📖 شرح مدونة الأسرة — الفصل 3 من 6 — فهرس الكتاب
تمهيد
الأصل أن الزواج يتم على سبيل البقاء وبناء أسرة مستقرة، لكن قد تقع طوارئ تحول دون هذا الاستمرار، فالطلاق استثناء من الأصل الذي هو دوام الزواج، وهو ما نصت عليه المادة 70 بقولها : ” لا ينبغي اللجوء إلى حل ميثاق الزوجية بالطلاق أو بالتطليق إلا استثناء، وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين، لما في ذلك من تفكيك الأسرة والإضرار بالأطفال.” على أن هذه المادة مجرد نصائح ومتمنيات ما دام أن الزوجة تستطيع أن تطلق زوجها في أي لحظة دون أن تؤدي أي مبلغ مالي وكذلك الزوج بعد أن يؤدي مبالغ مالية للزوجة تحددها المحكمة.
الشريعة الإسلامية اعتدت بالطلاق وأقرت له أحكاما خاصة، لكن الفقهاء منهم من سهل الطلاق ومنهم من جعله مبنيا على حاجة ضرورية، فالطائفة الأولى تعتمد الآية الكريمة : ” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء…” فلا حرج من الطلاق ونلاحظ هنا أن الآية تضع الطلاق بيد الزوج، بينما الطائفة الثانية تعتبر الطلاق حالة مقيدة وتستلزم ضرورة معينة ولا تدعو إليه إلا في حالات ضيقة تماشيا مع الحديث النبوي الشريف : ” إن أبغض الحلال عند الله الطلاق”، وقوله تعالى ” فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا”، بمعنى إن أطاعت الزوجة زوجها فلا داعي للطلاق، ثم الحديث النبوي الشريف : ” أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم عليها أن تريح رائحة الجنة”، كل ذلك لعدم التوسع في الطلاق، ونلاحظ أن الطلاق في السنة النبوية والقرآن الكريم بيد الزوج، والزوجة تطلبه من الزوج ويجب أن تطلبه فقط في حالة الضرر وليس من غير ضرر فتكون قد شتتت الأسرة ونالت غضبا من الله سبحانه وتعالى تستحق معه أن لا ترى الجنة.
هذا المقتضى نصت عليه المدونة في المادة 70 كما ذكرنا، على أن هذه المادة فارغة من مضمونها، ذلك أن المشرع المغربي فتح الباب على مصراعيه للطلاق، بل وجعله بيد الزوجة تطلق نفسها بسبب ضرر أو بدون ضرر، دون أن تحتاج إلى طلب ذلك من الزوج، فالطلاق أصبح بيد القضاء، والمدونة فتحت الباب على مصراعيه للطلاق، والقاضي يطبق القانون، فالمادة 70 توحي على أن المشرع حريص على الأسرة من الطلاق، بينما الواقع أن المشرع في حقيقة الأمر فتح الباب على مصراعيه للطلاق، وهو ما سنراه في باقي الفصول.
حالات انحلال عقد الزواج
المشرع المغربي استعمل مصطلح انحلال ميثاق الزوجية، جاء في المادة 71 : ” ينحل عقد الزواج بالوفاة أو الفسخ أو الطلاق أو التطليق أو الخلع.” وفي جميع هذه الحالات تترتب عن انحلال العقد آثار قانونية بمجرد تاريخ الوفاة أو تاريخ صدور الحكم بالوفاة أو تاريخ صدور الحكم بالفسخ أو التطليق أو تاريخ الإشهاد أمام العدلين بالنسبة للطلاق والخلع.
التعبير عن الطلاق
إيقاع الطلاق أصبح تحت مراقبة القضاء وفق إجراءات قانونية محددة ولم يعد حقا للرجل، والتعبير عنه يتم بكل لفظ يفيد حل رابطة الزوجية، أو ما يقوم مقام اللفظ من الكتابة أو الإشارة وقت الإشهاد به لدى العدلين، جاء في المادة 73 : ” يقع التعبير عن الطلاق باللفظ المفهم له وبالكتابة، ويقع من العاجز عنهما بإشارته الدالة على قصده.”
المحور الأول : الوفاة 74-76
المادة 74 : ” تثبت الوفاة وتاريخها أمام المحكمة بكل الوسائل المقبولة. تحكم المحكمة بوفاة المفقود طبقا للمادة 327 وما بعدها.”
المادة 75 : ” إذا ظهر أن المفقود المحكوم بوفاته ما زال حيا، تعين على النيابة العامة أو من يعنيه الأمر، أن يطلب من المحكمة إصدار قرار بإثبات كونه باقيا على قيد الحياة. يبطل الحكم الصادر بإثبات حياة المفقود، الحكم بالوفاة بجميع آثاره، ما عدا زواج امرأة المفقود فيبقى نافذا إذا وقع البناء بها.”
المادة 76 : ” في حالة ثبوت التاريخ الحقيقي للوفاة غير الذي صدر الحكم به، يتعين على النيابة العامة وكل من يعنيه الأمر طلب إصدار الحكم بإثبات ذلك، وببطلان الآثار المترتبة عن التاريخ غير الصحيح للوفاة ما عدا زواج المرأة.”
المادة 327 : ” يحكم بموت المفقود في حالة استثنائية يغلب عليه فيها الهلاك بعد مضي سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر حياته أو مماته. أما في جميع الأحوال الأخرى، فيفوض أمد المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى المحكمة، وذلك كله بعد التحري والبحث عنه بما أمكن من الوسائل بواسطة الجهات المختصة بالبحث عن المفقودين.”
الوفاة حسب المادة 74 يتم إثباتها بجميع الوسائل كالمحررات الرسمية والعرفية والشهود والقرائن، كشهادة الوفاة التي يسلمها الطبيب أو المصحة أو المستشفى العمومي أو مصالح حفظ الصحة، هذه الوثائق تحدد ساعة وتاريخ الوفاة، كما يعتد بشهادة الطبيب الشرعي إذا كان الهالك قد وجد مقتولا أو ميتا منذ مدة من الزمن، أما المفقود الذي غاب عن أهله وانقطعت أخباره فيعتبر حيا إلى أن يحكم القضاء بموته، نصت المادة 325 : ” الميت حكما من انقطع خبره وصدر حكم باعتباره ميتا.”، ويستند القاضي في ذلك على أحكام المدة 327 التي تنص على أنه : ” يحكم بموت المفقود في حالة استثنائية يغلب عليه فيها الهلاك بعد مضي سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر حياته أو مماته.”
فالحكم بالموت حالة استثنائية في حالة اليأس من معرفة المفقود، وهو مفقود يحتمل موته، أما إذا عرف مكانه وتيقنت حياته صار غائبا وليس مفقودا، فالمفقود يعتبر حيا ما لم يحكم القضاء بموته، فتترتب عن ذلك نفس أحكام الموت من إرث ومؤخر صداق وعدة الوفاة كما تحل الزوجة للأزواج بعدها.
ظهور المحكوم بوفاته
نصت المادة 75 على أن المحكمة قد تحكم بتمويت شخص ثم يتبين أنه لا يزال على قيد الحياة، فيتعين على النيابة العامة أو من يعنيه الأمر من زوجة أو أبناء أن يطلب من المحكمة إصدار قرار بإثبات كونه لازال على قيد الحياة، حيث أن هذا القرار يلغي الحكم الصادر بوفاته ويلغي كذلك كل الآثار المرتبة عليه، أما إذا تزوجت الزوجة رجلا آخر فإن هذا الزواج يبقى صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية إذا كان الزوج الثاني قد دخل بالمرأة، وهو ما يذهب إليه الفقه المالكي الذي يعتبر أن الزوجة ترجع إلى زوجها الأول إلى كان الزوج الثاني لم يدخل بها بعد أو في حالة أن الزوجة لم تتزوج رجلا آخر بعد الحكم بوفاة الزوج الأول، حيث يكون لهذا الأخير الحق في استردادها، على أن الدليل العملي الصادر عن وزارة العدل يشرح المادة 75 ويفسرها بأن زواج امرأة المفقود يبقى نافذا سواء تم البناء أم لم يتم.
على أن المادة 76 تشير إلى إمكانية النيابة العامة وكل من يعنيه الأمر طلب إصدار حكم يثبت تغير التاريخ الحقيقي للوفاة غير الذي صدر به الحكم وببطلان الآثار المترتبة عن التاريخ غير الصحيح للوفاة خصوصا فيما يتعلق بالإرث ماعدا زواج المرأة.
المحور الثاني : الطلاق 78-93
نشير قبل الحديث عن الطلاق إلى حالة الفسخ التي نصت عليها المادة 77 بقولها : ” يحكم بفسخ عقد الزواج قبل البناء أو بعده في الحالات وطبقا للشروط المنصوص عليها في هذه المدونة.” هذه الحالات هي المذكورة في المواد ما بين 59 و 64 أي الزواج الفاسد.
تعريف الطلاق
لغة هو التحرر من القيد، وفي الاصطلاح حسب المالكية هو صفة حكمية ترفع متعة الرجل بزوجته، أما المادة 78 فقد عرفت الطلاق بأنه : ” الطلاق حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة، كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقا لأحكام هذه المدونة.” يستفاد من هذه التعاريف أن الطلاق يترتب عليه حل استمتاع كل من الزوجين بالأخر.
إجراءات الطلاق
جاء في المادة 79 : ” يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك، بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية، أو موطن الزوجة، أو محل إقامتها أو التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب.” ، واضح أن المادة 79 سحبت الطلاق من يد الزوج وأصبح الطلاق رهينا بالإذن من القاضي، فعلى الزوج الراغب في الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة التي لا تأذن له إلا بعد استيفاء الشروط والإجراءات التي سنناقشها لاحقا، فإذا أذنت له المحكة توجه إلى العدول للإشهاد على الطلاق، والمحكمة المختصة هي أولا المحكمة التي يوجد بدائرة نفوذها بيت الزوجية، ثانيا محكمة موطن الزوجة، ثالثا محكمة إبرام عقد الزواج، وقد تطلبت المادة 80 إدلاء الزوج بهوية الزوجين ومهنتهما عدد الأطفال وسنهم ووضعهم الصحي والدراسي والوضعية المالية للزوج.
محاولة الصلح
جاء في المادة 81 : ” تستدعي المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح. إذا توصل الزوج شخصيا بالاستدعاء ولم يحضر، اعتبر ذلك منه تراجعا عن طلبه. إذا توصلت الزوجة شخصيا بالاستدعاء ولم تحضر، ولم تقدم ملاحظات مكتوبة، أخطرتها المحكمة عن طريق النيابة العامة بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في الملف. إذا تبين أن عنوان الزوجة مجهول، استعانت المحكمة بالنيابة العامة للوصول إلى الحقيقة، وإذا ثبت تحايل الزوج، طبقت عليه العقوبة المنصوص عليها في المادة 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة.”
مباشرة بعد التقدم بطلب الإذن بالطلاق تنتقل المحكمة إلى محاولة الصلح، رغم أن هذه المسطرة شكلية ولا تنجح في أغلب الأحيان، على أن الزوج إذا توصل بالاستدعاء لجلسة الصلح ولم يحضر اعتبر متراجعا عن الطلاق، أما إذا توصلت الزوجة ولم تحضر تتدخل النيابة العامة لإخطارها حرصا على مصلحتها، أما إذا تبين أن الزوج أدلى بعنوان مجهول عوقب وفق الفصل 361 من القانون الجنائي والعقوبة من 3 أشهر إلى 3 سنوات حبسا بطلب من الزوجة.
تجري الإجراءات في غرفة المشورة بحضور الطرفين وللمحكمة حسب المادة 82 أن تستعين بالشهود ومجلس العائلة أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين، وفي حالة وجود أطفال تعقد المحكمة جلستي صلح بين المحاولتين مدة لا تقل عن 30 يوما، فإذا تعذر الصلح حددت المحكمة مبلغا من المال يودعه الزوج بكتابة ضبط المحكمة داخل أجل أقصاه 30 يوما، ويتضمن المبلغ جميع التبعات المالية المترتبة عن الزواج، وهي تقع كلها على عاتق الزوج.
وقد حددت المادة 84 هذه المستحقات المالية بقولها : ” تشمل مستحقات الزوجة الصداق المؤخر إن وجد ونفقة العدة والمتعة التي يراعى في تقديرها فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه. تسكن الزوجة خلال العدة في بيت الزوجية، أو للضرورة في مسكن ملائم لها وللوضعية المادية للزوج، وإذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودع كذلك ضمن المستحقات بكتابة ضبط المحكمة”.
المتعة في الشريعة الإسلامية لم يتم تحديدها وتركت الأمر إلى الزوج حسب استطاعته، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف، قال تعالى في سورة البقرة : ” لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ” ، لكن القضاء يحكم عادة في دعاوى الطلاق بمبالغ متراوحة ما بين 5000 درهم ومليون سنتيم لكل سنة من الزواج، بمعنى أن الرجل الفقير لا يستطيع أن يطلق زوجته إذا طالت مدة الزواج لأن ليس لديه ما يودعه في صندوق المحكمة ليحصل على الإذن بالطلاق من القاضي، فالطلاق بيد القاضي، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الزوج التعدد لصعوبة مسطرته بل واستحالتها، فيبقى معلقا، ويبقى معه انحلال العلاقة الزوجية حقا خالصا للزوجة لأنها غير مطالبة بأي تعويضات للزوج، بل تطلب التطليق للشقاق وتأخذ الأولاد أيضا، وترسل إليه المفوض القضائي لينفذ عليه مبالغ النفقة تحت طائلة جريمة إهمال أسرة التي يعاقب عليها الفصل 479 من القانون الجنائي بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من 200 إلى 2000 درهم.
إذا لم يودع الزوج المبالغ التي حددتها المحكمة فإنه يعتبر متراجعا عن الطلاق بموجب المادة 86، فلا يمكن إيقاع الطلاق في غيبة المستحقات المالية للزوجة ولو كانت الزوجة غنية، أما إذا استطاع الزوج إيداع المستحقات المالية التي حددتها المحكمة فإنه يحصل على الإذن بالطلاق، ويتمكن الزوج من الإشهاد بالطلاق لدى عدلين.
القاضي يراعي عند تقدير مبلغ المتعة مدى تعسف الزوج في إيقاع الطلاق على زوجته فيتحول مبلغ المتعة إلى تعويض عن الضرر أما إذا كان الطلاق بدافع من المرأة كرفضها التزوج عليها أو رفض الإقامة معه في مدينة معينة لظروف العمل فإن المتعة تكون غير ذي صبغة التعويض المتعلق بالتعسف، على أن مدة العدة قد تقضيها الزوجة في بيت الزوجية وقد تختار المغادرة فيحدد القاضي تكاليف سكن الزوجة التي يجب أن يؤديها الزوج ويودع مبلغها بصندوق المحكمة، أما مستحقات الأطفال فيتم تحديدها وفق المادتين 168 و 190 مع مراعاة الوضعية المعيشية التي كانوا عليها قبل الطلاق، هذه الوضعية يجب أن تستمر على نفقة الزوج.
المادة 168 : ” تعتبر تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما. يجب على الأب أن يهيئ لأولاده محلا لسكناهم، أو أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه، مراعية في ذلك أحكام المادة 191 بعده. لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية، إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون. على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ هذا الحكم من قبل الأب المحكوم عليه.”
المادة 190 : ” تعتمد المحكمة في تقدير النفقة على تصريحات الطرفين وحججهما، مراعية أحكام المادتين 85 و189 أعلاه، ولها أن تستعين بالخبراء في ذلك. يتعين البت في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد.”
المحور الثالث : أنواع الطلاق
أولا : الطلاق السني والطلاق البدعي
الطلاق السني هو الذي يراعي فيه الزوج شريعة الإسلام مصداقا لقوله تعالى : ” يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ” ، فيتم تطليق المرأة بعد أن تتطهر من غير جماع، ولا تكون في نفاس، وان لا يطلقها أكثر من مرة دفعة واحدة، وأن يكون الطلاق لمبرر معقول، أما الطلاق البدعي فهو المخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، كمن يطلق زوجته وهي في فترة الحيض أو النفاس أو في طهر بعد أن جامعها أو يطلقها أكثر من مرة دفعة واحدة، وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي آثم فاعله، لكن المدونة لا تعترف بالطلاق السني ولا البدعي، بل هي استحدثت أنواعا جديدة من الطلاق غير موجودة لا في الكتاب ولا السنة ولا الفقه المالكي.
ثانيا : الطلاق الرجعي والطلاق البائن
المادة 122 : ” كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائن، إلا في حالتي التطليق للإيلاء وعدم الإنفاق.”
المادة 123 : ” كل طلاق أوقعه الزوج فهو رجعي، إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل البناء والطلاق بالاتفاق والخلع والمملك”.
الطلاق الرجعي هو الطلاق الذي يستطيع الزوج فيه إعادة زوجته إلى عصمته قبل انتهاء عدتها، حيث تستأنف الحياة الزوجية بينهما دون حاجة إلى عقد جديد ويمكن أن يتكرر هذا مرتين ، أما في المرة الثالثة فإن الطلاق يفصل العلاقة الزوجية نهائيا، فالشريعة الإسلامية حرصت على بقاء الرابطة الزوجية ، فحتى في حالة صدور الطلاق من الزوج يبقى الباب مفتوحا لعودة الحياة الزوجية إلى سابق عهدها عن طريق المراجعة، قال تعالى : ” وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “.
المادة 124 : ” للزوج أن يراجع زوجته أثناء العدة. إذا رغب الزوج في إرجاع زوجته المطلقة طلاقا رجعيا أشهد على ذلك عدلين، ويقومان بإخبار القاضي فورا. يجب على القاضي قبل الخطاب على وثيقة الرجعة، استدعاء الزوجة لإخبارها بذلك، فإذا امتنعت ورفضت الرجوع، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المادة 94 أعلاه.”
واضح حسب المادة 123 أن كل طلاق هو رجعي إلا الطلاق المكمل للثلاث والطلاق قبل البناء والطلاق بالاتفاق والخلع والمملك، على أن المادة 124 أفرغت الطلاق الرجعي من كل معنى إذ أن الزوجة بإمكانها أن ترفض الرجوع وتسلك مسطرة الشقاق وبذلك لا يبقى لحق الإرجاع والحفاظ على الأسرة أي معنى.
آثار الطلاق الرجعي
تترتب عن الطلاق الرجعي آثار هامة سواء أثناء فترة العدة أو بعدها حيث تعتبر المطلقة رجعيا في حكم الزوجة ويسري عليها ما يسري على الزوجة، فإذا ضبط الزوج زوجته متلبسة بالخيانة داخل العدة يمكنه أن يتابعها بالخيانة الزوجية لأنها في حكم الزوجة .
الطلاق الرجعي ينقص عدد مرات الطلاق التي يملكها الزوج على زوجته.
يصبح طلاقا بائنا وينهي الحياة الزوجية، بانتهاء العدة دون مراجعة الزوج لزوجته.
الطلاق الرجعي لا ينهي الرابطة الزوجية ولا يزيل ملك الاستمتاع ويعتبر بذلك مراجعا لها.
لا يجعل المطلقة محرمة على زوجها بأي سبب من أسباب التحريم، فهي في حكم الزوجة.
إذا مات أحدهما قبل انقضاء العدة ورثه الآخر .
يستمر الزوج في الإنفاق على الزوجة إلى حين انتهاء العدة .
لا يحل به مؤخر الصداق لبقاء الزوجية حكما.
لا يلزم بمهر جديد عند الرجعة، فهي في حكم الزوجة ، ولا يمكن إمهار الزوجة مرتين .
يحق للزوج أن يعيدها لنفسه من جديد متى شاء ودون عقد جديد.
تقضي المطلقة العدة في بيت الزوجية لأنه من مشمولات النفقة .
لا يحق له الزواج بأختها خلال العدة.
والإشهاد على الرجعة فيه اختلاف بين الفقه، حيث يذهب الرأي الغالب عند الفقهاء المالكية إلى عدم اشتراط الإشهاد في حالة الرجعة ولكن من باب الاستحباب يمكن الإشهاد لدرء الشبهات، أما مدونة الأسرة فقد اشترطت الإشهاد على ذلك من طرف عدلين حيث يخبران القاضي فورا، هذا الأخير قبل الخطاب على وثيقة الرجعة، يستدعي الزوجة ويخبرها بذلك وتعود لزوجها ، وتستمر الحياة، لكن قد ترفض الزوجة الرجوع إلى زوجها، ففي هذه الحالة خول لها المشرع الالتجاء لمسطرة الشقاق وفق المادة 124 فلا يستطيع حينها الزوج إرجاعها، ويمكن القول بأن المدونة جعلت الطلاق الرجعي مشروطا بموافقة الزوجة وليس حقا للزوج.
الطلاق البائن
يصير الطلاق بائنا متى انتهت العدة دون مراجعة الزوجة، جاء في المادة 125 : ” تبين المرأة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي.” كما يكون الطلاق بائنا في حالة التطليق القضائي باستثناء التطليق لعدم الإنفاق الطلاق البائن هو الذي يجعل حدا للعلاقة الزوجية في الحال بمجرد صدوره، وهو ينقسم إلى قسمين، الطلاق البائن بينونة صغرى والطلاق البائن بينونة كبرى، فالأول لا يستطيع المطلق بعده إرجاع المطلقة إلى عصمته إلا بعقد جديد، والثاني لا يستطيع المطلق بعده أن يعيد المطلقة إلى عصمته إلا بعد أن تتزوج برجل آخر زواجا صحيحا، ويدخل بها دخولا حقيقيا أي أن يعاشرها معاشرة الأزواج في الفراش، ثم يطلقها أو يموت عنها ثم تنقضي عدتها.
المادة 126 : ” الطلاق البائن دون الثلاث يزيل الزوجية حالا، ولا يمنع من تجديد عقد الزواج.”
حالات الطلاق البائن بينونة صغرى
إذا افتدت الزوجة نفسها لقوله تعالى : ” فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به”، (طلاق الخلع).
الطلاق القضائي (التطليق ) للعيب أو الضرر أو الغيبة .
الطلاق الذي توقعه الزوجة ، إذا كان الزوج قد ملكها حق إيقاعه وطلقت نفسها .(التمليك)
الطلاق البائن بينونة كبرى
قال تعالى : ” فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره”. فلا يملك الزوج مراجعة زوجته في العدة ولا استئناف الحياة الزوجية بعقد ومهر جديدين وإنما تحرم عليه المرأة ولا يستطيع الزوج التزوج بها إلا بعد أن تتزوج برجل أخر زواجاً شرعياً صحيحاً ويعاشرها معاشرة الأزواج أي يدخل بها دخولاً حقيقياً ثم يفارقها بأن يطلقها الزوج الجديد أو يموت عنها ، وتنتهي عدتها منه ، حينئذ يجوز للزوج السابق أن يعقد عليها مجدداً وتعود إليه بثلاث طلقات جديدة، فهو نوع من العقوبة على الرجل كي لا يتلفظ بالطلاق لأتفه الاسباب ويتعقل في اتخاذه قرار الطلاق.
جاء في المادة 127 : ” الطلاق المكمل للثلاث يزيل الزوجية حالا، ويمنع من تجديد العقد مع المطلقة إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر بنى بها فعلا بناء شرعيا.”
آثار الطلاق البائن بينونة كبرى
تترتب على الطلاق البائن بينونة كبرى نفس الآثار المترتبة على الطلاق البائن بينونة صغرى باستثناء أنه لا محل لإيقاع المزيد من الطلاق كما أنه لا يمكن أن يعقد عليها بعد العدة إلا بعد أن تتزوج برجل آخر وأن يدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها وتنتهي عدتها.
يزيل الحل والملك فهي من المحرمات عليه مؤقتا
يشترط أن تتزوج برجل آخر زواجا صحيحا فيه دخول حقيقي دون نية التحليل
أن يكون الزواج بعد انتهاء العدة من الزوج الثاني بعد الطلاق أو الوفاة
ثالثا : تمليك الطلاق للزوجة (طلاق التفويض)
الأصل أن الذي يملك حق الطلاق هو الزوج ومادام الطلاق ملكا للرجل فله الحق في أن ينيب غيره لذلك سواء أناب زوجته أو غيرها حيث تكون هذه الإنابة على شكل توكيل أو تفويض، والفرق بينهما أنه يمكن عزل الوكيل، أما التفويض فهو نقل العصمة حيث يملك الزوج لزوجته حق إيقاع الطلاق ولا يمكن للزوج أن يتنازل الزوج لزوجته عن حقه في الاستقلال بملكية الطلاق فيشركها معه، حين يعطيها الحق في أن تطلق نفسها ويشار إلى هذا في عقد الزواج، التمليك إذن هو جعل الرجل أمر زوجته بيدها تملك عصمتها ولها أن توقع الطلاق متى شاءت ، وليس للزوج أن يتراجع عن التمليك إلا إذا رضيت الزوجة بذلك ويلزم هذا التمليك إبان الفترة الزمنية المحددة له، ويلزمه على شكل التأبيد إذا تم بشكل يفيد ذلك.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله قالت : ” خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه “. مثقالا لقوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا “.
وقد أقر المشرع المغربي في خلال المادة 89 من المدونة أنه متى ملك الزوج زوجته إيقاع الطلاق، كان لها أن تستعمل هذا الحق عن طريق تقديم طلب إلى المحكمة للقضاء به ملتمسة في خضم ذلك الإشهاد بطلاق التمليك لدى عدلين منتصبين لهذا الغرض بدائرة نقود المحكمة التي يتواجد بها بيت الزوجية ، أو موطن الزوجة الطالبة ، أو محل إقامتها أو التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب. ويتضمن طلب الإذن بالإشهاد على الطلاق المملك هوية كل من الزوج والزوجة ومهنتهما ومحل إقامتهما مع الإشارة إلى عدد الأبناء متى وجدوا وذكر تواريخ ازديادهم ووضعهم الصحي والدراسي، ويرفق الطلب لزوما بمستند الزوجية مرفوقا بما يفيد تمليك الزوج الطلاق لزوجته ، مع ذكر الحجج المثبتة لوضعية الزوج المادية والتزاماته المالية .
رابعا : الطلاق بالخلع
أباح الإسلام للزوجة أن تتخلص من العلاقة الزوجية عن طريق الخلع، بأن تعطي الزوج ما أخذت منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها، والخلع لغة النزع والإزالة يقال خلع الرجل ثوبه ونعله إذا نزعه، وخلع الرجل زوجته إذا أزال زوجيتها وخلعت المرأة زوجها واختلعت من زوجها إذا افتدت منه بمال، وبذلت له مالا ليطلقها، فإذا فعل ذلك فهو الخلع لأن كل من الزوجين لباسا لآخر استخلاصا من قوله تعالى : ” هن لباس لكم وأنتم لباس لهن”، ويسمى هذا الطلاق أيضا بالفدية .
حكم الخلع الجواز بدليل قوله تعالى : ” فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به” ، أي أن لا حرج على الزوجة في أن تدفع من مالها للحصول على الطلاق ولا حرج على الزوج في أن يأخذ ذلك ليطلقها، أما السنة النبوية فقد روي أن زوجة ثابت ابن قيس جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله فقالت : إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته قالت نعم فقال عليه السلام لزوجها إقبل الحديقة وطلقها.
نلاحظ أن الخلع يفترض أن الطلاق بيد الزوج، والزوجة تفتدي طلاقها، وقد تناول المشرع المغربي أحكام الخلع في المواد ما بين 115 و 120 من المدونة، لكن الملاحظ أنه لا معنى أن تفتدي الزوجة طلاقها بالخلع مادام أنها تستطيع سلوك مسطرة الشقاق وعوض أن تدفع المال تستطيع هي أن تحصل على المال، فالشقاق يفرغ الخلع من أي معنى.
شروط الخلع
تنص المادة 115 : ” للزوجين أن يتراضيا على الطلاق بالخلع طبقا لأحكام المادة 114 أعلاه.”
المادة 114 : ” يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدإ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط، أو بشروط لا تتنافى مع أحكام هذه المدونة، ولا تضر بمصالح الأطفال. عند وقوع هذا الاتفاق، يقدم الطرفان أو أحدهما طلب التطليق للمحكمة مرفقا به للإذن بتوثيقه. تحاول المحكمة الإصلاح بينهما ما أمكن، فإذا تعذر الإصلاح، أذنت بالإشهاد على الطلاق وتوثيقه.”
الخلع على ما يتضح من المادة 114 هو عقد يتم بتراضي الزوجين موضوعه الرئيسي هو خلع الزوجة من زوجيتها نظير بدل تدفعه إليه، والطلاق مما سبق بيانه يشترط لصحة الخلع الشروط الآتية :
أن تكون الزوجة في زواج صحيح .
أن يكون الزوج كامل الأهلية فلا يصح خلع الصبي والمجنون والمعتوه ولا غيرهم من فاقدي الأهلية كالسكران والمكره أما المحجور عليه كالسفيه فيجوز طلاقه إن كان على غير مال فمن باب أولى صحة مخالفته إلا أن مطلقته تسلم المال إلى وليه، وإذا فعل الزوج ذلك وتم له الأمر تعسفا أو بعد إلحاق ضرر بالمرأة لإجبارها على ذلك . يكون قد ملك المال ملكا خبيثا لأنه خالف أمر الله به من تحقيق المودة والرحمة وحسن المعاشرة، حيث يجب أن يكون الطلاق عن تراضي بين الزوجين حيث يتم عن بينة واختيار ، وان لا تكره الزوجة ، فإذا ثبت استعمال الزوج لأساليب تدفع المرأة لمخالعته وقع الطلاق بائنا دون التزام المرأة بذلك الخلع لقوله تعالى: ” أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة”. وهذا ما أخذ به المشرع المغربي من خلال المادة 117 من مدونة الأسرة حيث أجاز للزوجة أن تسترجع ما خالعت به شريطة أن تثبت أن هذا الخلع كان نتيجة إكراه، فالأساس أن الزوج يعاقب بنقيض قصده مادام قد أكرهها أو استعمل أساليب احتيالية لإجبارها على خلع نفسها .
أن تكون الزوجة المختلعة كاملة الأهلية رشيدة غير محجور عليها فإذا كانت دون سن الرشد القانوني لا يمكنها أن تلتزم بأداء الخلع إلا بموافقة النائب الشرعي وإذا خولعت وقع الطلاق ولا تلتزم بأداء الخلع إلا بموافقة النائب الشرعي ، وإذا خولعت وقع الطلاق ولا تلتزم بالبدل إلا بموافقة نائبها الشرعي .
طبيعة العوض في الخلع
يشترط في العوض الذي يقع به الخلع أن يكون مما يصح تملكه أو بعبارة أخرى مما يصح الالتزام به شرعا كما نصت عليه المادة 118 بقولها : ” كل ما صح الالتزام به شرعا، صلح أن يكون بدلا في الخلع، دون تعسف ولا مغالاة.”
أن يكون مالا له قيمة
أن يكون صالحا للانتفاع به فلا يصح مثلا الخنزير والخمر لأنها أشياء لا قيمة لها شرعا.
وبذلك يصح الخلع بالمال سواء كان نقدا أو عرض تجارة أو قيمة المهر أو نفقة أو أجرة الرضاعة أو الصداق حيث يمكن أن تخالع الزوجة بقيمة الصداق أو مؤخره وما تعلق بحق الأولاد إن وجدوا شريطة أن تكون موسرة حفاظا على حقوق الأولاد وتربيتهم وصحتهم وتغذيتهم ، وقد أكدت مدونة الأسرة من خلال المادة 114 ذلك إلا أن بدل الخلع يجب أن يكون معقولا في حدود ما تستطيع المرأة دون تعسف ولا مغالاة وإلا اعتبر ذلك إكراها كمن يريد أن يأخذ ثروة المرأة ببدل الخلع أو يطالبها بما يثقل كاهلها.
حماية حقوق الطفل
قد تخالع المرأة زوجها بنفقة الأولاد أو حضانتهم أو أي من حقوقهم إذا كانت موسرة وتستطيع الإنفاق عليهم ، حيث توفر لهم كل مشمولات النفقة، وخلال حضانة الأطفال قد تعسر حيث تعجز عن الإنفاق عليهم، هنا أوجب المشرع النفقة على أبيهم مع الاحتفاظ للزوج بحق الرجوع على الزوجة فيما التزمت به في حالة يسرها .
المادة 119 : ” لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة. إذا أعسرت الأم المختلعة بنفقة أطفالها، وجبت النفقة على أبيهم، دون مساس بحقه في الرجوع عليها. “
الاختلاف في مقابل الخلع
في حالة اتفاق الزوجين على مبدأ الطلاق بالخلع واختلافهما في مقداره يتم رفع الأمر إلى المحكمة التي تحاول الإصلاح بينهما فإذا تعذر ذلك حكمت بنفاد الخلع بعد أن تتولى تحديد وتقدير مقابلة مع مراعاة مبلغ الصداق الذي تم دفعه.
المادة 120 : ” إذا اتفق الزوجان على مبدإ الخلع، واختلفا في المقابل، رفع الأمر إلى المحكمة لمحاولة الصلح بينهما، وإذا تعذر الصلح، حكمت المحكمة بنفاذ الخلع بعد تقدير مقابله، مراعية في ذلك مبلغ الصداق، وفترة الزواج، وأسباب طلب الخلع، والحالة المادية للزوجة. إذا أصرت الزوجة على طلب الخلع، ولم يستجب لها الزوج، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق.”
خامسا : الطلاق الإتفاقي
لم تشر الشريعة الإسلامية إلى هذا النوع من الطلاق على اعتبار أنها تضع الطلاق بيد الزوج كونه الأقدر على صيانة الأسرة من الشتات والأقدر على ضبط أعصابه والأكثر تريثا ورزانة، كما أنه المعني بجميع تبعات الزواج والطلاق المالية، كما أن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لم تشر صراحة أو ضمنا إلى حل ميثاق الزوجية بتراضي طرفيه، أو ما يصطلح على تسميته بالطلاق لاتفاقي، بل كانت المبادرة تأتي دائما من الزوج أو وكيله أو من فوض له ذلك طبقا للقانون واستثناء للمرأة متى ملكها الزوج، لكن مبدأ المساواة الجديد الذي أتت به مدونة الأسرة يقتضي أن الرجل والمرأة سواسية، وبالتالي يجب أن يكون الطلاق بيدهما معا يمارسانه إما بصفة مستقلة أو بصفة اتفاقية بتراضي على شروط الطلاق.
جاء في المادة 114 : ” يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدإ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط، أو بشروط لا تتنافى مع أحكام هذه المدونة، ولا تضر بمصالح الأطفال. عند وقوع هذا الاتفاق، يقدم الطرفان أو أحدهما طلب التطليق للمحكمة مرفقا به للإذن بتوثيقه. تحاول المحكمة الإصلاح بينهما ما أمكن، فإذا تعذر الإصلاح، أذنت بالإشهاد على الطلاق وتوثيقه.”
نلاحظ أن الطلاق الاتفاقي ينقسم بمقتضى قانون مدونة الأسرة الجديد إلى نوعين رئيسيين، أولهما الطلاق الإتفاقي المجرد الذي يلجأ إليه الزوجان باتفاقهما دون أن يعلقانه على شروط محددة، والثاني هو الطلاق الإتفاقي المقيد حيث يقيده طرفاه بشروط معينة يتعين وجوبا أن لا تتنافى وأحكام مدونة الأسرة وأن لا تكون له أية تبعات سلبية على مصالح الأبناء وحقوقهما المكتسبة، بمعنى أنه لا يمكن الاتفاق على مخالفة مدونة الأسرة لأنها من النظام العام، خصوصا ما يتعلق بمسؤوليات الزوج حيث لا يمكنه التملص منها وادعاء المساواة فيها مع الزوجة.
على أن الطلاق الإتفاقي وإن كان يستند كأساس للرغبة الإرادية للأطراف واللذان يستقلان بتقدير دوافعه وموجبات إيقاعه ، فإن ذلك لا يجرد بأي حال من الأحوال المؤسسة القضائية من أحقية فرض الرقابة عليه، كما لا يعفي المحكمة من القيام بمحاولة إصلاح ذات البين بين الطرفين ، ذلك أن أهم مستجد جاء في المدونة هو فرض القضاء رقابته على مؤسسة الأسرة.
الطعن في المقررات القضائية
المادة 128 : ” المقررات القضائية الصادرة بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ طبقا لأحكام هذا الكتاب، تكون غير قابلة لأي طعن في جزئها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.
الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية بالطلاق أو بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ، تكون قابلة للتنفيذ إذا صدرت عن محكمة مختصة وأسست على أسباب لا تتنافى مع التي قررتها هذه المدونة، لإنهاء العلاقة الزوجية، وكذا العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين، بعد استيفاء الإجراءات القانونية بالتذييل بالصيغة التنفيذية، طبقا لأحكام المواد 430 و431 و432 من قانون المسطرة المدنية.”
المحور الرابع : التطليق للشقاق 94-97
المادة 94 : ” إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق، وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 أعلاه.”
المادة 95 : ” يقوم الحكمان أو من في حكمهما باستقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين وببذل جهدهما لإنهاء النزاع. إذا توصل الحكمان إلى الإصلاح بين الزوجين، حررا مضمونه في تقرير من ثلاث نسخ يوقعها الحكمان والزوجان ويرفعانها إلى المحكمة التي تسلم لكل واحد من الزوجين نسخة منه، وتحفظ الثالثة بالملف ويتم الإشهاد على ذلك من طرف المحكمة.”
المادة 96 : ” إذا اختلف الحكمان في مضمون التقرير أو في تحديد المسؤولية، أو لم يقدماه خلال الأجل المحدد لهما، أمكن للمحكمة أن تجري بحثا إضافيا بالوسيلة التي تراها ملائمة.”
المادة 97 : ” في حالة تعذر الإصلاح واستمرار الشقاق، تثبت المحكمة ذلك في محضر، وتحكم بالتطليق وبالمستحقات طبقا للمواد 83 و84 و85 أعلاه، مراعية مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر. يفصل في دعوى الشقاق في أجل لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ تقديم الطلب.”
لم يبق إيقاع الطلاق من حق الزوج وحده بل أصبح حق إيقاعه مخولا للزوجة أيضا، تحت المراقبة القضائية وطبقا لأحكام المدونة، فقد يتم بطلب من أحد الزوجين ويسمى طلب التطليق بسبب الشقاق، أو بطلب من الزوجة بناء على أسباب متعددة تختار الزوجة أحدها لتبرر طلبها للطلاق من بينها إخلال الزوج بشرط من شروط العقد، الضرر، عدم الإنفاق، الغيبة، العيب، الإيلاء والهجر وبالتالي لم يعد الطلاق بيد الزوج وحده ولم يعد لطلاق الخلع أي معنى، كل ذلك في إطار المساواة بين الرجل والمرأة.
والشقاق هو تنافر بين الزوجين، بسبب الشكل أو الطبائع أو أي سبب آخر يسبب التنافر، وعلى هذا الأساس فقط يمكن لأحد الزوجين أن يطلب من القاضي تطليقه من زوجه، فتنحل العلاقة الزوجية بكل سهولة، على أن المواد 94 و 95 و 96 تتحدث عن محاولة صلح في غرفة المشورة من أجل التقريب بين الزوجين وحل الخلاف وفق مقتضيات المادة 82، كما يمكن لها أن تنتدب لمهمة الإصلاح حكمين او مجلس العائلة أو من تراه مناسبا لإصلاح ذات البين، وفي حالة تعذر التقريب بين الزوجين تحكم المحكمة بالتطليق وفق المادة 97 مراعية مسؤولية المتسبب في الفراق، ويتم البت داخل أجل 6 أشهر، مع الحكم للزوجة بالمستحقات المالية كمؤخر الصداق ونفقة العدة ونفقة الاطفال والمتعة التي يراعى في تقديرها مدة سريان ميثاق الزوجية والوضعية المالية للزوج.
مسطرة الشقاق تعتبر أكثر تطبيقا في الواقع العملي خصوصا من طرف النساء، حيث يقضي القضاء بالتطليق ولو بعد مسطرة شكلية حيث تكون الزوجة مصرة على التطليق، وتحصل على الطلاق والمستحقات في أجل أقصاه 6 أشهر، هذا الطلاق يكون بائنا ونهائيا في شقه المتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية، وهو يفرغ باقي أنواع الطلاق من مضمونها فلا يبقى أي معنى لأي نوع من الطلاق ما دام أن الزوجة تستطيع أن تحصل على الإذن القضائي بالتطليق وفوق ذلك المستحقات المالية لأتفه الأسباب أو لتوصيات عائلية نسائية أو فقط لرغبتها في تغيير الزوج أو تستعمله لابتزاز الزوج والسيطرة على بيت الزوجية من كل ناحية، ويمكن القول أن التطليق للشقاق هو السبب الأساسي في ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع المغربي.
المحور الخامس : التطليق لأسباب أخرى 98-112
وسع المشرع المغربي من دائرة مطالبة الزوجة بتطليقها من زوجها لأسباب تجعلها تتضرر من البقاء معه، إذ أصبح من حقها أن تطلب تطليقها منه بسبب إخلال الزوج بأي شرط من شروط العقد أو عدم إعطائها حقوقها الزوجية، وقد يكون تضررها من سوء المعاشرة، وإما بسبب عدم إنفاقه عليها أو غيبته عن بيت الزوجية بدون عذر مقبول، أو وجود عيب في الزوج أو عند ما يهجر فراش الزوجة وقد يكون لدخوله السجن ففي جميع هذه الحالات منح المشرع للزوجة حق طلب التطليق وأوجبت على القاضي أن يلبي طلبها.
المذاهب الفقهية ليست على اتفاق مع المدونة من ناحية الأسباب المبررة للتفريق بين الزوجين معتبرة أهمية بقاء شمل الاسرة مجتمعا، فهي تفضل بقاء الطلاق بيد الزوج نظرا لحرصه على بيت الزوجية ورجاحة عقله وتريثه في إيقاع الطلاق، أما بالنسبة للمشرع المغربي فإنه فتح الباب أمام الزوجة لتطلب الطلاق من المحكمة في أي ساعة أرادت ذلك.
جاء في المادة 98 : ” للزوجة طلب التطليق بناء على أحد الأسباب الآتية:
1 – إخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج؛
2 – الضرر؛
3 – عدم الإنفاق؛
4 – الغيبة؛
5 – العيب؛
6 – الإيلاء والهجر.”
طلب التطليق للإخلال بشرط من شروط العقد 99
قد تشترط الزوجة على زوجها بعض الشروط فيخل بها، كأن تشترط عليه أن لا تنتقل معه إلى مقر جديد للعمل بعيدا عن موطنها الأصل، إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة قانونا وواقعا، جاء في المادة 99 : ” يعتبر كل إخلال بشرط في عقد الزواج ضررا مبررا لطلب التطليق. يعتبر ضررا مبررا لطلب التطليق، كل تصرف من الزوج أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية.”
طلب التطليق للضرر 100-101
المادة 100 : ” تثبت وقائع الضرر بكل وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود، الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة. إذا لم تثبت الزوجة الضرر، وأصرت على طلب التطليق، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق.”
المادة 101 : ” في حالة الحكم بالتطليق للضرر، للمحكمة أن تحدد في نفس الحكم مبلغ التعويض المستحق عن الضرر.”
فإذا أضر الزوج بزوجته بأي نوع من أنواع الضرر الذي تصعب معه العشرة الزوجية كأن يضربها ضربا مبرحا أو يسبها، ويعتبر ضررا مبررا لطلب التطليق ، كل تصرف مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية ، وتجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية .
ويثبت الضرر بكل وسائل الإثبات الممكنة كالقرائن وشهادة الشهود الذين يتم الاستماع إليهم من طرف المحكمة، كما يثبت بكل وسائل التحقيق التي تراها المحكمة مفيدة كإجراء البحث والمعاينة والخبرة وللمحكمة سلطة تقديرية في تقييم الأدلة والحجج المعروضة عليها، وتجدر الإشارة إلى الاستماع إلى الشهود أو إجراء البحث والتحقيق يقع في جلسة بغرفة المشورة يحضرها أطراف النزاع فقط حفاظا على أسرار الأسرة.
على أن تقدير التعويض عن الضرر من مهمة القاضي حسب قناعته الشخصية، خصوصا في حالة أضرار قوية على الزوجة أو الزوج، حيث يمكن للزوج أن يطالب بالتعويض إذا كانت الزوجة تستعمل التطليق لابتزازه بالنفقة وأخذ أبناءه إذا لم يلبي لها كل أوامرها، على أن مسألة الإثبات دائما تطرح إشكالات كبيرة نظرا لجريانها في بيوت مغلقة.
التطليق لعدم الإنفاق 102
المادة 102 : ” للزوجة طلب التطليق بسبب إخلال الزوج بالنفقة الحالة الواجبة عليه، وفق الحالات والأحكام الآتية:
1 – إذا كان للزوج مال يمكن أخذ النفقة منه، قررت المحكمة طريقة تنفيذ نفقة الزوجة عليه ولا تستجيب لطلب التطليق؛
2 – في حالة ثبوت العجز، تحدد المحكمة حسب الظروف، أجلا للزوج لا يتعدى ثلاثين يوما لينفق خلاله وإلا طلقت عليه، إلا في حالة ظرف قاهر أو استثنائي؛
3 – تطلق المحكمة الزوجة حالا، إذا امتنع الزوج عن الإنفاق ولم يثبت العجز.”
تعتبر النفقة على الزوجة واجب من الواجبات الملقاة على عاتق الزوج مادامت الزوجية قائمة حقيقة أو حكما، فالمشرع المغربي لا يعتبر بالمساواة في النفقة، وهو ما عليه المواد 194 إلى 196 من مدونة الأسرة، وإذا أخل الزوج بهذا الواجب يحق للزوجة اللجوء للقضاء لطلب تطليقها وفق المادة 102 بعد أن تمهل المحكمة الزوج 30 يوما ليتجاوز حالة العسر.
غير أن فقهاء الشريعة الاسلامية اختلفوا في حكم التطليق لعدم الإنفاق لقوله تعالى: ” لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسها إلا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسر”، وقوله تعالى: “وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة”، فقد تعتري الزوج حالات فقر وعجز على النفقة، وقد حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تعتريه حالات عسر وضيق يد، فلا تشتعل نار مطبخ في بيته صلى الله عليه وسلم شهورا، فاعتقد بعض الفقهاء أن عسر الزوج لا يخول الزوجة حق طلب الطلاق.
فالحنفية يرون أنه إذا كان الزوج معسرا فلا يجوز أن تظلمه الزوجة بطلب إيقاع الطلاق عنه، إلا أن يكون موسرا فهو ظالم في امتناعه عن الانفاق ، على أن هناك طرقا أخرى لإرغامه على الانفاق دون طلاق كبيع ماله جبرا، كما أن المشهور في المذهب المالكي أن المرأة إذا تزوجت وهي عالمة بفقر زوجها لا يمكنها أن تطالب بالتطليق لعدم الإنفاق.
التطليق للغيبة 104-106
المادة 104 : ” إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تزيد عن سنة، أمكن للزوجة طلب التطليق. تتأكد المحكمة من هذه الغيبة ومدتها ومكانها بكل الوسائل. تبلغ المحكمة الزوج المعروف العنوان مقال الدعوى للجواب عنه، مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة، ستحكم المحكمة بالتطليق إذا لم يحضر للإقامة مع زوجته أو لم ينقلها إليه.”
المادة 105 : ” إذا كان الغائب مجهول العنوان، اتخذت المحكمة بمساعدة النيابة العامة، ما تراه من إجراءات تساعد على تبليغ دعوى الزوجة إليه، بما في ذلك تعيين قيم عنه، فإن لم يحضر طلقتها عليه.”
المادة 106 : ” إذا حكم على الزوج المسجون بأكثر من ثلاث سنوات سجنا أو حبسا، جاز للزوجة أن تطلب التطليق بعد مرور سنة من اعتقاله، وفي جميع الأحوال يمكنها أن تطلب التطليق بعد سنتين من اعتقاله.”
من بين الحقوق المتبادلة بين الزوجين معاشرة ومساكنة أحدهما للآخر، ويترتب عن خرق هذا الالتزام الأساسي من طرف الزوج إمكانية طلب الزوجة من القاضي الحكم بتطليقها من أجل الغيبة ، وللإمام بهذا الموضوع سنتطرق لموقف الفقه الإسلامي من التطليق للغيبة ثم نبين سنده القانوني في التشريع المغربي لنختم بشروط التطليق للغيبة .
بالرجوع إلى مقتضيات المادة 104 من المدونة يتضح على أن دعوى التطليق للغيبة لم تعد تشترط سوى غياب الزوج عن زوجته لمدة سنة فيما تم إقصاء باقي الشروط التي كانت تنص عليها مدونة الأحوال الشخصية السابقة، فبينما تتأكد المحكمة من أحقية أو حقيقة وقوع الغيبة وأمدها الزمني بجميع الوسائل وكان للزوج عنوان أو محل إقامة فإنها تبلغه عريضة دعوى الزوجة ليبدي أوجه دفعاته النظامية والموضوعية بشأنها مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة ستحكم المحكمة بالتطليق ما لم يحضر للإقامة مع زوجته أو ما لم ينقلها إليه، أما في الحالة الثانية والتي يكون خلالها الزوج المطلوب في دعوى التطليق مجهول العنوان اتخذت المحكمة في هذه الحالة بمساعدة وتنسيق مع مؤسسة النيابة العامة ما تراه مناسبا.
كما أنه طبقا لمقتضيات المادة 106 من مدونة الأسرة فإنه إذا صدر على الزوج حكم نهائي بالحبس أو السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته أن تطلب التطليق بسبب ذلك بعد انصرام سنة من اعتقاله والعبرة في ذلك هو تضررها من بعده عنها كما يمكنها تقديم الطلب بعد مرور سنتين من تاريخ اعتقاله سواء صدر حكم أو لم يصدر .
التطليق بسبب العيب 107-111
تطرأ عيوب أو أمراض على الزوج فإذا لم تستطع الزوجة الصبر على هذه العيوب، رفعت دعوى قصد التطليق، وقد اختلف الفقهاء حول موضوع التفريق للعيب اختلافا كبيرا ، فقد ذهب بعضهم إلى القول أنه لا يحق مطلقا لأحد الطرفين المطالبة بالتفريق بسبب عيب أو مرض، وذهب جانب من الحنفية والحنابلة إلى القول بأن العيوب التي توجب الطلاق هي عيوب التناسل، أما المالكية فقد اتخذوا موقفا وسطا بخصوص مسألة التفريق للعيب حيث قرروا أن كل عيب لا يصلح لكي يكون سببا لطلب التفريق هناك بعض العيوب فقط يمكن الاعتماد عليها في التفريق إذا كانت تؤدي إلى عكس الهدف المتوخى من الزواج كالاستمتاع والتناسل.
أما مدونة الأسرة فقد تحدث عن العيوب الموجبة للطلاق وذكرتها في المواد ما بين 107 و 111.
المادة 107 : ” تعتبر عيوبا مؤثرة على استقرار الحياة الزوجية وتخول طلب إنهائها:
1 – العيوب المانعة من المعاشرة الزوجية؛
2 – الأمراض الخطيرة على حياة الزوج الآخر أو على صحته، التي لا يرجى الشفاء منها داخل سنة.”
المادة 108 : ” يشترط لقبول طلب أحد الزوجين إنهاء علاقة الزوجية للعيب:
1 – ألا يكون الطالب عالما بالعيب حين العقد؛
2 – ألا يصدر من الطالب ما يدل على الرضى بالعيب بعد العلم بتعذر الشفاء.”
المادة 109 : ” لا صداق في حالة التطليق للعيب عن طريق القضاء قبل البناء ويحق للزوج بعد البناء أن يرجع بقدر الصداق على من غرر به، أو كتم عنه العيب قصدا.”
المادة 110 : ” إذا علم الزوج بالعيب قبل العقد، وطلق قبل البناء، لزمه نصف الصداق.”
المادة 111 : ” يستعان بأهل الخبرة من الأخصائيين في معرفة العيب أو المرض.”
العيوب الخاصة بالرجل ترجع بالأساس إلى الضعف الجنسي أما بالنسبة للمرأة فترجع غالبا إلى عيوب الإنجاب أو البرود الجنسي، وهناك عيوب مشتركة كالأمراض العقلية والجنسية والجلدية والعقم، وهنا يجب على القاضي أن يستجيب لحالة التطليق خصوصا إذا كانت نسبة العلاج ضعيفة أما العيوب التي يمكن علاجها فيمكن للقاضي أن يمهل المريض سنة للعلاج، على أن هذا الأمر غير واقعي كون أغلب من يرغب في التطليق يدخل من باب التطليق للشقاق ويخرج من حالة الزواج لمجرد عدم الارتياح مع الطرف الآخر، خصوصا بالنسبة للنساء حيث لا سيستدعي الأمر التطليق للعيب أو الضرر أو غيره، بل يكفي ادعاء الزوجة عدم الارتياح مع الزوج ثم الخروج من بيت الزوجية بالطلاق والأولاد والمستحقات المالية.
التطليق للإيلاء أو الهجر 112
الإيلاء في اللغة هو الحلف على ترك الشيء، تقول أليت أن أفعل كذا حلفت وأقسمت ومنه قوله تعالى : ” ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولى القربى” ، وفي الاصطلاح الفقهي هو حلف الزوج على أن لا يجامع زوجته لمدة تزيد على 4 أشهر.
المادة 112 : ” إذا آلى الزوج من زوجته أو هجرها، فللزوجة أن ترفع أمرها إلى المحكمة التي تؤجله أربعة أشهر، فإن لم يفئ بعد الأجل طلقتها عليه المحكمة.” والحكمة من ذلك أن النساء لا تصبر على فراش الزوجية أكثر من 4 أشهر ولذلك كان عمر بن الخطاب يأمر الجيش بالرجوع إلى الأزواج كل أربعة أشهر خوفا عليهن من الفتنة في الدين.
المحور السادس : العدة 129-137
العدة لغة مشتقة من العدد، قال تعالى : ” إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا” التوبة36، واصطلاحا هي مدة من الزمن تمنع فيها المرأة من الزواج بسبب طلاقها أو موت زوجها حتى ينقضي ما بقي من آثار الزواج، وأما الرجل فليس له عدة، فيجوز له أن يتزوج مباشرة بعد وفاة زوجته أو طلاقها منه بل وحتى وهي ما تزال في عصمته له الحق في أربع نساء، لكن هناك حالتان يمكن الحديث فيها عن عدة للرجل، الحالة الأولى إذا أراد أن يتزوج بمن يحرم عليه الجمع بينهما، فيجب عليه أن ينتظر حتى تنقضي عدة من طلقها، والحالة الثانية إذا أراد أن يتزوج الخامسة فعليه أن ينتظر انتهاء العدة، لأن آثار الزواج تكون سارية خلال مدة العدة.
وتبتدئ العدة حسب المادة 129 : ” تبتدئ العدة من تاريخ الطلاق أو التطليق أو الفسخ أو الوفاة”. والحكمة من ذلك التأكد من براءة الرحم من الحمل تفاديا لاختلاط الأنساب، كما أنها فرصة للزوج لكي يراجع قراره لما في ذلك من فائدة للأسرة والأطفال، قال تعالى : ” وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا”، كما أن العدة بعد وفاة الزوج تفيد التأسف والحزن واحترام شعور الأقارب، والعدة لا تلزم المرأة الولود بل تشمل حتى المرأة العاقر، قال تعالى : ” والذين يتوفن منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا” البقرة 232.
لكن المادة 130 أشارت إلى أن الطلاق قبل البناء لا عدة فيه لانعدام المسيس، جاء في المادة 130 : ” لا تلزم العدة قبل البناء والخلوة الصحيحة إلا للوفاة”، هذا الأمر يوافق الآية الكريمة : ” يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها”. الأحزاب49، هذا وتعتد المطلقة في بيت الزوجية أو في بيت يخصصه لها الزوج كما جاء في المادة 131 : ” تعتد المطلقة والمتوفى عنها زوجها في منزل الزوجية، أو في منزل آخر يخصص لها.”
أنواع العدة
أولا : العدة بالحيض
هذه العدة مخصصة للنساء التي تحيض، قال تعالى : ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء” البقرة228، أي تنقضي عدة المرأة بثلاث حيضات كاملة، ما لم تكن الفرقة بسبب الوفاة فالعدة 4 أشهر وعشر، جاء في المادة 132 : ” عدة المتوفى عنها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام كاملة.”، أما الحامل فتنقضي عدتها بالولادة أو السقوط، جاء في المادة 133 : ” تنتهي عدة الحامل بوضع حملها أو سقوطه.”
ثانيا : العدة بالأشهر
هذه العدة مخصصة للنساء اللواتي لم يحضن بعد أو اللواتي بلغن سن اليأس، قال تعالى : ” واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر واللائي لم يحضن” الطلاق3، وعليه فإن الصغيرة التي لا تحيض واليائسة من المحيض تكون عدتها ثلاثة أشهر، جاء في المادة 136 : ” تعتد غير الحامل بما يلي: 1 – ثلاثة أطهار كاملة لذوات الحيض؛ 2 – ثلاثة أشهر لمن لم تحض أصلا، أو التي يئست من المحيض فإن حاضت قبل انقضائها استأنفت العدة بثلاثة أطهار؛ 3 – تتربص متأخرة الحيض أو التي لم تميزه من غيره، تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أطهار”. أما إذا توفي الزوج خلال عدة الطلاق تنتقل العدة إلى عدة الوفاة وفق المادة 137.
📗 خلاصة الباب
- ينتهي ميثاق الزوجية إما بالوفاة، أو بالطلاق (حل ميثاق الزوجية بإرادة الزوج أو الزوجة تحت مراقبة القضاء)، أو بالتطليق (حل ميثاق الزوجية بحكم قضائي بناء على طلب أحد الزوجين لأسباب محددة كالشقاق أو الضرر أو الإخلال بشرط في العقد أو الغيبة أو العيب أو عدم الإنفاق).
- استحدثت مدونة الأسرة التطليق للشقاق كمسطرة قضائية ميسَّرة لا تستلزم إثبات ضرر محدد، بل تكتفي بثبوت استمرار الخلاف بين الزوجين وتعذر الإصلاح بينهما عبر محاولات الصلح التي تجريها المحكمة، إلى جانب أسباب تطليق أخرى تقليدية (كالإيلاء والهجر والغيبة). وتلتزم المرأة المطلقة أو الأرملة بالعدة الشرعية (بالحيض أو بالأشهر بحسب حالتها) قبل جواز عقد زواج جديد.
اترك تعليقاً