الأخ الخصم: حين تقتات اللوبيات على شرعية التنظيم الذي تنخره

الأخ الخصم: حين تقتات اللوبيات على شرعية التنظيم الذي تنخره

عرف القارئ المغربي، على امتداد عقود، تنظيمات إسلامية بنت جزءاً كبيراً من رصيدها الأخلاقي على نقد الدهاليز: نقد التحالفات الخفية، والولاءات المقنّعة، والقرار الذي يُطبخ بعيداً عن أعين المعنيين به. وههنا مفارقة تستحق التوقف. فالتنظيم الذي جعل الشفافية والأخوّة عنوانين لمشروعه قد ينتهي إلى إعادة إنتاج ما كان يعيبه على خصومه، لا في علاقته بالدولة أو بالمجتمع، بل في داخله، بين أبنائه أنفسهم. لم يعد الخداع السياسي، كما يلاحظ فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، سلاحاً موجّهاً إلى الخارج فحسب، بل صار يجري بين الأفراد فيما بينهم وبين المؤسسات فيما بينها.

أطروحتنا في هذه المقالة أنّ اللوبي التنظيمي ليس انحرافاً عارضاً يصيب جسماً سليماً، بل هو العلامة الأوضح على لحظة يتحوّل فيها التنظيم من وسيلة لطلب المعالي إلى موضوع للمصلحة في ذاته. وحين يصير التنظيم نفسه هو الغنيمة، يصير الأخ منافساً، وتصير السرية منهجاً، وتغدو الشرعية المعلنة غطاءً تتغذى منه القوة التي تنخرها.

في ضبط المفاهيم: التنظيم ليس هو الجماعة

لا يستقيم هذا الاستدلال إلا بتحديد ألفاظه. نعني بالمعالي تلك الغايات التي تتجاوز الفرد والتنظيم معاً، كإصلاح النفس والمجتمع وخدمة قيمة يُعتقد أنها أعلى من كل انتماء. ونعني بالمصلحة، في سياقنا، المصلحة الضيقة: منفعة فرد أو فئة داخل التنظيم حين تُقدَّم على الغاية التي قام من أجلها. أما الشرعية فهي الاعتراف الذي يجعل فعلاً ما مقبولاً داخل الجماعة، وهي في هذه التنظيمات مستمدة أساساً من الغايات المعلنة لا من القوة المجردة.

ويبقى التمييز الأهم بين التنظيم والجماعة. التنظيم هو البنية: الهياكل والمواقع والمساطر وتوزيع القرار. والجماعة هي الرابطة: الأخوّة والثقة والمعنى المشترك الذي يجمع الناس قبل أن تجمعهم اللوائح. ويبدو لنا أنّ أزمة اللوبيات هي، في عمقها، لحظة يبتلع فيها التنظيمُ الجماعةَ؛ إذ تصبح المواقع أثمن من الروابط، ويصبح النفوذ داخل الهيكل أهمّ من المعنى الذي أُنشئ الهيكل لخدمته.

من هنا تكتسب عبارة الكاتب وزنها: «فتكوين اللوبي بالطريقة السرية ليس سوى تعبير عن رفض للآخر الذي هو أخ في نفس التنظيم». في هذه الجملة تكمن المأساة كلها. فالأخ، في منطق الجماعة، شريك في الغاية، أما في منطق التنظيم المأزوم فهو عقبة في طريق الموقع. والسرية هنا ليست تفصيلاً إجرائياً، بل هي الاعتراف الضمني بأنّ ما يُفعل لا يحتمل الضوء؛ وما لا يحتمل الضوء داخل جماعة تقوم على الثقة هو، بالتعريف، نقض لعقدها.

الشرعية المستعارة: كيف يعيش اللوبي من خصمه

أدقّ ما في المقطع، في تقديرنا، ملاحظته أنّ اللوبي لا يتخلى عن الخطاب الرسمي، بل يحتاج إليه حاجة الطفيلي إلى العائل. فللكيان الموازي أهدافه الخاصة، لكنه يظل متمسكاً بـ«برامجه وغاياته المعلنة التي لا يمكنه التملص منها كونها هي من تعطيه شرعية العمل داخل التنظيم». وههنا بنية مزدوجة لافتة: الشعار المعلن يمنح حق الوجود، والبرنامج الخفي يحدد وجهة الحركة.

ولعلّ الأدق أن نقول إنّ اللوبي لا يكذب على التنظيم بقدر ما يستثمر صدقه. فهو يرفع الشعارات نفسها، ويحتج بالمرجعية نفسها، ويتكلم لغة المعالي ذاتها، لكنه يحوّلها من غاية إلى رأس مال. وهذا أخطر من الخيانة الصريحة، لأنّ الخيانة الصريحة تُرى فتُقاوَم، أما الاستعارة الماكرة للشرعية فتُفرغ اللغة المشتركة من مضمونها شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الحديث عن الإخلاص نفسه موضع ريبة. وحين تفقد الكلمات الكبرى براءتها داخل جماعة ما، فإنّ ما يتآكل ليس الثقة بين أفراد بعينهم، بل إمكان الثقة ذاته.

ويشير الكاتب، وإن لم يكتمل كلامه في المقطع، إلى أنّ اللوبي داخل التنظيم لا يتكوّن بالطريقة التي يتكوّن بها داخل الدولة. ونقترح لهذه الإشارة قراءة: الدولة فضاء يُفترض فيه تعدد المصالح وتنازعها، وجماعات الضغط فيه، مهما كان الرأي فيها، تتحرك في ساحة يُقرّ الجميع بأنها ساحة صراع. أما التنظيم العقدي فيقوم على افتراض وحدة الغاية، ولذلك فإنّ اللوبي فيه لا يضغط على قرار فحسب، بل يطعن في المسلّمة التي تأسس عليها الكيان. إنه في الدولة سياسة، وفي الجماعة نقض للعهد.

اعتراض وجيه وردّ عليه

قد يُعترض على هذا كله بأنّ الشبكات غير الرسمية ظاهرة ملازمة لكل اجتماع بشري، وأنّ المطالبة بتنظيم خالٍ منها مطالبة بالمستحيل. بل قد يُقال إنّ اللوبي، في تنظيمات تضيق فيها قنوات الاختلاف ويتصلّب فيها الرأي القيادي، هو الملاذ الوحيد للأقلية الفكرية كي تُسمع صوتها. والكاتب نفسه يقرّ بأنّ السفينة قد تُوجَّه وجهة معينة «بنية صافية حسنة»، لا بالضرورة بدافع إغراء مادي أو رئاسي أو اختراق خارجي. فلماذا نحمّل الظاهرة كل هذا الوزر؟

هذا اعتراض قوي، ولا ينبغي التهوين منه. غير أنه يخلط بين التعدد والسرية. فالتيار الذي يعلن رؤيته ويدافع عنها في الهيئات المختصة يمارس اختلافاً مشروعاً، مهما كان حاداً. أما اللوبي فيمارس شيئاً آخر: يقتسم الشرعية علناً ويقتسم القرار سراً. والفرق بين الحالتين ليس فرقاً في الدرجة، بل في الطبيعة.

ثم إنّ حسن النية لا يغيّر البنية. فاللوبي الذي يتأسس بدافع نبيل يكرّس منهجاً، والمنهج لا يسأل عن نوايا من يستعمله بعد ذلك. ما يُشرعن اليوم باسم إنقاذ التنظيم من قيادة متصلبة، يصبح غداً متاحاً لمن تحرّكه الأطماع أو العناد التنظيمي أو حب اللعب على الهامش. السرية ذات النية الحسنة تمهّد الطريق للسرية ذات النية الفاسدة. هذا ما يجعل المسألة بنيوية لا أخلاقية فحسب.

ويبقى في الاعتراض شيء صحيح ينبغي أخذه بجدية: إنّ غياب قنوات الاختلاف العلني يدفع إلى الالتفاف. وهو ما يلتقي مع قول الكاتب إنّ الكيانات الموازية تعبير عن أزمة نظام أو غياب توافق نظري بين الأجنحة. فاللوبي عَرَض قبل أن يكون مرضاً، لكنه عرض يُفاقم الداء؛ يولد من انسداد البنية ثم يزيدها انسداداً، لأنّ كل طرف يتحصّن بشبكته، ويتحوّل التنظيم إلى أرخبيل من الجزر المتوجسة.

حين تصير الغاية وسيلة

إذا صحّ هذا التحليل، فإنّ السؤال لا يتعلق بأخلاق الأفراد وحدها، بل بمسار تاريخي كامل: كيف تتحول جماعة نشأت لطلب المعالي إلى ساحة لتدبير المصالح الضيقة؟ يبدو لنا أنّ نقطة الانعطاف تقع حين يكبر التنظيم بما يكفي ليصير له ما يُوزَّع: مواقع، وتمثيل، ونفوذ، وقرب من القرار. عندها يجد المنتمي نفسه أمام إغراء لم يكن قائماً في زمن التأسيس، يوم كان الانتماء كلفة لا مكسباً. والمعالي تزدهر في زمن الكلفة. أما زمن المكسب فيختبرها اختباراً عسيراً.

ولا يعني هذا الحنين إلى طهرانية البدايات، فتلك بدورها كانت أضيق من أن تحمل مشروعاً واسعاً. لكنه يعني أنّ التنظيم الذي يرفض الاعتراف بوجود المصالح داخله، ويصرّ على أنّ أعضاءه لا تحرّكهم إلا الغايات العليا، هو بالضبط التنظيم الذي يدفع المصالح إلى العمل في الظل. فالإنكار لا يُلغي المصلحة، بل يدفعها إلى التخفّي.

وهنا يتولّد سؤال لا نملك له جواباً مطمئناً: هل يستطيع تنظيم يستمد شرعيته من سموّ غاياته أن يعترف علناً بأنّ أبناءه يتنازعون المواقع والنفوذ، ثم يبتكر لهذا التنازع قواعد مكشوفة، دون أن يفقد في عيون أتباعه تلك الهالة التي قام عليها؟ فإن لم يستطع، بقيت اللوبيات قدره المستتر. وإن استطاع، فلعلّ الصدق في الاعتراف بالمصلحة يكون آخر ما تبقّى من طرق العودة إلى المعالي.

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية