حين يصبح الصمت خيانة: المسؤولية بين المروءة والمصلحة

حين يصبح الصمت خيانة: المسؤولية بين المروءة والمصلحة

كم مرة سمعنا في المغرب عبارة «خصنا نحافظو على الوحدة» لتبرير السكوت عن خطأ فادح؟ كم مرة رأينا رجالاً ونساءً يُبتلعون غصصهم ويكتمون نقدهم خوفاً من «كسر البيضة»؟ هذا المشهد ليس حكراً على فضاء بعينه، بل يتكرر في التنظيمات السياسية والجمعيات والأحزاب وحتى المؤسسات الدينية. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الحفاظ على الوحدة الشكلية يستحق ثمن تسليم دفة القيادة لمن لا يستحقونها؟

ثمن السكوت الباهظ

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم إصبعه على الجرح حين يتحدث عن «حجم الدمار الذي يخلفه السكوت بحجة الحفاظ على البيضة وحجم الخراب التي يسببه الخنوع الذي يترك الباب مفتوحاً أمام مخرومي المروءة ليدخلوا منه نادي المسؤولية ويُذلوا بعد ذلك رقاب الرجال». هذه الجملة تختزل مأساة حقيقية عشناها ونعيشها في المغرب: كيف يتحول الصمت من فضيلة مفترضة إلى جريمة تاريخية تفتح الأبواب أمام أصحاب النفوس الضعيفة والهمم الدنيئة.

المفارقة أن هذا السكوت غالباً ما يُبرَّر بخطاب أخلاقي: الحفاظ على الجماعة، تجنب الفتنة، عدم إشماتة الأعداء. لكن النتيجة الفعلية هي عكس ذلك تماماً: حين نسكت عن المسؤول الفاسد باسم الوحدة، نحن لا نحفظ الجماعة بل ندمرها من الداخل. حين نغض الطرف عن صاحب القرار الضعيف لأنه «منا»، نحن لا نحمي المشروع بل نسلمه لمن سيُذله ويُذل معه كل من ائتمنه.

المروءة المفقودة

المشكلة الأعمق هي أن هذا الصمت يخلق بيئة حاضنة لـ«مخرومي المروءة». هؤلاء ليسوا فقط فاسدين أو عاجزين، بل هم فاقدون لأبسط قيم النبل والشرف. إنهم يدركون ضعفهم لكنهم يتشبثون بالمواقع لا لخدمة قضية، بل لإشباع رغبة في السلطة أو المال أو الظهور. والأخطر أنهم حين يصلون إلى مواقع المسؤولية، لا يكتفون بالفشل الشخصي، بل «يُذلون رقاب الرجال» – أي يُخضعون من هم أفضل منهم وأكفأ، ويفرضون عليهم منطق الطاعة والخنوع.

في السياق المغربي، شهدنا هذا المشهد مراراً: قيادات حزبية أو جمعوية تصل إلى مواقع القرار ليس بكفاءتها بل بقدرتها على المناورة والمداهنة، ثم تفرض على الصادقين والمخلصين أن يصمتوا باسم «المصلحة العليا». وهكذا يتحول التنظيم من مشروع نهضوي إلى مجرد بنية هرمية يتصارع فيها الأقزام على الفتات.

شجاعة الكلام

ما يميز نص أكريم هو رفضه للمداهنة والبروتوكول. هو يعلن منذ البداية أنه سيتحدث «حديث القلب إلى القلب، حديث التجربة والبرهان»، متحرراً من «قواعد البريستيج وشكليات المقال وقوالب اللباقة». هذه ليست دعوة للفوضى اللغوية أو الشتيمة الرخيصة، بل هي إعلان عن موقف أخلاقي: أن الصدق أهم من الدبلوماسية، وأن الحقيقة أولى من حسن السمعة.

نحن في المغرب بحاجة ماسة إلى هذه الشجاعة. بحاجة إلى من يقول «لا» في وجه القيادات الفاشلة، بحاجة إلى من يكسر حاجز الصمت المدمر، بحاجة إلى من يضع المصلحة العامة فوق العلاقات الشخصية والحسابات الضيقة. السؤال ليس ما إذا كنا سنخسر مواقعنا أو علاقاتنا حين ننتقد، بل ما إذا كنا مستعدين لتحمل مسؤوليتنا التاريخية أمام من سيأتي بعدنا.

سؤال للتأمل

في تجربتك الشخصية، سواء في حزب أو جمعية أو مؤسسة: متى كان صمتك حكمة، ومتى كان خيانة؟ وهل الثمن الذي دفعته مقابل «الحفاظ على الوحدة» كان يستحق ما آلت إليه الأمور؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية