأن البروتستانت يحتلون مراكز اقتصادية واجتماعية عليا داخل البلدان الاوروبية كما أن المذهب البروتستانتي ينتشر في أوروبا الشمالية حيث تتميز هذه المناطق بالنشاط والاقبال على العمل والقدرة على ضبط النفس مما يجعلهم أقل عرضة للجريمة من المناطق الجنوبية ذات الاغلبية الكاثوليكية ، أما انخفاض معدل الجريمة بين اليهود فراجع إلى الطابع العنصري لديهم والتنظيم العائلي الصارم فضلا عن احساسهم بكونهم أقلية فيضرون الى احترام قوانين البلدان الذين يعيشون فيها ولا يخالفون القوانين حرصا على كيانهم وصورتهم أمام المجتمع الذي يعيشون فيه .
وسائل الاعلام والسلوك الاجرامي
هي أساليب الاتصال والاخبار التي تصل الافراد ببعضهم وتساهم في نشر الثقافة وتنمية المعارف والاحاطة بالمشاكل داخليا وعالميا ، ووسائل الاعلام بمختلف أنواعها تساهم في التقارب بين الدول حتى صار العالم قرية صغيرة ويمكن أن نتصور أن لوسائل الاعلام دورا ايجابيا وآخر سلبيا في علاقتها بالسلوك الاجرامي .
الدور الايجابي : الكشف على الجرائم ، تعقب المجرمين ، نشر اخبار المجرمين يثير الضغط نحو المطالبة بتحقيق العدالة ، دور وقائي من خلال التحذير من جرائم معينة كالاحتيال والنصب ثم من خلال تهدئة الميول الاجرامية فسماع أخبار الجريمة يعد متنفسا للرغبات الاجرامية المكبوتة لدى الافراد ، كما أن نشر سوء العاقبة الذي ينتظر المجرم يساهم في تحقيق الردع العام وهو بديل عن علانية المحاكمات الجنائية ويتأكد للأفراد حسن سير مرفق القضاء وإدارة العدالة الجنائية .
الدور السلبي : زيادة معدل السلوك الاجرامي خاصة لدى المراهقين والشواذ ، التقليد والتفاخر بالجريمة ومخالفة القواعد القانونية ومحاولة تأكيد الذات ، تكرار أخبار الجريمة يسهل من ارتكاب الجريمة فتصبح شيئا عاديا ، خلق اللامبالاة لدى الجمهور والرأي العام فيتعود على الجريمة ولا تثير أي سخط اجتماعي ، المس بقرينة البراءة عن طريق الاحكام المسبقة والضغط على القضاء ، مشاهد العنف تنال من القوة النفسية للمتلقي فتدفع الى ارتكاب جريمة مشابهة ، تقليد المراهقين للأبطال في طريقة الانتقام .
📗 خلاصة الباب
- يتفاوت الإجرام كما وكيفا بحسب النوع (إجرام الرجل يفوق إجرام المرأة كمّا لتفسيرات بيولوجية واجتماعية) والعرق (نظرية مرفوضة اليوم لعدم دقتها العلمية)، كما تؤثر فيه عوامل داخلية عارضة كالسن (بمراحله الخمس: الطفولة، الأحداث، الشباب، النضج، الشيخوخة) وإدمان الخمور والمخدرات.
- تسهم عوامل خارجية أخرى في تفسير الظاهرة الإجرامية: البيئة الجغرافية، البطالة كمظهر من مظاهر الركود الاقتصادي، والعوامل الثقافية بأبعادها الثلاثة (التعليم الذي يحد من الجريمة دون أن يوقفها حتما، الدين بدوره الوقائي المزدوج، ووسائل الإعلام بدوريها الإيجابي في الكشف عن الجرائم والسلبي في نشر التقليد والتفاخر الإجرامي).
اترك تعليقاً