يعرف القارئ المغربي جيداً ذلك الخطاب الذي يندّد بالمال حين يشتري المقاعد، وبأصحاب النفوذ حين يرسمون الخرائط الانتخابية قبل أن يُدلي أحد بصوته. ويعرف أيضاً أن قسطاً وافراً من هذا التنديد صدر عن تنظيمات قدّمت نفسها بديلاً أخلاقياً عن السياسة كما تُمارَس. وههنا مفارقة تستحق الوقوف عندها: ماذا لو كانت الآلية التي تُدان في البرلمان تعمل، بهدوء أكبر وضجيج أقل، داخل التنظيم الذي يدينها؟ المقطع الذي ننطلق منه، من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» لفوزي أكريم، لا يكتفي بالتلويح بهذا الاحتمال، بل يرسم له خريطة مفصّلة: لوبيات سياسية، وأخرى مالية، وثالثة انتخابية موسمية، ورابعة قطاعية، تتقاسم الجسد الواحد كما تتقاسم مراكزُ النفوذ دولةً ضعيفة المركز.
أطروحتنا أن اللوبي الداخلي ليس عَرَضاً طارئاً يصيب الجماعة من خارجها، ولا مجرد فساد أفراد يُعالَج بالوعظ أو بالعزل. إنه العلامة الأدق على لحظة بعينها: اللحظة التي تكفّ فيها الجماعة عن أن تكون رابطة حول غاية، وتصير تنظيماً يُدار حول موارد. وحين يحدث ذلك، ينتقل السؤال من الأخلاق إلى الشرعية: من يملك حق القرار، وبأي حجة يملكه؟
الجماعة والتنظيم: تمييز لا يستقيم التحليل بدونه
نقصد بالجماعة الرابطة المعنوية التي تجمع أفراداً على غاية تتجاوزهم، وتمنح كل واحد منهم معنى انتسابه. ونقصد بالتنظيم الجهاز الذي يُنشأ لخدمة تلك الغاية: الهياكل والمناصب والميزانيات والمساطر والقطاعات. أما المعالي فليست كلمة وعظية تُزيَّن بها الخطب؛ إنها الغايات التي لا يملكها أحد بعينه ولا يربح منها فرد دون غيره، كالإصلاح وتزكية النفس وإقامة العدل. والمصلحة، بالمعنى الضيق الذي يعنينا هنا، هي ما يعود نفعه على فئة محددة داخل الكل، وتُطلَب ولو على حساب الكل. وأما الشرعية فهي الاعتراف الذي يمنحه الأعضاء لقرار ما لأنه صدر عن الغاية المشتركة وبالطرق المعلنة، لا لأنه صدر عن الأقوى أو الأغنى أو الأمهر في التعبئة.
ما دام التنظيم خادماً للجماعة، تبقى الموارد أدوات. غير أن الأدوات لا تبقى محايدة حين تتراكم. فالقطاع النقابي الذي نشأ ليخدم الغاية يصير له جمهوره ومكاسبه، والقطاع الإعلامي تصير له منابره ونجومه، والقطاع المالي تصير له حساباته وأولوياته. وكل تراكم يولّد جاذبية خاصة به. ولعل الأدق أن نقول إن التنظيم، حين يكبر، يكتسب مركز ثقل مستقلاً عن الجماعة التي أنشأته، فيبدأ في جذبها نحوه بدل أن يدور حولها. عند هذه النقطة يولد اللوبي: لا بوصفه مؤامرة، بل بوصفه الشكل الطبيعي الذي تتخذه المصلحة حين تجد جهازاً يحتضنها.
ويلفت النظر أن الكاتب لا يحصر الدافع في المال وحده، بل يذكر ما يسميه الانتصار النفسي المعنوي لجهة فكرية أو تربوية بعينها. وهذا تفصيل بالغ الدلالة. فالمصلحية ليست دائماً جشعاً مادياً؛ قد تكون رغبة في أن تغلب رؤيتي رؤيتك، وأن ينتصر خطّي على خطّك، ولو لم أربح من ذلك درهماً. بمعنى آخر: يمكن للمعالي نفسها أن تُخصخَص، فتتحول الغاية المشتركة إلى ملكية فئوية يتنازع عليها أصحابها.
حين تقلّد الجماعة ما تنتقده
يعقد المقطع مقارنة لافتة بين اللوبي المالي داخل التنظيم وما يجري في الدول، حيث «تتحكم في الدول من بعيد رؤوس الاموال الضخمة في البرلمانات وتستصدر من القوانين ما يلائمها باسم الديمقراطية». يبدو لنا أن هذه المقارنة ليست تشبيهاً بلاغياً عابراً، بل كشف عن تطابق بنيوي. ففي الحالتين يجري الأمر على ثلاث مراحل: دعم يسبق الاختيار، ثم اختيار يبدو حراً، ثم قرار يُستوفى فيه الدَّين. والمؤسسة الشكلية، برلماناً كانت أو مجلس شورى، تؤدي وظيفة واحدة: أن تُلبس صفقةً سابقة ثوبَ الإرادة العامة.
والأخطر في هذا التطابق أن التنظيم الذي يمارسه يفقد حجته الأساسية. فهو لم يطلب ثقة الناس لأنه أكفأ في التدبير فحسب، بل لأنه وعد بأن يكون مختلفاً في طبيعته. فإذا أعاد إنتاج المنطق نفسه في صورة مصغّرة، صار نقده للدولة نقداً لمنافس لا نقداً لنموذج.
ويصف الكاتب صنفاً آخر بأنه «لوبيات تنظيمية سلطوية موسمية لا تنشط إلا قبيل الانتخابات التنظيمية». كلمة موسمية هنا مفتاح. فالسلطة التي لا تستيقظ إلا عند الاقتراع تكشف أن الشرعية لديها شيء يُصنَع لا شيء يُستحق. والعزومات الفخمة التي يقول المقطع إن سببها لا يُعرف ليست تفصيلاً اجتماعياً طريفاً؛ إن سرّ المائدة هو سرّ القرار. الغموض هنا ليس عَرَضاً. إنه المنهج.
اعتراض التعدد وحدوده
قد يُعترض بأن ما نسميه لوبيات ليس سوى تعدد مشروع داخل أي كيان حيّ. فالتنظيم الذي لا تتصارع فيه الرؤى تنظيم ميت أو مستبد، والإجماع المفروض من قيادة واحدة أخطر بكثير من تنافس مراكز قوى تتوازن فيما بينها. بل قد يُقال إن هذه الكتل هي الضمانة الوحيدة ضد تأليه الزعيم، وإن النظر إليها بعين الريبة يخدم في النهاية من يريد تنظيماً بلا معارضة. وهذا اعتراض وجيه، ولا ينبغي التهوين منه.
غير أن الاعتراض يخلط بين صورتين متشابهتين في الظاهر ومتباينتين في الجوهر: التيار واللوبي. فالتيار يحاجّ أمام الجميع، ويطلب إقناع الكل بتأويل للغاية المشتركة، ويقبل أن يُهزم في النقاش. أما اللوبي فيتجنب النقاش أصلاً، لأنه لا يطلب تأويل الغاية بل يطلب حصة من الموارد أو موقعاً في القرار. معيار التمييز إذن ليس وجود الاختلاف، بل علنيته وقابليته للتبرير. ما يُقال في الاجتماع العام ويُدافَع عنه بالحجة تعدد. وما يُحسَم في المطعم قبل الاجتماع تحايل على الشرعية.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يعدّ الكاتب اللوبيات السياسية أخطر الكيانات الموازية، وأخطر حتى من اللوبيات المالية. قد يبدو هذا غريباً للوهلة الأولى، فالمال أوضح فساداً. لكن اللوبي المالي يأخذ حصة، بينما اللوبي السياسي يأخذ البوصلة. الأول يقتطع من الجسد، والثاني يغيّر وجهته كلها، ثم يقدّم هذا التغيير باسم الجماعة نفسها. والأمر ذاته يصدق على القطاع الذي يتحول إلى خط قائم بذاته: إنه لا يسرق شيئاً بعينه، بل يسرق الحق في تعريف ما هي الجماعة.
فهل العلاج في التطهير؟ يبدو لنا أن منطق التطهير يعيد إنتاج المشكلة، إذ لا يملك القدرة على الإقصاء إلا لوبي أقوى. العلاج الممكن، إن وُجد، هو في إخراج القرار من الظل: علنية التمويل، وعلنية الترشيح، وعلنية الحجة. لكن هذا يفترض أن من يملكون الظل سيقبلون التخلي عنه، وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية.
فإذا كان التنظيم لا يستطيع أن يكبر دون أن تتراكم فيه الموارد، ولا تتراكم الموارد دون أن تولّد مصالح، ولا تولّد المصالح إلا لوبيات تقلّد الدولة التي يحاربها، فهل يبقى الوفاء للمعالي ممكناً إلا في الجماعات الصغيرة التي لا تملك ما يُتنازع عليه؟ أم أن الامتحان الحقيقي لأي مشروع إصلاحي يبدأ بالضبط حين يصبح لديه ما يخسره؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً