حين يصبح الصمت فضيلة: التنظيم بين العمران والشتات

حين يصبح الصمت فضيلة: التنظيم بين العمران والشتات

كم مرة سمعنا في نقاشاتنا المغربية من يمجّد الانعزال عن العمل الجماعي باسم «السلامة»؟ كم مرة رأينا من يبرّر تخليه عن المسؤولية الاجتماعية بحجة «حفظ الدين» و«الابتعاد عن الفتن»؟ هذه الظاهرة التي تحوّل الحذر من فضيلة إلى عجز، ومن الورع إلى هروب، باتت تشكّل أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ومنها المجتمع المغربي الذي يشهد تراجعاً ملحوظاً في ثقافة العمل المنظّم لصالح فردانية مقنّعة بالتديّن.

وهم الخلاص الفردي

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم يده على جرح عميق حين يقول: «أمت علينا ديننا أيها المنعزل وأسقطت الرجولة في أوحال فكر الزبيبة والحفاظ على البيضة، ويا ليتها كانت بيضة طازجة، إنها بيضة فاسدة كريهة رائحتها ثم تنصح عباد الله بالخنوع لمفسدها». هذه الجملة اللاذعة تكشف عن مفارقة صارخة: كيف تحوّل بعض من يدّعون الغيرة على الدين إلى دعاة للسلبية والانكفاء، متذرّعين بحماية ما يسمونه «نقاء العقيدة» بينما هم في الحقيقة يحمون عجزهم ويبرّرون خنوعهم؟

المشكلة ليست في الحذر أو التثبّت، بل في تحويل هذه القيم إلى غطاء أيديولوجي للتخلي عن المسؤولية الجماعية. فالمجتمعات لا تُبنى بالنوايا الفردية الطيبة فحسب، ولا بالعبادات المنعزلة وحدها، بل بالتنظيم والعمل المشترك الذي يحوّل القيم إلى واقع ملموس. حتى الدعوة المحمدية نفسها، وهي المؤيدة بالوحي والنبوة، لم تستغنِ عن التنظيم والبناء المؤسسي، فكيف بمن هم أقل منها شأناً؟

درس النحل المنسي

يستخدم الكاتب مثال النحل في تقريب الفكرة: لو دخلت كل نحلة سوق رأسها لما أكلنا عسلاً. هذا المثل البسيط يحمل عمقاً فلسفياً كبيراً. فالطبيعة نفسها، بل حتى عالم الحشرات، يشهد على ضرورة التنظيم لتحقيق الأهداف الكبرى. النحل لا تعرف الفلسفة ولا تقرأ الكتب، لكنها تدرك بالفطرة أن البقاء والإنتاج مرتبطان بالعمل المنظّم. أفيُعقل أن ينحدر الإنسان، المكرّم بالعقل والإرادة، إلى ما دون مستوى الحشرات في فهم هذه الحقيقة البسيطة؟

في السياق المغربي، نلاحظ كيف أن كثيراً من المبادرات الاجتماعية والإصلاحية تفشل لا بسبب ضعف الأفكار أو قلة الموارد، بل بسبب غياب التنظيم المحكم والعمل المؤسسي المستدام. نرى جمعيات تُنشأ بحماس ثم تموت بصمت، ومشاريع خيرية تبدأ بزخم ثم تتلاشى، ومبادرات شبابية تُطلق بآمال عريضة ثم تتبخر. السبب الأساسي في أغلب الأحيان هو غياب ثقافة التنظيم، وتفشي العشوائية، وضعف الالتزام المؤسسي.

من الهيكل العظمي إلى الجسد الحي

التنظيم ليس قيداً على الحرية كما يتوهم البعض، بل هو شرط لفعاليتها. فكما أن الهيكل العظمي ليس سجناً للجسد بل هو ما يمكّنه من الوقوف والحركة، فإن التنظيم ليس تكبيلاً للطاقات بل هو ما يحوّلها من عشوائية مبعثرة إلى قوة فاعلة. الشركات الناجحة لها مجالس إدارة، والجيوش المنتصرة لها هياكل قيادية، والمجتمعات المتقدمة لها أنظمة ومؤسسات. أما الفوضى والفردانية، فلم تنتج في التاريخ إلا الفشل والتشتت.

المسألة إذن ليست خياراً بين التنظيم وعدمه، بل بين تنظيم يخدم القيم العليا ويحقق المصالح الجماعية، وبين شتات يحمي المصالح الفردية الضيقة تحت عناوين براقة. الإسلام، كما يؤكد الكاتب، براء من ثقافة الركوع والشتات والعشوائية. إنه دين البناء والعمران والإصلاح الجماعي، لا دين الانكفاء والسلبية والتبرير.

فهل آن الأوان لمراجعة خطابنا الديني والاجتماعي الذي يمجّد الانعزال باسم السلامة، ويحتقر العمل المنظّم باسم الورع، ويحوّل القعود عن المسؤولية إلى فضيلة؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية