فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

اللوبيات التنظيمية

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 6 من 77 — فهرس الكتاب

تحدثنا عن جهازي الدعوة والدولة، وقلنا بأنهما جهازان أساسيان داخل التنظيم الاسلامي، وتحدثنا عن الخطر الذي يشكله جهاز السياسة على كيان التنظيم عندما يتحول إلى نظام دولة أو قبل ذلك، وتحدثنا عن التهديد الذي يشكله الجهاز السياسي على كيان الجماعة ككل عندما يسيطر على جهاز الدعوة والتربية، لكن ليس هذان الجهازان فقط من يشكل التنظيم، بل هناك أجهزة أخرى موازية، قد تنتمي إلى الجهاز السياسي وقد تنتمي إلى الجهاز الدعوي وقد تكون مستقلة لا علاقة لها لا بدين ولا بسياسة ويكون لها تأثير على القرار داخل الجماعة، هذه الاجهزة الموازية أو اللوبيات [1] ليست ضمن الهندسة التنظيمية للتنظيم، بل هي كيانات موازية تنشأ على هامش التنظيم في سرية تامة، هذا الأخير من المفروض أن يقضي عليها لأنها سلطة موازية، مثل حالة الأشخاص أو المؤسسات ذوات النفوذ الذين ينشؤون جماعات موالية لأشخاصهم الذاتية أو المعنوية داخل نفس التنظيم، لكن هذا الأخير لا يستطيع القضاء عليها، إنه يتعامل معها، وفي أحيان متقدمة تكون هذه اللوبيات الموازية هي عين التنظيم.

فلسفة اللوبي فلسفة خطرة، ذلك أنها تنطوي على نية مبيتة تتمثل في الحفاظ على مصالح خاصة غير مصالح الجماعة، وقد تتطور هذه النية إلى العمل على جعل هذه المصلحة يعمل من أجلها كل التنظيم لا عناصر اللوبي فقط، فاللوبي غاية غاياته أن يسيطر على التنظيم من بعيد ويحركه كيف يشاء، ويبقى هدفه القريب هو العمل على هامش التنظيم من أجل مصالح ضيقة لا ترقى إلى المصلحة العامة، هذه الاعمال تُفوت على التنظيم فرصا عديدة وتهدر طاقات كثيرة كان من المفروض أنها في خدمة الدعوة لا في خدمة كتلة تقتات على ظهرها وتحاول الاخذ بناصيتها.

لكن القضاء على هذه اللوبيات ليس بالأمر السهل خاصة عند تشعب التنظيم وطول الزمن عليه واستفحال الامراض التنظيمية فيه واستقرار المسؤولين في نفس المنصب عشرات السنين، وإلا فإن التنظيم مسؤول عن وقف تمدد هذه اللوبيات وتغولها ومنع تحكمها في مصادر القرار فيه، أقل ما يمكنه أن يفعله التنظيم هو الوقوف ضد ذبح طاقاته الفاعلة أو تحويل مجراها نحو اتجاهات هامشية تخدم مصالح خاصة غير مصالح الجماعة.

في بداية نشأة التنظيم الاسلامي لم يكن يعرف هذا الأخير هذه اللوبيات والكيانات الموازية، بل كان الجميع على قلب رجل واحد، ومع دخول الافكار السياسية والمكر السياسي إلى دفة تسيير التنظيم أصبح الخداع السياسي لا يقتصر على معاملة التنظيم مع النظام، بل أصبح الخداع السياسي داخل التنظيم نفسه، بين الافراد فيما بينهم وبين المؤسسات فيما بينها، ولذلك فإن ظهور الكيانات الموازية دليل على صراعات داخل التنظيم أو هو تعبير عن وجود أزمة نظام أو ربما غياب توافق نظري فكري بين أجنحة التنظيم أو ربما أطماع سياسية، فتكوين اللوبي بالطريقة السرية ليس سوى تعبير عن رفض للآخر الذي هو أخ في نفس التنظيم، وهو سلوك عبارة عن عمل سري غايته القضاء على الآخر أو على الأقل تهميشه وإقصاؤه تنظيميا من بعيد أو توجيهه إلى وجهة معينة، معنى ذلك أن السفينة تنحى وجهة معينة إما بنية صافية حسنة وإما تحت تأثير إغراء مادي أو رئاسي وإما بتأثير اختراق خارجي وإما لمجرد عناد تنظيمي مع العناصر المسؤولة وحب للعب على الهامش.

نتأمل في اللوبيات التنظيمية فنجدها إما شبكات تنظيمية، سياسية أو تربوية.

تتنوع دواعي تأسيس اللوبي الذي لا يتأسس بالطريقة الرسمية، لكن النتيجة واحدة وهي خلق كيان موازي للتنظيم، كيان له برامجه وأهدافه الخاصة إضافة إلى برامجه وغاياته المعلنة التي لا يمكنه التملص منها كونها هي من تعطيه شرعية العمل داخل التنظيم وهي من يستغلها للعمل بهذه السرية، على أن تكون اللوبي داخل التنظيم ليس بتلك الطريقة التي يتكون بها اللوبي داخل الدولة، فهنا تختلف الطريقة ويختلف حتى هيكل اللوبي، فهو كائن تنظيمي هلامي لا حدود له، يتأسس بعفوية وقد يظهر لاحقا وقد لا يظهر بتاتا، غير معترف به حتى من زعمائه، أما اللوبيات السياسية الكلاسيكية داخل الانظمة السياسية فهي كائنات تنظيمية معترف بها وتعقد اجتماعاتها على الملأ دون استحياء من عملها السياسي ذي التأثير على القرار السياسي الرسمي، كل ذلك في إطار الديمقراطية والحرية والحق في العمل والنشاط والسير والابداع والتأثير من قريب أو بعيد.

داخل التنظيم الاسلامي يختلف الأمر، فاللوبي التنظيمي يعمل بطريقة سرية، رغم أنه من المفروض أن الجميع على قلب التنظيم الواحد ومؤسساته أو على قلب ولي الله القابض على دفة سير المؤسسات التنظيمية، فيبدو اللوبي داخل التنظيم الاسلامي أشبه بالخيانة، ولذلك فهو يحتفظ لنفسه قدر المستطاع بهلامية حتى لا يُنحر تنظيميا، تماما كما يحتفظ كل لاعب في الماء العكر بقدر من الاختلاط والتلبس والتخفي المقتبس من اختلاف المذاهب الفقهية والسياسية وغبار الصراعات الفكرية، هذا السياق المصلحي يتكون تلقائيا عبر تلاقي مجموعة من المصالح غير المعلنة، فالجميع يدندن بحب الله والجهاد في سبيل الله والأخوة والمحبة لكن المضمون والحقيقة أن اللوبي لا يمكن أن يجتمع إلا على مصالح مادية أو رئاسية أو مذهبية أو قلبية ولائية غير معلنة يعمل لها أصحاب اللوبي بكل إخلاص من أجل إشباع رغباتهم الرئاسية أو المالية، أو لمجرد الانتصار النفسي المعنوي لجهة فكرية أو تربوية أو سياسية أو تنظيمية معينة.

من اللوبيات داخل التنظيم ما هو سياسي يعمل من أجل جر التنظيم إلى خط سياسي معين، هذه اللوبيات هي أخطر الكيانات الموازية التي تهدد السير العام للجماعة، وهناك اللوبيات المالية التي تجتمع فيها رؤوس الأموال الضخمة محاولة استصدار القرارات التنظيمية التي في صالحها، تماما كما تتحكم في الدول من بعيد رؤوس الاموال الضخمة في البرلمانات وتستصدر من القوانين ما يلائمها باسم الديمقراطية بعد أن تدعم حملة فلان أو علان الانتخابية، وهناك داخل التنظيم لوبيات ما قبل الانتخابات الداخلية وهي لوبيات تنظيمية سلطوية موسمية لا تنشط إلا قبيل الانتخابات التنظيمية لانتخاب المسؤولين فتعبئ في اتجاه شخص معين، أما طيلة السنة فتنشط في المطاعم الفاخرة في إطار العزومات الفخمة التي لا يُعرف سببها، وهناك اللوبيات القطاعية التي تضرب في اتجاه مصلحة قطاع تنظيمي معين، نقابي أو اعلامي أو سياسي أو فئوي، وهنا قد يتحول قطاع تنظيمي معين إلى خط سياسي قائم بذاته يريد فرض رؤيته على باقي التنظيم، وأحيانا أخرى تكون له مصالح مالية معينة يلذغ كل مقترب منها ولو كان من نفس التنظيم، وما تدخله في باقي القطاعات إلا خطوة استباقية لعدم اقتراب خطر الرقابة منه.

أخطر ما في اللوبي هو أنه يشق الصف مع مرور الزمن، فـتتم بلقنة التنظيم أو ينشأ تنظيم برأسين معلنا بداية الفشل والوهن في جسم التنظيم، حكومة ظاهر وحكومة ظل، أجهزة رسمية وأجهزة خفية، وما يتبع ذلك من مس تنظيمي يتخبط التنظيم، فيكون العمل وتكون الحركة دون أي نتيجة، والخطر الثاني هو الاختراق وتقديم الولاءات الخارجية، فالكيان الذي يعمل في الخفاء يسهل اقتياده الى العمالة المزدوجة في غفلة تامة عن التنظيم، أما الخطر الثالث فهو تصفية الطاقات التنظيمية والتربوية الوازنة التي تسعى إلى فضح اللوبي، والخطر الرابع هو تمكن اللوبي من السيطرة على التنظيم والتحكم فيه وفقدان الاجهزة التنظيمية الرسمية القدرة على اتخاذ القرار دون اللجوء إلى خفافيش الظلام.

اللوبيات والكيانات الموازية والولاءات الشخصية أمراض تنظيمية مستشرية داخل التنظيم الاسلامي، وأعتقد أنه لا يمكن معالجتها إلا بأمرين، أولهما إشاعة روح الجماعة والمصلحة العامة داخل التنظيم، وأول من يجب أن يفعل ذلك هم رؤساء التنظيم وقيادته، فالتربية تنزل من أعلى ولا تصعد من تحت، فلغة مطالبة القاعدة بالتربية بينما تغوص القيادة في السلطة والمال لغة ركيكة لا تدخل الاذان، أما الأمر الثاني فهو سن قوانين داخلية رادعة ضد كل من يثبت تورطه في ولاءات هامشية، على أن هذا الأمر من الصعوبة بمكان، ذلك أن الاستعمال السياسي لهذه القوانين قد يؤدي إلى تصفية الحسابات السياسية والرئاسية التنافسية داخل التنظيم بطرق شرعية، فتكون هذه القوانين أداة تصفية، ولا ضمانة لهذا الأمر سوى ما تحدثنا عنه سابقا وهو إحداث شبه جهاز قضائي داخل التنظيم يكون مستقلا عن التنظيم من جهتي الرقابة الادارية والمالية ليمارس مهامه في حسن تطبيق القانون الداخلي والضرب على يد من تسول له نفسه اللعب التنظيمي.

اللوبي حصانة تنظيمية من المحاسبة واستنزاف طاقي وبؤرة موبوءة ومرتع للفساد الاداري والمالي وذئب مقتنص للجماعة يجب تصفيته قبل أن يصفي الجميع.


📌 الهوامش

  1. [1] اللوبيات هي الجماعات أو المنظمات الاقتصادية أو السياسية التي يحاول أعضاؤها التأثير على صناعة القرار في هيئة أو جهة معينة. هذه المجموعات منظمة ولها أهداف ومصالح بعيدة المدى هدفها الوصول إليها عن طريق ممارسة ضغط كبير منظم وممنهج قصير المدى على صناع القرار، قد تكون هذه المجموعات من اصحاب الاموال تستخدم اموالها للتأثير على السياسة العامة ضمن ما يخدم مصالحها أو من أجل تأسيس قوى ومجموعات أخرى ذات قدرة على اتخاذ القرار، ويبرز هنا دور الصحافة والاعلام ووسائل التعبية التحتية كعنصر مهم جداً في عملية الضغط السياسي أو الحث من أجل تشكيل أكبر ضغط ممكن. تظهر جهات ممارسة الضغط على شكل جماعات غير رسمية ولكن تتفق أهدافها ومصالحها لتحقيق ضغط على صناع القرار أو الرأي العام.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية