📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 51 من 77 — فهرس الكتاب
سنناقش في هذا المحور جدلية أسرار التنظيم وأسرار المؤمنين، سنتحدث عن أسرار التنظيم وكيف يتعامل معها المؤمنون، ثم سنتحدث عن أسرار المؤمنين وكيف يتعامل معها التنظيم، لنخلص إلى قاعدة ذهبية مفادها: " لا تكشف أسرارك للتنظيم".
قبل ذلك نذكر أن التنظيم الاسلامي كغيره من التنظيمات السياسية يرتكز على عنصر السرية، سرية المؤسسات الداخلية والمسؤولين عنها، فالظاهر أن التنظيم يقوم على عمل تنظيمي علني مكشوف، لكن الدوائر المختصة والمنتبهين من المراقبين سيلاحظون أن التنظيم دائما يلعب على رقعة السرية، ليس سرية البرامج والنوايا والاهداف والاشخاص، بل سرية المهام والمسؤولين والمؤسسات ومصادر الاموال وكيفية تدبير الشأن العام الداخلي والخارجي، فالتنظيم ليس تنظيما سريا قابعا في الدهاليز، إنه تنظيم علني تتحدث عنه الصحافة وله ناطق رسمي ومقرات وكتب مرجعية وبرامج معروفة وخط سياسي واضح، لكن هذا التنظيم مجهول لدى أغلب الناس، فأغلب الناس خارج التنظيم لا يكادون يعرفون أبجديات التنظيم ولا كيف يسير ولا يعرفون غاياته الحقيقية ولا المسؤولين الحقيقيين عنه ولا كيفية صياغة القرارات السياسية والتنظيمية التي يتخذها.
ورغم أسلوب الانفتاح الذي يسلكه التنظيم عبر نشر دوريات عن طريق الاعلام الداخلي والابتسامات الصفراء التي يوزعها هنا وهناك ورسائل الطمأنة التي يبعثها بمواقفه السياسية وقراراته المتخذة إلا أن الناس لا تثق في الظواهر والمواقف المتقلبة والابتسامات البلهاء، بل هي تنظر بعيدا تحلل الخفايا وتشك في النوايا وتفترض الفرضيات وتخاف من تجار الدين والسياسة وتضرب أخماسا في أسداس، نفس الشيء تفعله الانظمة السياسية الحاكمة، فهي تضرب نفس الاخماس لكن في أسداس أخرى، ثم إنها لا تتوقف عن أسلوب التوجس السلبي بل تبث جواسيسها داخل التنظيم لمعرفة أسرار هذا التنظيم، وتدفع في سبيل ذلك بالمال والحبال والرجال.
القاعدة تقول أن معرفة أسرار العدو نصف النصر، والتنظيم الاسلامي عدو للأنظمة السياسية الحاكمة التي تلهث خلف أسراره وهدف تضييقاتها، ورغم أن التنظيم يلعب على هذه المظلومية ويعتبرها كافية لتحصيل الشرعية والقفز إلى منصة السلطة، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فمجرد الاضطهاد لا يعني أنك على صواب ولا يعني أنك تستحق السلطة، ولو كان الاضطهاد سببا كافيا لثبوت الحق والشرعية لكان معارضو التنظيم الذين يضطهدهم هذا الأخير في تربيتهم وأرزاقهم وسمعتهم أحق بالمراكز التنظيمية من المسؤولين الجبابرة فيه، ولكان لزاما على التنظيم أن يكرم مثواهم وينزلهم منزلة الابرار، لكن الأمر ليس بهذا المنطق، فالسياسة والتنظيم مجال للتلاعب بالناس لا لإحقاق العدالة، فلا الأنظمة ولا التنظيمات أشياء مقدسة أو حتى من تلك الاشياء التي تحكمها الاخلاق، بل هي تكتلات سياسية تبحث عن مصالحها بعيدا كل البعد عن العاطفة، وعنصر المعلومة أمر حاسم في كيفية توجيه الضربات نحو نقطة الضعف، فالقوة لازمة لكن توجيهها بالطريقة الصحيحة هو الضامن لفعاليتها، ولا شيء يضمن فعالية الضربات سوى المعلومة، المعلومة الصحيحة الدقيقة التي تعري العدو، وتجعله تحت القصف القاتل.
إن الانظمة السياسية عندما تراقب التنظيم الاسلامي وتحط عليه آناء الليل وأطاف النهار لا تضيع وقته، والتنظيم عندما يراقب الاعضاء والهياكل ويحط عليهم ليل نهار ليعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة لا يلعب، فالحرب ضروس، والمعلومة بالنسبة للتنظيم مهمة أهمية الذهب والجواهر الثمينة، وهنا تظهر حقارة التنظيم بوضوح، ذلك أنه يستعمل هذه المعلومات ليس للحفاظ عل كيانه التنظيمي من العناصر الدخيلة فقط، بل يستعملها لضرب العناصر الصادقة داخل صفوفه عندما تُعارضه أو تتنحنح قيد أنملة عن أوامره، وهذا لا ينفي حقارة الانظمة السياسية التي تضرب أيضا كل تنظيم سياسي في نقطة ضعفه بعد أن تكشف عورته لمجرد أنه يعارضها ويهدد نفوذها.
الحقارة السياسية في المجتمعات الاسلامية المتخلفة أسلوب حياة بعد تأكد الانهيار الحضاري الاسلامي، موجودة وجاري بها العمل بين الافراد والتنظيمات وما بين التنظيمات والانظمة، هذه الحقارة لا تتوقف عند التجسس ومعرفة الاسرار والكشف عنها في الوقت المناسب من أجل تحقيق مآرب سياسية أو تنظيمية، بل تتعدى ذلك إلى ترويج المعلومات الخاطئة عن طريق البهتان والنميمة والغيبة والزور، والصواب أن الأسرار تُصان، سواء كانت أسرار تنظيم أم أسرار أفراد، فالتنظيم له أسرار يمشي بها وجب صيانتها، وهذا الأمر لا يناقض بتاتا علنية التنظيم وعمله في الضوء، ذلك أن الأسرار مناطها هو الطريقة التي يعمل بها لا الاهداف والبرامج التي يعمل على ضوئها، فإذا كنت أصارعك على الحلبة فلا يعني ذلك أن تعرف عني كيف أتدرب، ولا يعني ذلك أن تعرف كيف أفكر ومن أين أحصل على الغذاء، يكفي أنني أصارعك على الملأ ولا أضربك من وراء حجاب ثم أختفي خلف الاشجار ولا أستعمل منشطات محظورة.
نقول هذا مدافعين عن حق التنظيم في الخصوصية، لكننا نعلم أن التنظيم نفسه يكشف أسرار المؤمنين لما له من سلطة أدبية وتنظيمية عليهم، ربما تعلم التنظيم الحقارة من الأنظمة، أو ربما هي أزمة أخلاقية عامة في المجتمع المسلم، تناقضات ناتجة عن انقلاب الأموية على الخلافة وتحولها إلى خنوع، فالأصل أن للتنظيم أسرار يحافظ عليها الاعضاء والمسؤولون كل قدر إحاطته بها، يستميتون في سبيل عدم وصولها إلى الأنظمة المتربصة، شريطة عدم فصل الصادقين من التنظيم وإطلاق يد المخبرين لتعبث داخله، وإلا فما معنى الحفاظ على أسرار التنظيم مع إدخال الجواسيس إلى عين المكان وإخراج الأرواح الصافية التي تشتم رائحتهم بسهولة، يمكن هنا الحديث عن اختراق على مستوى القيادة وتنزيل ذلك إلى الهياكل أو تبلد جماعي للحس التنظيمي.
القاعدة الذهبية هنا: " لا تفش أسرارك للتنظيم"، فأنت عندما تجيب بصدق على أسئلة المسؤول التنظيمي الذي ينبش في أمورك الخاصة أو تستشيره فيها بحسن نية تعرض نفسك لغدرة التنظيم، تعطي رقبتك له ليذبحك وقتما يشاء، فليس الامر كما يبدو لك من طهرانية التنظيم الاسلامي ونخوة مسؤوليه، فالحقيقة أن التنظيم عند اللحظة الحاسمة في حياتك وعندما تتكئ عليه معتقدا أخوة الدين التي أغواك بها تجده لئيما غير ذي نخوة، فالتنظيم إذا تيقن من عدم جدواك في برامجه أو فقط تكلفتك الغالية عليه طعنك بقوة في عين ضعفك، في أسرارك التي استودعتها فيه، طعنك طعنة العمر بكل قسوة ورمى بك الى الهاوية، لذلك اجعل حياتك الشخصية بعيدة كل البعد عن التنظيم و المسؤولين فيه، ولا تعط رقبتك إلى جسم تنظيمي لا يحس بالإنسان ولا يألم له، جسم تنظيمي وعقلية تنظيمية تتفطن فقط إلى مصالحها السياسية والتنظيمية.
هذه نصيحة ذهبية أقدمها على طبق من ذهب محبة في الناس الطيبة التي تفشي أسرارها للتنظيم بحسن نية، وهذا لا يعني أن لا يستشير المرء أحدا من إخوانه، بتاتا، فهناك دائما إخوة في الله أهل للثقة والمشورة، لكن ليس مسؤولو التنظيم، المسؤول التنظيمي عندما يتعلق الأمر بأمورك الخاصة فر منه فرارك من قسورة، وابحث لك من أهل الاستشارة داخل التنظيم عن الطيبين المهمشين أهل الله الذاكرين الصابرين على غدر أهل التنظيم حتى يأتي أمر الله وهم كارهون.
حالة عدم الثقة هذه يفرضها انعدام جهاز قضائي داخل التنظيم، فلا شيء يضمن حسن تصرف المسؤول التنظيمي في ظل دكتاتورية التنظيم وسيطرته على جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى الحياة الشخصية للأعضاء داخل الجماعة، إن المرشد نفسه لا يستطيع خلق جو من الثقة في التنظيم بما أن رقبته بيد الاخطبوط التنظيمي، فتغول جسم التنظيم على باقي السلط وعلى أهل الله يجعلك ملزما بالحفاظ على أسرارك الشخصية بعيدا عن المسؤولين التنظيميين كي لا تتعرض للذبح التنظيمي.
هل ترضى لنفسك أن تصبح محط ابتزاز تنظيمي وبيع وشراء وتهديد ثم تخرج من الباب الخلفي للتنظيم كاتما آهات القهر في صدرك؟ هل تحب أن تموت عرقا بعرق كاتما غدرة التنظيم؟ كيف تعيش وسيف الابتزاز مصلت على رقبتك الاجتماعية والنفسية وقلبك يكاد ينفجر من الظلم الصامت، هل ستختلق حسابا فيسبوكيا مستعارا ثم تفضفض؟ أم سوف تقهر نفسك وقلبك وتملأ جوفك من خمر أقرب حانة؟ هل ستموت كمدا في بيتك محتسبا شاكيا إلى الله منتظرا ساعة القيامة لتنتصب مظلوما أمام العدالة الالاهية؟
لتجاوز كل هذه المآسي واحتراق الدم والاعصاب والكمد والغم والموت الصامت اسمع مني أخي الكريم نصيحة محب ولا تجادل: " لا تكشف أسرارك للتنظيم".
اترك تعليقاً