📖 المسطرة الجنائية — الفصل 11 من 14 — فهرس الكتاب
تشكيل الهيئات القضائية
حسب المادة 297 من ق.م.ج يشترط لصحة انعقاد الجلسات أن تشكل كل هيئة قضائية طبقا للقانون، ويجب تحت طائلة البطلان أن تصدر مقرراتها عن قضاة شاركوا في جميع النقاشات، وقد عمل المشرع على تعزيز وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة وذلك بإقراره لثنائية التحقيق والقضاء الفردي الى جانب القضاء الجماعي واحداث غرفة الجنايات الاستثنائية.
قاضي التحقيق على صعيد المحكمة الإبتدائية
مؤسسة قاضي التحقيق لدى المحاكم الابتدائية لها دور فعال في تجسيد المحاكمة العادلة عن طريق البحث والتنقيب عن وسائل الإثبات لإظهار الحقيقة، ويكلف بالتحقيق قاضي التحقيق المعين من بين قضاة الحكم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
قاضي التحقيق على صعيد محكمة الاستئناف
يقوم بالتحقيق على صعيد محكمة الاستئناف عندما يكون التحقيق الإعدادي الزاميا في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو حين يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة ثلاثين سنة وكذلك الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث وفي الجنح بنص خاص، ويكون اختياريا في باقي الجنايات.
القاضي الفردي على صعيد المحكمة الابتدائية
من المعلوم أن المشرع المغربي يؤمن بأهمية القضاء الفردي كوسيمة فعالة في التغلب على كثرة القضايا المعروضة على المحاكم الابتدائية والنظر فيها بالسرعة المطلوبة، وتبنى المشرع هذه المؤسسة للبت في القضايا التي لا تتجاوز العقوبات المقررة ليا سنتين حبسا أو بغرامة فقط، بمعنى المخالفات والجنح الضبطية.
الهيئة الجماعية على صعيد المحكمة الابتدائية
إن المشرع وضمانا لتحقيق شروط المحاكمة العادلة أوكل مهمة القضايا الجنحية للقضاء الجماعي كما نصت على ذلك المادة 374 من ق.م.ج حيث أن على أن المحكمة تعقد جلساتها وهي مكونة من رئيس وقاضيين بحضور ممثل النيابة العامة ومساعد كاتب الضبط.
الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف
تتكون من الرئيس الأول ومن ينوب عنه ومن مستشارين اثنين، وتنظر حسب المادة 231 من ق.م.ج في : ” تنظر الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف وهي مكونة من الرئيس الأول أو من ينوب عنه ومن مستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط:
أولا: في طلبات الإفراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة طبقا لمقتضيات الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة 179، وفي تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة 160؛
ثانيا: في طلبات بطلان إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المواد 210 إلى 213؛
ثالثاً: في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق طبقا للمادة 222 وما يليها؛
رابعاً: في كل إخلال منسوب لضابط من ضباط الشرطة القضائية خلال مزاولته لمهامه طبقاً لما هو منصوص عليه في المواد من 29 إلى 35 من هذا القانون. “
غرفة الجنح الاستئنافية
تتكون تحت طائلة البطلان من رئيس ومستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط، ويقدم الاستئناف بتصريح الى كتابة الضبط بالمحكمة مصدرة الحكم أو الى كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف.
تتكون من رئيس من بين رؤساء الغرف ومستشارين اثنين تعينهم الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف كل سنة قضائية، كما تعين الجمعية من بين أعضائها رئيسا نائبا ومستشارين اضافيين، وتختص هذه الغرفة بالنظر في الجنايات والجرائم المرتبطة بها والتي لا يمكن فصلها عنها.
نظرا لخطورة الجرائم التي تختص بالنظر فيها غرفة الجنايات ومسايرة لمستجدات حقوق الإنسان ولتوفير مزيد من ضمانات المحاكمة العادلة، فان المشرع متع المتهم أمام هذه الغرفة بدرجة ثانية من درجات التقاضي، وتتكون هذه الغرفة من رئيس غرفة وأربعة مستشارين وتنظر في قضايا الجنايات المستأنفة أمامها بحضور ممثل النيابة العامة وبمساعدة كاتب الضبط ويمكن أن يضاف الى تشكيلة الهيئة مستشار أو أكثر، كما يمكن للرئيس الأول لمحكمة الإستئناف أن يترأس شخصيا هذه الغرفة.
اصدار المقررات عن قضاة شاركوا في جميع المناقشات
الإستثناء
اذا كان الأصل في الشهادة أن تؤدى وتناقش أمام هيئة المحكمة حتى يمكن الأخذ بها، فان المشرع لم يأخذ بهذا الاتجاه بخصوص شهادة أعضاء الحكومة وكتاب الدولة في الحالة التي لم يطلب فيها الحضور أو لم يؤذن فيها طبقا للإجراءات القانونية فان شهادتهم تتلقاها كتابة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو قاض ينتدبه لهذا الغرض ان كان يقطن خارج دائرة نفوذ المحكمة.
ثانيا: استدعاء ممثل دولة أجنبية
بالرجوع للمادة 327 من ق.م.ج فان شهادة ممثل دولة أجنبية بتطلب من المعني بالأمر بواسطة الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية واذا قبل الطلب يتلقى الشهادة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو القاضي الذي يعينه لهذه الغاية.
ثالثا : استنطاق المتهم في وضعية صحية صعبة
طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 312 من ق.م.ج اذا كان المتهم في وضعية صحية صعبة يتعذر فيها عليه الحضور للجلسة ووجدت أسباب خطيرة لا يمكن معها تأجيل الحكم في القضية فان المحكمة تكلف بمقتضى مقرر خاص ومعلل أحد أعضائها بمساعدة كاتب الضبط لاستنطاق المتهم في المكان الذي يوجد فيه.
بالرجوع للمادة 297 من ق.م.ج فإنه لا يمكن تحت طائلة البطلان لقاض من النيابة العامة عين أو انتدب لمهام قضاء الحكم أن يشارك في البت في قضايا سبق لو أن مارس فيها الدعوى العمومية أو أي اجراء من اجراءات المتابعة .
حالات التنافي للنظر في قضية واحدة
أولا: قاضي التحقيق الذي أجرى تحقيقا في نفس القضية:
بالرجوع للمادة 52 من ق.م.ج فإنه لا يمكن لقضاة التحقيق تحت طائلة البطلان أن يشاركوا في اصدار حكم في القضايا الزجرية التي سبق أن أحيلت عليهم بصفتهم قضاة مكلفين بالتحقيق، كما يمنع مشاركة قاضي التحقيق في هيئة غرفة الجنايات التي تنظر في قضية سبق له اجراء تحقيق فيها.
ثانيا : قاض شارك في الحكم في جوهر القضية
لا يمكن لقضاة الحكم تحت طائلة البطلان أن يشاركوا في الحكم في قضية سبق لهم البت في موضوعيا حتى لا يتناقض الرأي الأخير مع الرأي الأول.
حالات التجريح
حالات تحول دون مواصلة القاضي المجرح النظر في القضية المعروضة عليه وردت على سبيل الحصر وتتعلق أساسا بقضاة الحكم، بحيث لا يمكن تجريح قضاة النيابة العامة وحالات التجريح ىي كالتالي:
• اذا كان للقاضي أو لزوجه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الحكم في الدعوى.
• القرابة أو المصاهرة مع أحد أطراف الدعوى بما في ذلك أبناء الأعمام والأخوال.
• اذا كان القاضي دائنا أو مدينا لأحد الأطراف أو سبق لو أن قدم استشارة أو رافع أو مثل أمام القضاء.
الأطراف الذين خول لهم القانون حق طلب التجريح
• القاضي المعروض عليه النزاع.
• المتهم وفق تصريح يبين فيه الوسيلة المثارة للتجريح ويرفقه بالحجج
• المطالب بالحق المدني.
القواعد العامة بشأن سير الجلسة
ثانيا : تسيير البحث والمناقشات
يتولى رئيس الجلسة دراسة القضية ومناقشتها ويرتب سير هذه المناقشة اذا اقتضى الحال ولو أن يرفض كل ما يرمي الى اطالة المرافعات بدون جدوى، وأن يوقف الجلسة أثناء دراسة ومناقشة القضية أو قبل انهاء القضايا المدرجة في جدول الجلسة لأي سبب يراه مبررا لهذا الإيقاف، وحسب المادة 305 من ق.م.ج يشمل بحث القضية استنطاق المتهم ان كان حاضرا والإستماع الى الشهود والخبراء وتقديم أدوات الاقتناع عند الاقتضاء.
ثالثا : ضمان عرض كل أدلة الإثبات على الأطراف بالجلسة
يتولى رئيس الجلسة ضمان عرض كل أدلة الإثبات على أطراف الخصومة بالجلسة وذلك حتى يكون كل طرف على بينة منها وبالتالي اعداد أوجه دفاعه وكذا الرد عليها، ويعرض رئيس الجلسة كل أدلة الإثبات من حجج أو أشرطة مصورة حتى ولو كانت مخلة بالحياء، مع منع القاصرين من دخول قاعة الجلسات.
رابعا : الإذن باستعمال وسائل الاتصال بقاعات الجلسات
بالرجوع لممادة 303 من ق.م.ج يمكن للرئيس بعد أخذ رأي النيابة العامة أن يأذن باستعمال ألات التصوير أو التسجيل أو الإرسال أو الإلتقاط أو الإتصال المختلفة بقاعات الجلسات أو في أي مكان أخر يجري به تحقيق قضائي ويعاقب عن مخالفة هذه المقتضيات بغرامة تتراوح بين خمسة ألاف وخمسين ألف درهم وتصادر المحكمة الآلات والأشرطة عند الإقتضاء، والغاية من هذه الوسائل هي ضمان اطلاع الرأي العام على أطوار المحاكمة تكريسا لمبدأ علنية الجلسات وحماية شخصية المتهم انطلاقا من القاعدة المتمثلة في قرينة البراءة.
اختصاص الهيئة الحاكمة أثناء سير الجلسة
أولا : البت في الطلبات الرامية الى تأجيل القضية
بالرجوع للمادة 299 من ق.م.ج: تبت الهيئة القضائية في الطلبات الرامية إلى تأجيل القضية إلى تاريخ لاحق. إذا كان جميع الأطراف حاضرين أو ممثلين في الجلسة، فيمكن للمحكمة أن تؤجل القضية إلى تاريخ تحدده على الفور وتشعر به الأطراف دون حاجة لتسليم استدعاءات جديدة. يمكن للمحكمة – إذا دعت الضرورة – أن تؤجل القضية لأجل غير معين، غير أنه يجب في هذه الحالة تجديد استدعاء الأطراف للحضور من جديد.”
واذا تبين أن ملتمس التأخير يرتكز على أساس معقول فإنها تستجيب لو أما اذا تبين أنو يهدف الى المماطلة فإنها ترفض الطلب.
ثانيا : جعل الجلسة سرية
من المعلوم أن المبدأ العام هو أن تتم اجراءات المحاكمة في جلسة عمومية وعلنية بحيث نصت المادة 300 على أنه يجب تحت طائلة البطلان أن تتم اجراءات البحث والمناقشات في جلسة علنية، استثناء تكون الجلسة سرية اذا ارتأت المحكمة أن في علنيتها خطر على الأمن أو على الأخلاق ويضاف الى ذلك القضايا المتعلقة بالأحداث حيث أوجب القانون بشأنها جلسة سرية.
دور أطراف الخصومة
أولا : دور ممثل النيابة العامة
حسب المادة 36 من ق.م.ج تتولى النيابة العامة اقامة الدعوى وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها وتطالب بتطبيق القانون، فالنيابة العامة لها وظيفتان، الأولى تحريك الدعوى العمومية وهذه مهمة قد يشارك فيها غيرها، والوظيفة الثانية مراقبة سير الدعوى العمومية بعد تحريكها وهي مهمة خاصة بها فقط، وهنا تتسع مسؤوليتها بقدر اتساع صلاحيتها وتشمل الملتمسات واستعمال طرق الطعن في الأحكام وتنفيذ الإجراءات.
ثانيا : دور الأطراف الأخرى
المتهم
هو الطرف المدعى عليه في الدعوى الجنائية وقد حرص المشرع على تمتيعه بالضمانات الكافية للدفاع عن نفسه ودحض جميع التهم الموجهة اليه والرد عليها وذلك من خلال تأخير مرافعته وكذا التنصيص على وجوب أن تكون الكلمة الأخيرة اليه في اطار الردود والدفوعات التي قد تطرأ أثناء الجلسة، وتلعب مرافعة المتهم دورا مهما في تقرير مصير التهمة المنسوبة اليه.
الطرف المدني
لا يعد طرفا أساسيا في الدعاوى الجنائية لذلك لا يكون حاضرا في جميع مراحمها، الا أنه يمتلك كامل الصلاحية لتقديم مطالبه أمام المحكمة وبسط أوجه دفاعه وطلب التعويض عن الضرر الذي لحقه من الجريمة المترتب عنها الضرر مع تحديده وتعيين موطن مختار في مكان تواجد مقر المحكمة.
الإستدعاء وحضور المتهمين
حددت المادة 384 من ق.م.ج طرق رفع الدعوى الى المحكمة الابتدائية ومن بينها الإستدعاء المباشر الذي يسلمه وكيل الملك أو الطرف المدني للمتهم أو عند الإقتضاء للمسؤولين عن الحقوق المدنية، فالاستدعاء هو الاعلام بالحضور لجلسة الحكم التي يكون فيها طرف متهما بارتكاب فعلا من الأفعال المعاقب عليها جنائيا.
استدعاء المتهم
أولا : استدعاء المتهم من طرف النيابة العامة
يستدعي وكيل الملك المتهم للحضور بالجلسة حسب ما نصت عليه المادة 308 وما يليها من ق.م.ج والتي نصت على أنه يجب تبليغ الإستدعاء الى المتهم بحيث يستدعى في نفس الوقت المسؤول عن الحق المدني ان وجد أو المتضرر ويمكن أيضا استدعاء بعض الإدارات التي خول لها المشرع حق اقامة الدعوى العمومية.
ثانيا : استدعاء المتهم من طرف المحكمة
تجدر الإشارة إلى أنه يجب على المحكمة بعد تحديدها للجلسة أن توجه الإستدعاء للمتهم وللمطالب بالحق المدني والمسؤول المدني ان وجد والى المحامي الذي نصب لمؤازرة موكله، واذا كان للمتهم أكثر من محام وجب استدعاؤهم جميعا دون أي استثناء.
ثالثا : البيانات الواجب توفرها في الإستدعاء
بالرجوع للمادة 308 من ق.م.ج تحدد البيانات الجوهرية التي يجب توفرها في الاستدعاء، اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها والمواد القانونية المطبقة بشأنها، وقد رتب المشرع البطلان عند تخلف هذه البيانات، بالإضافة الى بيان التهمة بحيث لا يكفي الوصف القانوني والهدف منه اتاحة فرصة للمتهم لاعداد دفاعه بشأنها.
حضور المتهم
من المعلوم أن مبدأ الحضورية من المبادئ الأساسية التي ينبني عليها نظام المحاكمة الجنائية ، وحضور المتهم أمام المحكمة يعتبر من حقوق الدفاع بحيث يخول للأطراف مواجهة بعضهم البعض وتقديم دفاعهم أمام المحكمة، وهذا المبدأ هو الذي يحدد الوصف القانوني للحكم باعتباره حضوريا أو غيابها أو بمثابة حضوري، وبالتالي يحدد أجال وطرق الطعن في الحكم.
نص المشرع في المادة 311 من ق.م.ج مبدأ الحضور الشخصي عندما نص على ما يلي : ” يحضر المتهمون شخصياً، ما لم تعفهم المحكمة من الحضور طبقاً للفقرة الثانية من المادة 314 بعده.”
واذا لم يحضر المتهم رغم توجيه استدعاء اليه يتضمن اليوم والساعة المحددة للنظر في القضية تتولى المحكمة محاكمته غيابيا، اذا طلب محاميه أن تجرى المناقشات في غيبته وارتأت المحكمة عدم ضرورة حضوره شخصيا.
الآثار المترتبة على حضور المتهم
من أهم الأثار المترتبة عن حضور المتهم في مرحلة المحاكمة نجد:
• تحديد الوصف القانوني الذي قد يكون فيه الحكم اما حضوريا أو غيابيا أو بمثابة حضوري، وبالتالي تحدد طرق الطعن.
• المتهم الذي يكون حاضرا عند المناداة على القضية تم ينسحب بعد البت في مناقشة القضية لا يعتبر غائبا.
• اذا أعلم المتهم بتاريخ النطق بالحكم فعدم حضوره في التاريخ المعين لا يؤثر في وصف الحكم بأنه حضوري.
حق المتهم في المؤازرة بمحام
من أجل تحقيق المحاكمة العادلة لابد من تمكين المتهم من مؤازرة بمحامي في سائر مراحل المسطرة، فالمحامي بحكم تكوينه القانوني يساعد المتهم في اعداد دفاعه المرتبط بالإخلالات الشكلية التي قد تكون شابت الإجراءات المسطرية المنجزة قبل احالة القضية على هيئة المحكمة.
الإستماع الى الشهود والخبراء
لم يعد نظام الإثبات في الخصومة الجنائية يستند الى الاعتراف فقط باعتباره سيد الأدلة بل تطور الى غاية الوصول للإستعانة بالمشاهدة المباشرة لوقائع النازلة أو عن طريق الإستفادة من التطور العلمي في ميادين مختلفة.
أولا : الإستماع الى الشهود
تعتبر الشهادة بمثابة تقرير حقيقة أمر توصل اليه الشاهد بنفسه أو سمعه من الغير مباشرة وتنصب على وقوع الفعل الجرمي ونسبته للمتهم، ومن ثمة يتعذر الإثبات أحيانا بمجرد الاعتراف أو الكتابة مما يستدعي الشهود أمام المحكمة.
الزامية حضور الشاهد
من واجبات الشاهد الحضور أمام هيئة الحكم للإدلاء بشيادته لكونه الوسيلة الوحيدة للإثبات، بحيث نصت المادة 325 على الزامية حضور الشاهد أمام المحكمة، ونظرا لأهمية المبدأ أحاطه المشرع بمجموعة من الإجراءات:
استعمال القوة العمومية لإحضار الشاهد: بحيث يمكن للمحكمة تسخير القوة العمومية لإحضار الشاهد المتخلف تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العمة اذا تخلف عن الحضور رغم استدعائه بصفة قانونية خصوصا اذا كان تصريحه يكتسي أهمية ولا يمكن الإستغناء عنه. وبذلك يتحمل الشاهد جميع مصاريف التبليغ مالم يبرر تخلفه بعذر مقبول.
الحكم على الشاهد الذي يتخلف عن الحضور: رتب المشرع على الشاهد عند اخلاله بالتزام الحضور عقوبة تتمثل في أداء غرامة تتراوح بين 1200 درىم و 12000 درهم اذا تخلف رغم استدعائه بصفة قانونية أو اذا حضر ورفض أداء اليمين أو الإدلاء بشهادته ولو لم يترتب عن عدم حضوره تأجيل القضية.
أداء الشهادة شفويا
من المعلوم أن الشهادة تؤدى شفويا أمام هيئة الحكم وهذا هوه الأصل، وذلك بهدف تكوين القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي، الا أن هذا المبدأ ترد عليه استثناءات :
شهادة أعضاء الحكومة: بالرجوع للمادة 326 من ق.م.ج لا يمكن استدعاء أعضاء الحكومة وكتاب الدولة ونوابهم الا بعد الحصول على اذن المجلس الوزاري بناء على تقرير يقدمه وزير العدل، إذا لم يطلب الحضور، أو لم يؤذن فيه، فإن الشهادة يتلقاها كتابة بمنزل الشاهد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، أو قاض ينتدبه إذا كان الشاهد مقيما خارج دائرة نفوذ المحكمة.
شهادة ممثل دولة أجنبية: استنادا لممادة 327من ق.م.ج فان الشهادة التي يؤديها ممثل دولة أجنبية تطلب بواسطة الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية ويؤديها المعني بالأمر كتابة.
شهادة الأصم أو الأبكم : توجو اليه الأسئلة وترد الأجوبة عنها كتابة واذا كان لا يعرف الكتابة يساعده شخص اعتاد التحدث معه أو أي شخص قادر على التخاطب معه.
استعانة الشاهد بمذكرات كتابية: نصت المادة 337من ق.م.ج على أن الشاهد يمكنه بصفة استثنائية أن يستعين بمذكرات بإذن من رئيس الهيئة، وعليه يمكن لرئيس الهيئة السماح للشاهد الإستعانة بمذكرات كتابية حتى لا تكون هناك زيادة أو نقصان خاصة في النزاعات المعقدة التي تتطلب حسابات.
استدعاء أطراف الخصومة لمشيود الذين يزكون مواقفيم
نصت المادة 325 على أنه : يستدعى الشاهد تلقائيا من طرف المحكمة أو بناء على طلب النيابة العامة أو الطرف المدني أو المتهم أو المسؤول عن الحقوق المدنية حتى وان كانت المحكمة هي التي تسير على استدعاء الشهود فان الأطراف هم من يبادر بطلب الإستماع اليهم تعزيزا لمواقفهم في الاتهام أو الدفاع، فهم شهود نفي واثبات.
حياد الشاهد
نظرا لأهمية الشهادة كوسيلة من وسائل الإثبات التي يبني عليها القاضي قناعته للقول بارتكاب المتهم الفعل من عدم ارتكابه ، أحاطها المشرع بإجراءات مسطرية لضمان حياد الشاهد وعدم خضوعه لأي ثأثير :
أداء اليمين القانونية: قبل أداء أي شهادة وربطها بالبعد الديني قصد تحقيق الأثر الإيجابي على نفسية الشاهد ليدلي بشهادة حقيقية دون نقصان أو زيادة.
اشعار الشاهد بجريمة شهادة الزور: حيث تتلى عليه المقتضيات القانونية التي تعاقب على شهادة الزور حتى يكون على بينة من أهمية الشهادة وعدم تحريفها حسب المادة 331 من ق.ل.ع.
التأكد من علاقة الشاهد بالأطراف: بعد أداء اليمين يتأكد القاضي فيما اذا كانت تربط الشاهد بالمتهم أو الطرف المدني قرابة أو مصاهرة ودرجتهما أو علاقة عمل وأي علاقة عداوة أو خصومة، واذا توفرت احداها تستغني المحكمة عن الشاهد لعدم توفر التجرد والحياد اللذين يشكلان اطمئنان المحكمة للشهادة.
أمر الشهود بالإنسحاب من القاعة: ينادي رئيس الجلسة على المتهم ويتأكد من هويته وينادي الشهود ويطلب منهم الانسحاب الى القاعة المعدة لهم ولا يغادرونها الا لأداء شهادتهم.
انجاز محضر مستقل عن محضر أداء الشهادة : الرئيس اما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة يأمر كاتب الضبط بوضع محضر مستقل يسجل فيه ما قد يرد من زيادة أو تبديل أو اختلاف عند المقارنة.
التوازن بين الزامية أداء الشهادة وبين المحافظة على السر المهني
بالرجوع لممادة 334من ق.م.ج فإنه لا يمكن سماع شهادة محامي المتهم حول ما علمه بهذه الصفة، ويمكن الإستماع الى الأشخاص المقيدين بالسر المهني وفق الشروط وفي نطاق الحدود المقررة في القانون، والملاحظ أن المشرع ابتغى التوفيق بين الزامية كثمان السر المهني وبين ضرورة أداء الشهادة أمام المحاكم لكشف وقائع جريمة أحدثت اضطرابا اجتماعيا وأخلت بالأمن واستقرار المجتمع.
الإستماع الى الخبراء
يعتبر انتداب الخبراء من وسائل البحث المهمة في المسائل الجنائية، بحيث يمكن للمحكمة أن تأمر بإجراء خبرة اما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف.
أولا : الخبير لا يطلب منه أداء اليمين أمام المحكمة
الخبير أجنبي عن تلك الظروف ولا تطلب مساهمته الا بسبب تكوينه العلمي أو تجربته التقنية، ويجوز في الجلسة الإستماع الى الخبراء بصفة شهود الا أنه لا يطلب منه أداء اليمين لأنه خبير محلف سبق له أداء اليمين القانونية قبل مباشرة مهامه.
ثانيا : الخبير غير المحلف
تطبق عليه نفس الترتيبات والإجراءات المتعلقة بالخبير المحلف الا أن الخبراء غير المحلفين يؤدون اليمين التالية أمام المحكمة ” أقسم بالله العظيم على أن أقدم مساعدتي للعدالة وفق ما يقتضيه الشرف والضمير”.
ثالثا : عرض الخبير لنتائج الخبرة
بعد انتهاء عملية الخبرة يحرر الخبير تقريرا يصنف فيه تمك العمليات ونتائجها ويشهد بذات التقرير أنه قام شخصيا بها ويوقع ويودع التقرير والأشياء المحكوم عليها أو ما تبقى منها بين يدي كاتب الضبط للمحكمة التي أمرت بالإجراء ويثبت الإيداع في محضر وذلك لما تلعبه الخبرة من دور حاسم في مساعدة القضاء في اطار الإثبات الجنائي.
رابعا : وقوع نزاع عارض حول مستنتجات الخبير
بداية مرحلة المناقشة يمكن أن تتمخض عن قبول التقرير أو استبعاده أو الأمر بخبرة تكميلية أو خبرة مضادة واذا كان تقرير المناقشة يوحي لنوع من التناقض مع مفهوم الخبرة القضائية الدقيقة فإنه يظل مفيدا في الوصول الى تصور يوفق بين سلطة القضاء من جهة وصيانة حقوق المتقاضين من جهة أخرى.
المطالبة بالحق المدني وأثارها
بالرجوع للمادة 2 من ق.م.ج فكل جريمة يترتب عنها الحق في اقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات، والحق في اقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسببت فيه الجريمة.
أولا : المطالبة بالحق المدني
من المعلوم أن كل شخص ادعى أنه تضرر من جريمة يمكنه أن يتقدم بصفته طرفا مدنيا أمام هيئة الحكم وفق المادة 348 من ق.م.ج ، بحيث أن الضرر اما أن يكون جسمانيا أو ماديا أو معنويا ومن ثمة تخضع المطالبة بالحق المدني أمام القضاء الجنائي لبعض القواعد الخاصة :
أولا: عدم خضوع هذه المطالب لأداء الرسوم القضائية سواء قدمت في مذكرة أو بصيغة شفوية.
ثانيا: تبلغ الدعوى المدنية المقامة ضد موظف عمومي أو قاض الى الوكيل القضائي للمملكة.
ثالثا: يمكن اقامة الدعوى المدنية في سائر مراحل المسطرة الى غاية اختتام المناقشات.
رابعا: يجب اقامة الدعوى المدنية من طرف من يتوفر على الأهلية المدنية للتقاضي.
خامسا : تنازل الطرف المدني عن طلبه أمام القضاء الجنائي لا يترتب عنه سقوط الحق في المطالبة بالتعويض أمام القضاء المدني المختص.
ثانيا : آثار المطالبة بالحق المدني
يصبح المطالب بالحق المدني طرفا في الدعوى ويتعين اعلامه بالإجراءات المتخذة.
الأحكام والقرارات والأوامر وأثارها
أفرد المشرع المغربي بابا خاصا بالأحكام والقرارات والأوامر التي تصدرها المحاكم وجعل لها مقتضيات قانونية تحدد كيفية صدورها ومشتملاتها ووقت النطق بها والعيوب التي قد تشوبها وتؤدي إلى بطلانها.
البيانات الإلزامية للأحكام
الأحكام تصدر في هيئة القضاء الجماعي بأغلبية أعضائها، وهذه المقررات التي تصدرها يجب أن تكون محررة ومعللة، ويجب أن يتلى منطوقها في جلسة علنية ، ما لم تنص مقتضيات خاصة على خلاف ذلك، كما هم الشأن بالنسبة للأحكام الصادرة في قضايا الأحداث الجانحين.
البيانات الإلزامية في الاحكام الجنائية
تم التنصيص عليها في المادتين 365 و366 ، جاء في المادة 365 : ” يجب أن يستهل كل حكم أو قرار أو أمر بالصيغة الآتية:
المملكة المغربية – باسم جلالة الملك وطبقا للقانون. ويجب أن يحتوي على ما يأتي :
1- بيان الهيئة القضائية التي أصدرته؛
2- تاريخ صدوره؛
3- بيان أطراف الدعوى المحكوم فيها مع تعيين الاسم العائلي والشخصي للمتهم وتاريخ ومحل ولادته وقبيلته وفخذته ومهنته ومحل إقامته وسوابقه القضائية ورقم بطاقة تعريفه عند الاقتضاء؛
4- كيفية وتاريخ الاستدعاء الموجه للأطراف إن اقتضى الحال؛
5- بيان الوقائع موضوع المتابعة وتاريخها ومكان اقترافها؛
6- حضور الأطراف أو غيابهم وكذا تمثيلهم إن اقتضى الحال والصفة التي حضروا بها ومؤازرة المحامي؛
7- حضور الشهود والخبراء والتراجمة عند الاقتضاء؛
8- الأسباب الواقعية والقانونية التي ينبني عليها الحكم أو القرار أو الأمر ولو في حالة البراءة؛
9- بيان مختلف أنواع الضرر التي قبل التعويض عنها في حالة مطالبة طرف مدني بالتعويض عن الضرر الحاصل بسبب الجريمة؛
10- منطوق الحكم أو القرار أو الأمر؛
11- تصفية المصاريف مع تحديد مدة الإكراه البدني إن اقتضى الحال؛
12- اسم القاضي أو القضاة الذين أصدروا الحكم أو القرار أو الأمر واسم ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط؛
13- توقيع الرئيس الذي تلا الحكم أو القرار أو الأمر وتوقيع كاتب الضبط الذي حضر الجلسة.”
المادة 366 : ” يبين في منطوق كل حكم أو قرار أو أمر ما إذا صدر في جلسة علنية، وهل هو حكم ابتدائي أم نهائي، حضوري أم بمثابة حضوري أم غيابي. في حالة الحكم في جوهر الدعوى، يقضي منطوق الحكم بالإدانة أو الإعفاء أو البراءة، ويبت فيما يرجع لتحمل المصاريف. تبت المحكمة، عند الاقتضاء، في رد الأشياء الموضوعة تحت يد العدالة لمن له الحق فيها، أو برد ثمنها إذا كانت هيئة الحكم أو هيئة التحقيق قد قررت بيعها خشية فسادها أو تلفها أو نتيجة لتعذر الاحتفاظ بها. ويمكنها أن تأمر في كل مراحل المسطرة برد الأشياء، ما لم تكن خطيرة أو لازمة لسير الدعوى أو قابلة للمصادرة، مع التزام المالك بإعادة ما يصلح منها كأدوات اقتناع أمام المحكمة التي قد تعرض عليها القضية من جديد إذا قررت ذلك، غير أنه يمكن للمحكمة أن تأمر استثناءً برد الأشياء الخطيرة إلى من له الحق فيها بطلب منه، إذا توفرت الضمانات الكافية لإثبات الحاجة إليها والحماية من خطرها.
إذا صدر الحكم بالإدانة، ينص فيه بالإضافة إلى ما تقدم، على الجريمة التي صرحت المحكمة بإدانة المتهم من أجلها، وعلى مواد القانون المطبقة، وعلى العقوبة، وإن اقتضى الحال، على العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية وما قضى به من حقوق مدنية.”
الآثار المترتبة عن إغفال بيانات الأحكام
حددت المادة 370 من ق م ج الحالات التي تؤدي إلى بطلان الأحكام أو القرارات أو الأوامر، وهي حالات وردت على سبيل الحصر:
1- إذا لم تكن تحمل الصيغة المنصوص عليها في مستهل المادة 365؛
2- إذا لم تكن هيئة الحكم مشكلة طبق القانون المنظم لها، أو إذا صدر الحكم عن قضاة لم يحضروا في جميع الجلسات التي درست فيها الدعوى؛
3- إذا لم تكن معللة أو إذا كانت تحتوي على تعليلات متناقضة؛
4- إذا أغفل منطوق الحكم أو القرار أو الأمر أو إذا لم يكن يحتوي على البيانات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 366؛
5- إذا لم تصدر في جلسة علنية خرقا لمقتضيات المادة 364؛
• إذا لم تكن تحمل تاريخ النطق بالحكم أو القرار أو الأمر و التوقيعات التي تتطلبها المادة 365، مع مراعاة مقتضيات المادة 371 بعده.”
الإجراءات المتعلقة بالطلبات والدفوعات وآثارها:
نصت المادة 323 : ” يجب تحت طائلة السقوط، أن تقدم قبل كل دفاع في جوهر الدعوى، ودفعة واحدة، طلبات الإحالة بسبب عدم الاختصاص – ما لم تكن بسبب نوع الجريمة – وأنواع الدفع المترتبة إما عن بطلان الاستدعاء أو بطلان المسطرة المجراة سابقا، وكذا المسائل المتعين فصلها أولياً. يتعين على المحكمة البت في هذه الطلبات فوراً، ولها بصفة استثنائية تأجيل النظر فيها بقرار معلل إلى حين البت في الجوهر. تواصل المحكمة المناقشات، ويبقى حق الطعن محفوظا ليستعمل في آن واحد مع الطعن في الحكم الذي يصدر في جوهر الدعوى.”
المادة 324 : ” إذا أثير البطلان في غير الأحوال المشار إليها في المادة 227 أعلاه، فيمكن للمحكمة المحالة إليها القضية، بعد الاستماع إلى النيابة العامة والأطراف، أن تصدر حكما بإبطال الوثائق التي تعتبرها مشوبة بالبطلان. يجب أن تقدم طلبات الإبطال المثارة من الأطراف دفعة واحدة قبل استنطاق المتهم في موضوع الدعوى، وذلك تحت طائلة سقوط الحق في تقديمها.
يمكن للأطراف أن يتنازلوا عن التمسك بالدفع بالبطلان إذا لم يكن مقررا إلا لمصلحتهم فقط، ويجب أن يكون هذا التنازل صريحا، ولا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميه أو بعد استدعائه بصفة قانونية. إذا اقتصرت المحكمة على إبطال بعض الإجراءات فقط، فيجب أن تصرح بسحبها من المناقشات، وتأمر بحفظها في كتابة الضبط. وتطبق عندئذ مقتضيات المادة 213 أعلاه.
إذا أدى بطلان الإجراء إلى بطلان الإجراءات اللاحقة كلا أو بعضا، فإن المحكمة تأمر بإجراء تحقيق تكميلي إذا ارتأت أنه بالإمكان تدارك البطلان. وفي حالة العكس، تحيل المحكمة القضية إلى النيابة العامة، وتبت علاوة على ذلك، وعند الاقتضاء، في شأن الاعتقال الاحتياطي أو المراقبة القضائية.”
قانون المسطرة الجنائية تضمن مجموعة من الإجراءات والقواعد في مختلف أوقات سريان مراحل الدعوى العمومية، أي منذ وقوع الجريمة إلى حين صدور الحكم البات فيها. وقد تضمنت تلك القواعد في ذات الوقت كيفية استعمال الأطراف لوسائل الدفاع التي يخولها القانون لكل واحد منهم ولم يجعمها مطلقة لسببين :أولهما وضع شروط وضوابط تكفل عدم التعسف في استعمالها، وثانيهما ضمان حسن سير العدالة تحقيقا للمحاكمة العادلة.
تعريف السقوط
يقصد بالسقوط الجزاء المسطري الذي يقرره المشرع عند مخالفة أحكام مقتضيات القانون المتعلقة بميعاد مباشرة الإجراء. وهذا الأخير إما أن يكون واقعة قانونية أو واقعة معينة وهو بذلك يرد على الحق في مباشرة الإجراء ويمنع عدم ممارسته. فالمشرع ربط السقوط بالأجل المحدد لمباشرة الإجراء، كطلب الإحالة لعدم الاختصاص ( باستثناء الاختصاص المتعلق بنوع الجريمة) والدفوع المترتبة عن بطلان الاستدعاء أو بطلان الإجراءات المسطرية المجراة سابقا وكذا المسائل التي يتعين فصليا أوليا. وعليه يجب تقديم الطلبات المذكورة قبل أي دفع أو دفاع في الجوهر، أي قبل بدء المحكمة في مناقشة القضية.
ويتعين التمييز في هذا الإطار بين السقوط والحرمان كجزاءين مسطريين، فالسقوط مرتبط بأجل مباشرة الإجراء المسطري، أما الحرمان فيتمثل في وضع عقبة أو مانع يحول دون حلول مركز قانوني محل آخر. ويقصد به كذلك القيام بسلوك مسطري يتعارض مع الحق في مباشرته قانونا. كما يتعين التمييز بين السقوط والتنازل الذي يكون عن طواعية واختيار من قبل الأطراف ويقتصر على مصالحهم ليس إلا.
خصائص السقوط
أجمع الفقه على أن خصائص السقوط تتمثل فيما يلي:
• يرد على الحق في مباشرة إجراء مسطري.
• يقتصر على حق الأطراف في القيام بإجراءات مسطرية غايتها حسن سير العدالة.
• السقوط لا يعتبر تنازلا ضمنيا عن الحق في مباشرة الإجراء المسطري بل يعتبر جزاء رتبه المشرع عند عدم احترام الآجال.
• السقوط يتم بقوة القانون، ويتميز السقوط عن البطلان الذي لا يحول دون إعادة اتخاذ الإجراء بشكل صحيح في بعض الأحوال.
• كما يتميز عن عدم قبول الإجراء الذي لا يحول دون قبوله بعد استيفاء المقتضيات التي كانت تنقصه وأدت إلى عدم قبوله، كما يتميز السقوط عن التقادم الذي يمنع إقامة الدعوى بتاتا في كافة إجراءاتها.
• كما يرتب السقوط فيما يخص طلبات بطلان المسطرة المجراة سابقا والمسائل المتعين فصلها أوليا ومن بين هذه المسائل نذكر ما يلي:
• – المنازعة في هوية المتهم
• – التجريح المقدم ضد المترجم
• – الدفع بزورية الوثائق
• – التجريح المقدم ضد قضاة الحكم
• – إثارة الحقوق العينية العقارية والحقوق الزوجية في جريمة إهمال الأسرة أو الخيانة الزوجية مثلا.
• أما الطلبات المتعلقة ببطلان المسطرة المجراة سابقا فهي التي تتعلق غالبا بعمل الضابطة القضائية وبالمرحلة السابقة للمحاكمة وإجراءات التحقيق. ومن هنا يتعين علينا التعريف بالبطلان وأنواعه وآثاره.
التعريف بالبطلان
إن البطلان هو جزاء مسطري يترتب عن عدم احترام الإجراءات القانونية سواء كانت جوهرية أو شكلية، وقد أشار المشرع إلى البطلان كجزاء في المادة 227 من ق م ج.
أنواع البطلان
البطلان العام : وهو الذي يرد كجزاء على مخالفة مجموعة من القواعد أضفى عليها المشرع صفة معينة دون أن ينص على البطلان بقاعدة معينة.
البطلان الخاص : وهو الذي ينص عليه المشرع بصدد إجراء معين.
البطلان المطلق : وهو الذي يترتب عند مخالفة القواعد الخاصة بالإجراءات المسطرية الجوهرية المتعلقة بالنظام العام.
البطلان النسبي : وهو الذي يترتب عند عدم احترام القواعد المسطرية غير المتعلقة بالنظام العام.
وتجتمع أنواع البطلان في نوعين رئيسيين هما البطلان القانوني والبطلان القضائي، وقد نص المشرع على إثارة البطلان لضمان حق المتهم في الدفاع عن مصلحته بصفة أساسية والمتمثلة في بعض وسائل الإثبات المقامة ضده، وبالتالي نفي التهمة المنسوبة إليه، والذي ينبغي إثارته قبل كل دفاع في الجوهر وقبل استنطاق المتهم، ومن بينها بطلان إجراءات التحقيق وبطلان محاضر المصرحين لصدورها تحت إحدى التأثيرات كالإكراه أو الإغراء أو لتناقضها وعدم انسجامها أو بطلان الاعتراف إذا كان وليد الإكراه أو التعذيب أو بطلان حالة التلبس.
أما بخصوص الحالة الثانية اعتبارا لما ورد في المادة 227من ق م ج ، فلابد من التمييز بين قرار قاضي التحقيق القاضي بعدم المتابعة وقراره بالإحالة. فإذا ألغت الغرفة الجنحية قرار قاضي التحقيق بعدم المتابعة فإنها طبقا لمقتضيات المادة 243 من ق م ج تصدر قرارا بالإحالة. وهذا القرار قد يرتكز على الإجراءات السابقة لقاضي التحقيق أو إجراءات تحقيق أخرى قامت بها الغرفة من تلقاء نفسها أو بطهب من الوكيل العام للملك أو أحد الأطراف طبقا لمقتضيات المادة 238 من ق م ج، ففي هذه الحالة وبصريح المادتين 227 و 324 من ق م ج فإن قرار الغرفة المذكورة يطهر إجراءات التحقيق ولا يمكن إثارة الدفع ببطلانها أمام المحكمة.
وفي إطار التخفيف من حدة النتائج التي قد تترتب عن بطلان إجراءات التحقيق، فإن المشرع و بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة324 أجاز للأطراف التنازل عن التمسك بالدفع بالبطلان شريطة:
• أن يكون هذا البطلان مقررا لمصلحتهم فقط.
• أن يكون التنازل صريحا.
• ألا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميو أو بعد استدعائه بصفة قانونية.
ثالثا- آثار البطلان: تختلف آثار الأحكام الصادرة ببطلان إجراءات التحقيق حسب ما إذا كان البطلان يقتصر على إجراء معين أو بعض الإجراءات، أم يجب أن يشمل الإجراءات اللاحقة كذلك.
ففي الحالة الأولى: إذا كان إجراء البطلان يقتصر على إجراء معين أو بعض الإجراءات، تأمر المحكمة بسحب وثائق الإجراءات التي أبطلت وبحفظها في كتابة الضبط، ويمنع الرجوع إلى ما في هذه الوثائق لاستخلاص أدلة ضد الأطراف في الدعوى أو إعادة استعمالها، تحت طائلة متابعات تأديبية في حق القضاة والمحامين طبقا لمقتضيات المادة 213من ق م ج.
وفي الحالة الثانية فالقاعدة أن الإجراء الباطل لا يمتد بطلانه إلى الإجراءات السابقة عليه، ذلك أن الإجراءات السابقة تواجدت صحيحة قانونا دون أن تتأثر في وجودها بالإجراء الذي تقرر بطلانه، ومفاد ذلك أن أثر الإجراء الباطل ينسحب إلى ما تلاه من الإجراءات، وعليه إذا لحق البطلان إجراء، فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة.
إجراءات المحاكمة أمام محاكم الاستئناف
إن إجراءات المحاكمة أمام محاكم الاستئناف ، نعني بها المسطرة المتبعة لعرض القضية أمام محاكم الدرجة الثانية، بعدما يتولى أحد الأطراف سلوك طريق الطعن في الحكم أو المقرر الصادر ابتدائيا والذي بدى له أنه لم يستجب لطلباته، فيعمد إلى عرض النزاع على محكمته أو جهة أعلى درجة، بغية تصحيح ذلك، ملتمسا صدور قرار وفق مطالبه، وإجراءات المحاكمة هذه تبدأ منذ سلوك الطرف المتضرر طريق الطعن في الحكم أو المقرر مرورا بعرض القضية على المحكمة أو الجهة الأعلى درجة وانتهاء بالمسطرة المتبعة أثناء عرض القضية عليها وصدور القرار في الموضوع.
يعتبر مبدأ التقاضي على درجتين مبدأ أساسيا في النظام القضائي المغربي، ويتجلى المبدأ المذكور في الاستئناف كطريق من طرق الطعن
العادية، وقد حرص المشرع المغربي على اعتماد هذا المبدأ في جميع القضايا، كما كرس القانون هذا النهج عند معالجته لغرفة الجنح الاستئنافية، كغرفة تنظر في الاستئنافات المرفوعة عليها ضد الأحكام الزجرية الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية، وقد نظم قانون المسطرة الجنائية شروط الطعن بالاستئناف من خلال تعيينه للأشخاص المخول لهم هذا الحق ونطاقه، وتبيانه للأحكام القائمة للإستئناف، وآجال الطعن بالاستئناف وشكلياته.
سنتناول في المحاور المقبلة الإجراءات المتبعة أثناء عرض النزاع على كل من غرفة الجنح الاستئنافية والغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف ثم غرفة الجنايات بنوعيها الابتدائية والاستئنافية.
غرفة الجنح الاستئنافية
أولا : الأطراف المخول ليم حق الطعن بالاستئناف
الأصل أن لكل طرف في الدعوى أمام المحكمة الابتدائية حق الطعن بالاستئناف في حدود مصلحته، وقد حدد قانون المسطرة الجنائية الأطراف التي تملك حق ممارسة هذا الطعن.
• المتهم
نصت الفقرة الأولى من المادة 396 ق م ج على أنه يمكن للمتهم استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية.
• المسؤول المدني
أجازت المادتان 396 و 397 من ق م ج للمسؤول عن الحقوق المدنية الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في المخالفات والجنح فيما يخص حقوقه المدنية نتيجة ما تعرض لو من ضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة المرتكبة.
• وكيل الملك
بالرجوع للمادة 396 من ق م ج نجدها تنص على أنه المادة 396 : ” يمكن للمتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والنيابة العامة استئناف الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية. يخول نفس الحق للطرف المدني فيما يخص حقوقه المدنية لا غير. يترتب عن الاستئناف الأثر المنصوص عليه في المادتين 409 و410 بعده. إذا صدر حكم حضوري يقضي بغرامة غير مقرونة بعقوبة سالبة للحرية، فإن هذا الحكم لا يمكن أن يطعن فيه إلا بالنقض طبق الشروط المنصوص عليها في المادة 415 بعده.”
كما نصت المادة 397 من ق م ج على أنه : ” يمكن الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها من المتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والطرف المدني ووكيل الملك والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، أو إحدى الإدارات عندما يسمح لها القانون بصفة خاصة بإقامة الدعوى العمومية.”.
• الوكيل العام للملك
أجازت المادة 397 من ق م ج للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها. كما نصت المادة من 398 ق م ج في فقرتها الثانية على أن أجل الاستئناف المخول للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف لا يحول دون تنفيذ العقوبة.
• الإدارات العمومية
خول المشرع للإدارات العمومية التي سمح لها القانون بصفة خاصة بإقامة الدعوى العمومية، كإدارة الجمارك الحق في الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها، طبقا لمقتضيات المادة 397ق م ج .
• شركات التأمين وصندوق مال الضمان
أجاز لها المشرع استئناف الأحكام الزجرية الصادرة عن المحاكم الابتدائية والتي تمس مصالحها المالية، والقاضية بإحلالها محل المؤمن لو أو الدائن بالتعويض باعتبارهما مسؤولين مدنيين .
ثانيا : الأحكام القابلة للطعن بالاستئناف
نص المشرع في ق.م.ج على أن جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية في المادة الجنحية كيفما كان منطوقها، تقبل الطعن بالاستئناف.
الأحكام الجنحية الصادرة عن المحاكم الابتدائية
نصت المادة 397 ق م ج على أن الأحكام الصادرة في الجنح كيفما كان منطوقها يمكن الطعن فيها بالاستئناف. ونصت المادة 396 ق م ج على أن الأحكام الصادرة في المخالفات إذا قضت بعقوبة سالبة للحرية تكون قابلة للطعن بالاستئناف. أما إذا صدر حكم حضوري يقضي بغرامة غير مقرونة بعقوبة سالبة للحرية فلا يمكن الطعن فيها بالاستئناف، حيث يكون قابلة للطعن فيها بالنقض فقط طبقا للمادة 396 من ق م ج.
الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوعات
جاء في المادة 401 ق م ج أن الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع لا يمكن استئنافيا إلا بعد صدور الحكم في جوهر الدعوى. المادة 401 : ” لا يقبل استئناف الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع إلا بعد صدور الحكم في جوهر الدعوى وفي نفس الوقت الذي يطلب فيه استئناف هذا الحكم، وكذلك الشأن في الأحكام الصادرة في مسألة الاختصاص ما لم يكن الأمر متعلقا بعدم الاختصاص النوعي وكان الدفع به قد أثير قبل كل دفاع في الجوهر. في حالة النزاع بشأن نوع الحكم، فإن للطرف الذي يرفض كاتب الضبط طلبه، أن يلتمس في ظرف أربع وعشرين ساعة من رئيس المحكمة بواسطة مذكرة، أن يأمر كاتب الضبط بتسجيل التصريح باستئنافه، ويتعين على كاتب الضبط أن يمتثل لهذا الأمر. يعتبر تاريخ تقديم هذا الطلب في حالة الموافقة عليه تاريخاً للتصريح بالاستئناف. لا يمكن أن يكون أمر الرئيس موضوعا لأي طعن. لا يمكن الاحتجاج بالتنفيذ الطوعي للأحكام المنصوص عليها في الفقرة الأولى أعلاه كوسيلة لعدم قبول الاستئناف.”
ثالثا : آجال الاستئناف
1- الأجل الأصلي للاستئناف
لقد نصت عليه المادة 400 من ق م ج وهو الفترة الزمنية التي يتعين خلالها تقديم الطعن بالاستئناف، وهي عشرة أيام تبتدئ بالنسبة للنيابة العامة من تاريخ صدور الحكم، على اعتبار أنها طرف أصلي في الدعوى العمومية وتصدر الأحكام دائما بحضورها، أما بالنسبة لباقي الأطراف فيسري هذا الأجل من تاريخ الحكم إذا كان قد صدر بحضورهم أو بحضور من يمثلهم، واذا وقع إشعارهم بيوم النطق. أما إذا صدر الحكم غيابيا أو بمثابة حضوري، فإن هذا الأجل يسري من تاريخ تبليغ الحكم للشخص نفسه أو في موطنه.
2- الأجل الإضافي للاستئناف
هو الأجل الذي يمنحه القانون لباقي الأطراف التي لم تستأنف الحكم الابتدائي داخل الأجل الأصلي، ومدته خمسة أيام ابتداء من تاريخ التصريح بالاستئناف الأصلي. والأجل الإضافي يضاف إلى الأجل القانوني الممنوح للأطراف التي لم تستأنف استئنافا أصليا، ولا يمكن
رابعا : كيفية التصريح بالاستئناف
• التصريح أمام المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف
القاعدة أن التصريح باستئناف الأحكام الزجرية التي تصدره المحاكم الابتدائية يكون لدى كتابة ضبط المحكمة المصدرة لها أو لدى كتابة ضبط محكمة الاستئناف التي ستنظر في القضية وفق المادة 399ق م ج.
• الاستئناف في حالة المتهم المعتقل
إذا كان المتهم معتقلا فإن التصريح بالاستئناف المقدم لدى كتابة الضبط بالمؤسسة السجنية المعتقل بها يكون صحيحا، بحيث يتلقاه الموظف المكلف في الحال ويضمنه في سجل خاص حسب ما نصت عليه المادة 223 من ق م ج.
خامسا : آثار الطعن بالاستئناف
• الأثر الواقف للاستئناف
القاعدة العامة أن الأحكام الزجرية لا يمكن تنفيذها إلا بعد صيرورتها باتة في المقتضيات العمومية ونهائية في المقتضيات المدنية وفق المادتان 597 و 598 ق م ج ، وهو الأمر الذي كرسته المادة 398 من نفس القانون والتي أشارت إلى أن آجال الاستئناف وسريان إجراءات الدعوى أمام محكمة الاستئناف يوقف الحكم المطعون فيه مع بعض الاستثناءات المتمثلة في :
* حالة صدور حكم قضى ببراءة المتهم أو إعفائه أو حبسه مع إيقاف التنفيذ أو بغرامة فقط، أو بسقوط الدعوى العمومية.
* حالة قضاء المتهم العقوبة الحبسية المحكوم بها عليه إذا كان في حالة اعتقال.
* حالة المتهم الذي أفرج عنه مؤقتا ما لم يكن متابعا بالمس بالمقدسات أو بجريمة تتعمق بالمخدرات وفق المادة 181ق م ج.
وتجدر الإشارة إلى أن الأثر الواقف للاستئناف لا يترتب عنه بطلان الحكم المستأنف، كما هو الحال بالنسبة للطعن ضد الحكم الابتدائي بل يظل قائما ولكن لا يمكن تنفيذ مقتضياته أثناء فترة الطعن بالاستئناف.
• الأثر الناقل للاستئناف
يعني هذا الأثر بأن الاستئناف ينقل النزاع من جديد أمام محكمة درجة ثانية والتي تقوم بدراسة ومناقشة القضية من جديد بجميع عناصرها الواقعية والقانونية، متقيدة في ذلك بالمقتضيات موضوع الاستئناف، ويتميز بخاصيتين أولهما نشر الدعوى في حدود الوقائع التي سبق عرضيا على المحكمة الابتدائية، وثانيهما نشر الدعوى بجميع عناصرها الواقعية والقانونية.
الإجراءات المسطرية أمام غرفة الجنح الاستئنافية
تخضع القواعد الإجرائية أمام غرفة الجنح الاستئنافية للمبادئ العامة للمحاكمة، والتي تتمثل في العلنية والشفوية والحضورية وحق الدفاع وتدوين الاجراءات والتقيد بالحدود المحالة بها الدعوى، وتشترك مع باقي المحاكم في القواعد العامة للإجراءات، كما أنها تنفرد بخصوصيات أخرى في هذا المجال.
أولا : علنية الجلسات وشفوية المرافعات
تعتبر علنية المحاكمة ضمانة أساسية لعدالتها، وهو ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما أن المادة 300 من ق م ج نصت على أن إجراءات البحث والمناقشات تتم في جلسة علنية تحت طائلة البطلان، ماعدا إذا اعتبرت المحكمة أن في علنية الجلسة خطرا على الأمن أو الأخلاق، فتصدر مقررا بجعل الجلسة سرية حسب المادة 302 ق م ج. وهكذا فإن إجراءات المحاكمة أمام غرفة الجنح الاستئنافية تكون علنية ما لم تقرر الغرفة إجراء المحاكمة في جلسة سرية، بالإضافة إلى علنية الجلسات ينبغي أن تكون المسطرة شفوية بحيث تتم إجراءات مناقشة القضية بشكل شفوي ولو أن القانون لم ينص على ذلك صراحة.
ثانيا : تدوين الإجراءات
نصت المادة 399 من ق.م.ج على أن غرفة الجنح الاستئنافية تعقد جلساتها بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط الذي تنحصر مهمته في تسجيل ما راج بالجلسة من مناقشات وما تم اتخاذه من إجراءات وذلك لإثبات حصولها من جهة والتحقق من مدى مطابقتها من جهة أخرى، وتظهر أهمية هذا التدوين في كونه هو الذي يعتمد أثناء المداولة واصدار الحكم. ولكي يعتد برسمية محاضر الجلسات ينبغي توقيعيا من طرف كاتب الجلسة ورئيسها.
ثالثا : مثول المتهمين
تناول المشرع موضوع حضور الأطراف لجلسات المحاكمة وحرصا منه على حماية حقوق الدفاع وتكريسا لضمانات المحاكمة العادلة، خول للمتهم الحق في تنصيب محام أثناء إجراءات المحاكمة. ويمثل المتهمون أمام غرفة الجنح الاستئنافية إما تبعا لاستدعاء بمناسبة الطعن بالاستئناف، أو بناء على أوامر بالإحضار إن كانوا في حالة اعتقال، ويجب أن يشمل الاستدعاء تحت طائلة البطلان بيان اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل ارتكابها، والفصول القانونية المطبقة بشأنها حسب المادة 308 ق م ج، وتتولى النيابة العامة تحرير وتوجيه الاستدعاء لحضور أول جلسة.
الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف
المشرع المغربي ظل متمسكا بمبدأ ثلاثية التشكيلة في الغرفة الجنحية، فنص على أن الغرفة المذكورة تشكل من رئيس ومستشارين اثنين، واذا كان قانون المسطرة الجنائية قد حدد صفة رئيس الغرفة الجنحية بإسناد رئاستها للرئيس الأول، فإنه ترك تعيين باقي أعضائها للجمعية العامة، هذا مع العلم بأن المشرع تقديرا منه لانشغالات الرئيس الأول، فقد أعطى لهذا الأخير الحق في أن ينيب عنه في رئاسة الغرفة الجنحية من يراه أهلا لذلك.
والجدير بالذكر أن المشرع قد أجاز لكل من الرئيس الأول والوكيل العام للملك بأن ينيبا عنهما من يقوم مقامهما في نطاق عمل الغرفة الجنحية، فإنه قد سعى من خلال ذكر صفتهما إلى بلورة أهمية هذه الغرفة وترسيخها في منظومة التشريع الجنائي المغربي، بالإضافة كذلك أن تشكيل الغرفة الجنحية يعتبر من النظام العام يترتب على عدم احترامه بطلان القرارات التي تصدرها.
اختصاصات الغرفة الجنحية
أولا : طلبات الإفراج المؤقت، وتدابير الوضع تحت المراقبة القضائية
طلبات الإفراج المؤقت
يعتبر قاضي التحقيق هو المختص مبدئيا للبت في طلبات الإفراج المقدمة من طرف المتهم أو محاميه خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، وتكون قراراته قابلة للاستئناف أمام الغرفة الجنحية، وهو ملزم بالبت في الطلبات المذكورة في أجل أقصاه خمسة أيام والا رفع الأمر مباشرة إلى الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف التي تبت فيه داخل أجل أقصاه 15يوما، والا تم الإفراج عن المتهم.
تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية
تبنى قانون المسطرة الجنائية وسيلة بديلة للاعتقال الاحتياطي، لما يمكن أن يترتب عنه من أضرار في حق المشتبه فيه الذي لم تصدر بعد في حقه أية عقوبة، ويتمثل هذا البديل في إمكانية الاكتفاء بوضع المتهم تحت المراقبة القضائية كإجراء يخضع من خلاله المتهم لبعض الالتزامات التي يفرضها عليه قاضي التحقيق.
ثانيا : طلبات بطلان إجراء التحقيق
لقد رتب المشرع على خرق القواعد والضمانات المقررة لفائدة كل من المتهم والطرف المدني خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، بطلان اجراءات التحقيق. وبذلك خول القانون المذكور لكل من النيابة العامة والمتهم والمطالب بالحق المدني، الحق في إثارة البطلان إذا ظهر لأي منهم، بأن إجراءا ما مشوبا بالبطلان قد اتخذه قاضي التحقيق، وذلك بطهب إحالة ملف الدعوى على الغرفة الجنحية للنظر في الأمر، كما خول المشرع لقاضي التحقيق نفسو بأن يتقدم للغرفة الجنحية بطلب إبطال إجراءات التحقيق تلقائيا إذا ما ظهر له بأن إجراء من إجراءات التحقيق معرض للبطلان، وذلك بعد استشارة النيابة العامة. وتتنوع حالات البطلان بين حالات قانونية يرتكز فيها البطلان على خرق قواعد حددها المشرع وأوجب احترامها تحت طائلة البطلان، وأخرى تتعلق بخرق حقوق الدفاع المخولة للأطراف.
حالات البطلان القانونية
تتمثل حالات البطلان المرتبطة بخرق القواعد القانونية المنصوص عليها في المادة 210 من ق.م.ج فيما يمي:
• عدم إشعار المتهم عند مثوله لأول مرة أمام قاضي التحقيق وقبل استنطاقه، بحقه في اختيار محام لمؤازرته، فإن لم يستعمل حقه في الاختيار، عين لو قاضي التحقيق محاميا بناء على طلبه ليؤازره.
• عدم إشعار المتهم بالأفعال المنسوبة إليه (المادة 134 ق.م.ج)
• عدم إشعار المتهم عند المثول الأول أمام قاضي التحقيق، بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح، وهي ضمانات أساسية لفائدة المتهم أو الطرف المدني، وبالتالي فإن عدم احتراميا يؤدي إلى بطلان الإجراء المعيب، ويبقى للغرفة الجنحية حق تقدير ما إذا كان البطلان يقتصر على الإجراء المعيب وحده، أم يمتد إلى الإجراءات الموالية لو كلا أو بعضا طبقا للمادة 211 ق.م.ج.
حالات البطلان المرتبطة بخرق حقوق الدفاع
هي المنصوص عليها في المادة 212 من ق.م.ج وهي حالات بطلان أخرى لا ترقى إلى الحالات الأولى في المساس بالضمانات الأساسية للتحقيق، وانما يؤدي خرقها إلى المساس بحقوق الدفاع المخولة للأطراف، لأن مبدأ المحاكمة العادلة مرتبط بحق المتهم في الدفاع كما توجب ذلك المواثيق الدولية. فالمادة 212 ق.م.ج نصت على أنه يترتب البطلان كذلك عن خرق المقتضيات الجوهرية للمسطرة إذا كانت نتيجتها المساس بحقوق الدفاع لأي طرف من الأطراف. والجدير بالذكر أنه ما دامت الحقوق الآنفة الذكر خاصة بالأطراف، فإن المشرع أجاز للمتهم والطرف المدني التنازل عن ادعاء البطلان بشأنها، لكن شريطة أن يكون هذا التنازل صريحا.
ثالثا : الفصل في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق
الاستئنافات المرفوعة من طرف النيابة العامة
خول قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة الحق في أن تستأنف لدى الغرفة الجنحية كل أمر قضائي يصدره قاضي التحقيق باستثناء الأوامر الصادرة بإجراء خبرة طبقا لمقتضيات المادة 196.
الاستئنافات المرفوعة من طرف المتهم
حيث يمكن للمتهم أن يستأنف مجموعة من الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق ثم تحديد بعضها بمقتضى المادة 223 من قانون المسطرة الجنائية، وهي كالتالي :
• الأمر الصادر بقبول طلبات الطرف المدني.
• الأمر الصادر بإيداع المتهم في السجن.
• الأوامر الصادرة بتمديد فترة الاعتقال الاحتياطي.
• الأمر الصادر برفض طلب الإفراج المؤقت.
• الأمر الصادر بشأن البيانات القابلة للنشر.
الاستئنافات المرفوعة من الطرف المدني
خول المشرع للطرف المدني بمقتضى المادة 224 من ق.م.ج الحق في أن يستأنف الأمر الصادر بعدم إجراء التحقيق، والأمر الصادر بعدم المتابعة وغيرهما من الأوامر التي تمس مصالحه المدنية. ومنع عليه صراحة استئناف الأوامر الصادرة بشأن اعتقال المتهم، أو بالمراقبة القضائية على أساس أن تلك الأوامر لا تؤثر على مصالحه المدنية، وخوله من جهة أخرى الحق في استئناف الأمر الصادر بشأن الاختصاص.
رابعا : الاخلالات المنسوبة لضباط الشرطة القضائية
دور الوكيل العام للملك
لو تبين أن أحد ضباط الشرطة القضائية قد أخل بالمهام المعهود بها إليه، أحاله على الغرفة الجنحية بعد تقديم ملتمساته الكتابية، وعلى أساس ذلك تقوم الغرفة الجنحية بالأبحاث والتحريات اللازمة والاستماع إلى أقوال ضابط الشرطة القضائية المنسوب إليه الإخلال، حيث يتم استدعاؤه ويقدم دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محام وفق المادة 31 من ق.م.ج، وعلى ضوء ذلك تتخذ الغرفة القرار الملائم.
العقوبات التي تصدرها الغرفة الجنحية
المادة 32 : ” يمكن للغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف، بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها في حقه رؤساؤه الإداريون، أن تصدر في حق ضابط الشرطة القضائية إحدى العقوبات التالية: توجيه ملاحظات؛ التوقيف المؤقت عن ممارسة مهام الشرطة القضائية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة؛ التجريد النهائي من مهام الشرطة القضائية. يمكن الطعن بالنقض في قرار الغرفة الجنحية، وفقاً للشروط والكيفيات العادية.”
وتجدر الإشارة أنه لما كانت قرارات الغرفة الجنحية المتخذة في حق ضابط الشرطة القضائية لا تحول دون مؤاخذته أمام القضاء العادي إذا كان الإخلال المنسوب يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، فإن الغرفة الجنحية عندما تصدر قرارها تحيل ملف المعني بالأمر على الوكيل العام للملك لاتخاذ ما يراه ملائما ، لأن اختصاص الغرفة الجنحية لا يخولها مساءلته جنائيا. جاء في المادة 33 : ” إذا ارتأت الغرفة الجنحية أن ضابط الشرطة القضائية ارتكب جريمة، أمرت علاوة على ما ذكر بإرسال الملف إلى الوكيل العام للملك.”
خامسا : الاختصاصات الأخرى المخولة لمغرفة الجنحية
• البت في الملتمسات الرامية إلى سحب قضية من قاض للتحقيق واحالتها على قاض آخر للتحقيق ضمانا لحسن سير العدالة.
• إصدار مقرر بإيقاف التحقيق أثناء النظر في استئناف أمر قضائي.
• البت في طلبات رد الاعتبار.
الإجراءات المسطرية أمام الغرفة الجنحية
أولا : اجتماع الغرفة الجنحية بدعوة من رئيسيا
أي أن رئيس الغرفة الجنحية، الرئيس الأول أو من ينوب عنه، هو الذي لو صلاحية طلب عقد اجتماعها كمما رأى ضرورة ذلك.
ثانيا : اجتماع الغرفة الجنحية بطلب من الوكيل العام للملك
من المعلوم أنه يمكن للغرفة الجنحية أن تجتمع بطلب من الوكيل العام كمما اقتضت الضرورة ذلك، ويمكن تصور ذلك في الحالات التي تعمد فيها النيابة العامة إلى تعيين الملفات المعروضة عليها على الغرفة الجنحية للبت فيها.
إحالة القضية على الغرفة الجنحية
تحال القضايا على الغرفة الجنحية بواسطة النيابة العامة، بعد تهييئها داخل أجل خمسة أيام من تاريخ توصليا بالملف من طرف قاضي التحقيق وفور توصل كتابة الضبط بالملف ثم تحيله على الرئيس الأول لتعيين المستشار المكلف الذي يقوم بدارسة القضية واعداد تقرير في الموضوع.
وتجدر الإشارة إلى الغرفة الجنحية تعقد جلساتها في غرفة المشورة التي تكون جلساتها سرية لطبيعة القضايا المعروضة عليها وما تقتضيه من سرية لارتباطها بالتحقيق.
واذا كانت الغرفة تعقد دون حضور الأطراف، فيمكنها إذا ما ارتأت أن حضورهم سيكون مفيدا في القضية، أن تأمر بحضورهم شخصيا والاستماع إليهم وبإحضار أدوات الاقتناع لتتيح لهم فرصة الدفاع عن مصالحهم.
التحقيق التكميلي
إذا كان نشاط الغرفة الجنحية يرتكز أساسا على الفصل في الطعون المتعلقة بالقرارات التي يصدرها قضاة التحقيق، فإنها قد تقرر على ضوء ذلك إجراء تحقيق تكميلي بناء على ملتمس النيابة العامة أو بطلب من أحد الأطراف أو تلقائيا، وهو في جميع الأحوال إجراء غير إجباري، ولا يكون مجديا إلا إذا كانت إجراءات التحقيق قد انتهت وظهرت الحاجة إلى المزيد من التمحيص والتحري بشأن بعض الوقائع.
أنواع القرارات التي تصدرها الغرفة الجنحية
أولا : القرارات التي تصدرها أثناء سريان التحقيق
تصدر الغرفة الجنحية قرارات أثناء سريان التحقيق بمناسبة النظر استئنافيا في أوامر قاضي التحقيق طبقا لمقتضيات الباب الرابع عشر من القسم الثالث للكتاب الأول من هذا القانون أو بشأن طلبات الإفراج المؤقت أو بشأن البت في بطلان إجراءات التحقيق أو عند سحب قضية من غرفة التحقيق واحالتها على أخرى.
ثانيا: القرارات التي تصدرها بعد انتياء التحقيق
تصدر الغرفة الجنحية هذه القرارات عندما يتعمق الأمر باستئناف قرارات عدم المتابعة. ولا بد من الإشارة إلى أن القرارات المتعلقة بالإحالة على غرفة الجنايات لا تقبل الطعن بالاستئناف أمام الغرفة الجنحية ولكنها تقبل الطعن بالنقض مع الحكم في الجوهر ، أما القرارات المتعلقة بعدم المتابعة فيمكن للنيابة العامة والطرف المدني الطعن فيها بالاستئناف على المحكمة المختصة.
السلطات الخاصة برئيس الغرفة الجنحية
أوكل قانون المسطرة الجنائية لرئيس الغرفة الجنحية سلطات خاصة تتجلى في التحقق من حسن سير مكاتب التحقيق بدائرة نفوذ محكمته، وزيارة المؤسسات السجنية بالدائرة القضائية، والتحقق من حسن سير إجراءات التحقيق وزيارة المؤسسات السجنية ويمكن أن يمارس هذه السلطات الخاصة شخصيا أو يعين من ينوب عنه.
أولا : التحقق من حسن سير التحقيق
يتولى رئيس الغرفة الجنحية التأكد من حسن سير المساطر بشكل طبيعي، وحت قضاة التحقيق على تفادي أي تأخير غير مبرر للمساطر المعروضة عليهم، وإلزامهم بإعداد لائحة كل ثلاثة أشهر بجميع القضايا الرائجة بمكاتبهم مع الإشارة فيها إلى تاريخ تنفيذ آخر إجراء من إجراءات التحقيق المتخذة في كل منها، واعداد لائحة بالقضايا المتعلقة بالمتهمين المعتقلين احتياطيا.
ثانيا : زيارة المؤسسات السجنية
لرئيس الغرفة الجنحية زيارة المؤسسات السجنية التابعة لدائرة نفوذه، كلما رأى ذلك ضروريا، مرة على الأقل كل ثلاثة أشهر، يراقب خلالها حالة المتهمين الموجودين في حالة اعتقال احتياطي، ويمكنه أن يطلب من قضاة التحقيق كل البيانات الخاصة بوضعية بعض المعتقلين، ويوجه لقضاة التحقيق التوصيات اللازمة فيما يظهر له من ملاحظات خلال زيارته لمكاتب التحقيق.
غرفة الجنايات
جعل المشرع التقاضي أمام غرفة الجنايات على درجتين الأولى والثانية ، غرفة الجنايات الابتدائية وغرفة الجنايات الاستئنافية.
غرفة الجنايات الابتدائية
أولا : اختصاص غرفة الجنايات الابتدائية
الاختصاص المكاني: يستند في الاختصاص المكاني لغرفة الجنايات، على الأحكام العامة الواردة بالمادة 256 ق.م.ج، والتي تعرف بثلاثية الاختصاص المتمثل في محل ارتكاب الجريمة، ومحل إقامة المتهم، ومحل إلقاء القبض على المتهم.
الاختصاص النوعي: وهو الذي يتحدد بمقتضاه نوع الجريمة بنوع العقوبة المقررة لها. وقد يتأثر الاختصاص النوعي بعوامل أخرى شخصية أو قيمية. فصفة الجاني أو صفة الضحية أو قيمة ما جناه المتهم من الفعل الجرمي تنزع الاختصاص أحيانا من محكمة لفائدة محكمة أخرى، كالمحكمة العسكرية بالنسبة للجنود والضباط والمحكمة العليا وما إلى ذلك. إلا أن ولايتها قد تمتد لتشمل جرائم أخرى لظروف طارئة تتمثل في:
• عدم إمكانية الفصل بين الجناية والجرائم الأخرى لاتحاد عناصرها بشكل يستحيل معه الفصل في كل واحدة على حدة.
• ارتباط الجناية بجرائم أخرى. ويحدث الارتباط كمما قامت علاقة واضحة تجمع بين ظروف وملابسات جريمة وأخرى.
• جرائم الجلسات، وهي الجرائم التي ترتكب أثناء انعقاد جلسة الجنايات، وتجمع فيها الغرفة بين سلطة المتابعة والحكم.
ثانيا : تأليف غرفة الجنايات الابتدائية
تتألف غرفة الجنايات من رئيس من بين رؤساء الغرف بمحكمة الاستئناف ومستشارين اثنين تعينهم جميعا الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف، والتي تعين في نفس الوقت رئيسا نائبا لرئيس غرفة الجنايات ومستشارين إضافيين يحلان محل العضوين الأساسيين عند الاقتضاء.
رفع القضية إلى غرفة الجنايات
تحال القضايا إلى غرفة الجنايات بإحدى طرق الإحالة التالية:
• بإحالة من الوكيل العام للملك.
• بقرارات الإحالة التي يصدرها قضاة التحقيق.
• بإحالة من الغرفة الجنحية عندما تمغى قرار قاضي التحقيق بعدم المتابعة.
ثالثا : الجلسة وصدور القرار
تنعقد جلسة غرفة الجنايات في اليوم المحدد لها بعد استدعاء الأطراف واحضار المتهم إذا كان معتقلا. وتنعقد الجلسة بصفة علنية، ما لم يكن في علنيتها خطر على الأمن أو الأخلاق، بحيث تنعقد سرية، وتمتد هذه السرية إلى تلاوة أي قرار يبت في نزاع عارض طرأ أثناء البحث أو المناقشة. ويتمتع رئيس الغرفة في هذا المجال بسلطات واسعة حددتها المادتان 422 و 424 من ق.م.ج، بحيث تكون له سلطة تقديرية واسعة تمكنه من اتخاذ أي قرار أو إجراء للكشف عن الحقيقة ما لم يمنعه القانون من ذلك، وله أن يستدعي ولو بالأمر بالإحضار، أي شخص للاستماع إليه أو يطلب الإدلاء بأي دليل مفيد لإظهار الحقيقة.
تجري الغرفة المواجهات، وتنهي بحث القضية بالاستماع إلى المطالب بالحق المدني ولملتمسات النيابة العامة وابداء المتهم أو محاميه أوجه دفاعهما، وتكون الكلمة الأخيرة للمتهم أو محاميه، وبذلك تقوم قرينة استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.
إصدار القرارات من غرفة الجنايات
تتنوع قرارات غرفة الجنايات حسبما أفضت إليه مداولاتها بين:
• قرار بعدم الاختصاص: ويتم ذلك عندما يكون الاختصاص منعقدا لمحكمة متخصصة كالمحكمة العسكرية أو في حالة تقديم الطرف المدني مطالبه المدنية، حيث تصرح غرفة الجنايات بعدم اختصاصيا للبت في المطالب المدنية.
• قرار بعدم قبول المتابعة: ويتم ذلك عندما يختل شرط من شروط المتابعة مثل انعدام الشكاية إذا كانت شرطا في المتابعة، أو عدم إجراء التحقيق في القضية إذا كان التحقيق إلزاميا في القضية.
• قرار بالإعفاء: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة استفادة المتهم من عذر معف من العقاب.
• قرار بسقوط الدعوى العمومية: ويتم ذلك عندما يعتري المتهم أو الجريمة إحدى الحالات التي نصت عليها المادة 4
• قرار بالبراءة: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة أن الفعل الجرمي لا يمكن نسبته للمتهم، أو أن الفعل المنسوب إليه لا يعد مخالفة للقانون الجنائي أو لم يعد يعاقب عليه.
• قرار بالإدانة: ويتم ذلك عندما يثبت للغرفة أن الأفعال المنسوبة للمتهم ثابتة في حقه ولم يكن هناك سبب لإعفائه من العقاب أو سقوط الدعوى العمومية في حقه، وتبت بالإضافة إلى ذلك في المطالب المدنية إن قدمت، وفي المحجوز عند الاقتضاء، وتصفي المصاريف.
المسطرة الغيابية
إذا تعذر القبض على المتهم بعد الإحالة أو إذا لاذ بالفرار بعد القبض عليه أو إذا كان في حالة الإفراج المؤقت أو الوضع تحت المراقبة القضائية، ولم يستجب إلى الاستدعاء بالمثول المسلم إليه، فإن رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه يصدر أمرا بإجراء المسطرة الغيابية. ينص هذا الأمر على أنه يتعين على المتهم أن يحضر داخل أجل ثمانية أيام، وإلا فيصرح بأنه عاص للقانون ويوقف عن مزاولة حقوقه المدنية وتعقل أملاكه خلال مدة التحقيق الغيابي ويمنع من رفع أية دعوى قضائية طيلة نفس المدة ويصرح بأنه سيحاكم رغم تغيبه وأن على كل شخص أن يدل على المكان الذي يوجد فيه. يشير هذا الأمر، زيادة على ما تقدم، إلى هوية المتهم وأوصافه وإلى وصف الجناية المتهم بها وإلى الأمر بإلقاء القبض عليه.”
المحاكمة الغيابية
في حالة صدور قرار بإدانة المتهم الذي طبقت في حقه المسطرة الغيابية، تترتب عنه الآثار التالية:
• عقل أملاك المتهم.
• نشر ملخص القرار.
• التجريد من الحقوق.
• الطعن في القرار.
• في حالة القبض على المتهم أو تسليم نفسه : نصت المادة 453 ق.م.ج على أن المحكوم عليه غيابيا، إذا سلم نفسه، أو إذا تم إلقاء القبض عليه قبل سقوط العقوبة المحكوم بها بالتقادم، يقع اعتقاله بموجب الأمر الصادر بإجراء المسطرة الغيابية من رئيس غرفة الجنايات أو المستشار المنتدب من طرفه. ويترتب على هذه الحالة سقوط القرار والإجراءات المتخذة بموجب الأمر بإجراء المسطرة الغيابية بقوة القانون، واذا ظهر من اللازم إجراء تحقيق تكميلي، عينت غرفة الجنايات المستشار الذي عليه القيام بالتحقيق وفق الإجراءات المنصوص عليها في التحقيق الإعدادي.
غرفة الجنايات الاستئنافية
تتألف غرفة الجنايات الاستئنافية من رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف وأربعة مستشارين تعينهم الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف، والتي تعين في نفس الوقت رئيسا نائبا لرئيس غرفة الجنايات وعدة مستشارين إضافيين ليحلوا عند الاقتضاء محل الأعضاء الأساسيين. ترفع القضية إلى غرفة الجنايات الاستئنافية بسبب الطعن بالاستئناف ضمن حدود معينة تحكمها صفة وصلاحيات الطرف المستأنف.
يقدم الاستئناف بتصريح أمام كتابة الضبط لدى المحكمة المصدرة للقرار. واذا كان المتهم معتقلا فإن التصريح تتلقاه كتابة الضبط بالمؤسسة السجنية، وتبعث نسخة منه لكتابة الضبط بالمحكمة المذكورة داخل أجل أربع وعشرين ساعة تحت طائلة عقوبة تأديبية.
ويقدم التصريح شفويا من أحد أطراف الدعوى أو محاميه لكتابة الضبط بالمحكمة المصدرة للحكم أو لكتابة الضبط بالسجن، ويدون في سجل خاص يوقع عليه كاتب الضبط الذي تلقى التصريح بالاستئناف والمصرح بالاستئناف.
الأطراف الذين يحق لهم الطعن بالاستئناف
• المتهم.
• النيابة العامة.
• المطالب بالحق المدني.
• المسؤول المدني.
أجل الاستئناف
الأجل الأصلي : إن الأجل الأصلي لاستئناف قرارات غرفة الجنايات الابتدائية هو عشرة أيام، وهو أجل كامل لا يشمل اليوم الأول ولا اليوم الأخير.
الأجل الإضافي: وهو رخصة منحها المشرع لمن لم يبادر الى استئناف الحكم ، باستثناء الوكيل العام في وقت قام غيره من الأطراف بالطعن فيه داخل الأجل المحدد له قانونا، وذلك بهدف عدم تفويت الفرصة عليه للدفاع عن حقوقه، وقد حدده المشرع في خمسة أيام، وهو أجل كاف لتهييئ دفاعه.
آثار الاستئناف
الأثر الواقف: يستمد هذا الأثر أساسه القانوني من المادة 398 ق.م.ج والتي جاء فيها أن الحكم يوقف تنفيذه أثناء سريان آجال الاستئناف وأثناء جريان المسطرة في مرحلة الاستئناف.
الأثر الناقل: استئناف قرارات غرفة الجنايات الابتدائية ترفع إلى غرفة الجنايات الاستئنافية بالحالة التي كانت عليها أمام غرفة الجنايات الابتدائية، فتنشر أمامها جميع العناصر الواقعية والقانونية، وبذلك فإن النقل لا يشمل إلا الوقائع التي سبق عرضها ولا يمتد نظر الغرفة إلى وقائع جديدة، ما عدا تلك التي لها تأثير على وصف الجريمة.
إجراءات المحاكمة
تجري أمام غرفة الجنايات الاستئنافية وفق القواعد والإجراءات المتبعة أمام غرفة الجنايات الابتدائية وخاصة القواعد المتعلقة بعلنية الجلسات وشفوية المرافعات والحضورية أو الدعوة الصريحة إلى ذلك، ثم تدوين الإجراءات والمطالب والمرافعات والقرارات واحترام حقوق الدفاع وتنظيم المناقشات واحترام الآجال القانونية وما إلى ذلك.
اتخاذ القرار
القرارات التي تصدرها غرفة الجنايات الاستئنافية متباينة ومتعددة :
• أولا: القرارات الفاصلة في شكل الاستئناف.
• ثانيا: القرارات الفاصلة في الموضوع.
• ثالثا : القرارات الأخرى. كطلبات الإفراج المؤقت المقدمة من طرف المتهم إذا ما طعن في القرار بالنقض ولم يبت المجلس الأعلى بعد في الطعن، طلبات رد المحجوزات، النزاعات العارضة المتعلقة بتنفيذ قرارات الغرفة\.
المسطرة الغيابية أمام غرفة الجنايات الاستئنافية
نفس أحكام المادة 443 ق.م.ج.
📗 خلاصة الباب
- تتشكل هيئات الحكم الجنائي بحسب درجة الجريمة (قاضٍ فردي في المخالفات وبعض الجنح، هيئة جماعية في الجنايات)، وتخضع لقواعد التجريح والحياد ضمانا لعدالة المحاكمة.
- يحكم سير الجلسة مبدآ العلنية وشفوية المرافعات، مع ضمان حق المتهم في الحضور والمؤازرة بمحام والاستماع للشهود والخبراء، وحق الطرف المدني في المطالبة بالتعويض.
- يجب أن تتضمن الأحكام الجنائية بيانات إلزامية معينة، ويترتب على إغفالها آثار قد تصل إلى البطلان، وتخضع الطلبات والدفوعات المثارة أثناء المحاكمة لقواعد خاصة بالسقوط والبطلان.
اترك تعليقاً