📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 50 من 77 — فهرس الكتاب
النميمة [1] في الاصل خلق فردي لكنه ينتظم داخل التنظيم ليصبح جريمة منظمة، وبالتالي يصبح الأمر أكثر خطورة وأكثر ضراوة، وإذا كان النمام بطبيعة الحال شخصا آثما من المنظور الديني فالتنظيم الذي يستعمل النميمة لقضاء مآربه تنظيم فاسد بالمنظور السياسي لأن التنظيمات لا نقيس فسادها بالدين بل بالحكامة الادارية لأنها أشخاصها معنوية لا تدخل جنة ولا نار، لكن النميمة المنظمة إذا كانت في ظاهرها إدارة فاشلة فهي تبقى في مضمونها مجموع الاخفاقات الاخلاقية الفردية، هذه الاخلالات تجتمع في القيادة والقاعدة لتنتج مؤامرة السكوت على الفساد والمشاركة فيه، وبالتالي فالنميمة المنظمة ما هي في تكوينها سوى نميمة فردية جعل منها التآمر والسكوت خلقا جماعيا ومؤسسة تنظيمية قائمة.
نتساءل قبل الحديث عن وسائل استعمال هذه النميمة ونتائج ذلك عن الكيفية التي تعمل بها النميمة المنظمة وهل هي نتيجة الفشل التربوي الذي اصاب التنظيم أم هي دسيسة من عناصر مدسوسة؟
النميمة هدفها دائما إيقاع العداوة بين الاخوة والتحريش بينهم للفتك بأواصر المحبة بينهم عن طريق الكذب أو إفشاء الاسرار أو نقل الكلام، هدف النمام دائما تكدير قلب على قلب، والغاية من وراء تكدير القلب إما الفصل أو التشويه أو التنقيص أو التركيع أو التعذيب أو العرقلة أو تعكير الاجواء، وإذا كانت الغيبة ضربا في شخص معين من أجل النيل منه فإن النميمة أكثر ضررا كونها ضرب في صفاء ماء الجماعة، فتضرب هذا بذاك وهذه بتلك.
لتحييد نظرية المؤامرة فقد شاهدت كيف تستعمل النميمة من مسؤولين تنظيميين لا يشك أحد في انتمائهم التنظيمي ولا يعتقد أحد أنهم عناصر مدسوسة، وبالتالي فالنميمة تخرج من عمق التنظيم ولا تأتي من الخارج كما يزعم بعض المسؤولين الذين يحاولون الافلات والصاق النميمة المستشرية بالعناصر العميلة، النميمة موجودة داخل التنظيم وتستعمل كأي وسيلة تنظيمية من أجل حل بعض الاشكالات التنظيمية وتصفية بعض العناصر المشاكسة وخلق رأي عام معين والضرب التحتي على العناصر التي يرى التنظيم مصلحة في ضربها بالوسائل القذرة لأنه لا يستطيع مواجهتها وجها لوجه، فيخرج الكلام الذي أساس له أو الذي له بعض الاساس من المسؤول التنظيمي في مجالس الرخاوة أو حتى في مجالس التنظيم ويلتقطه المسؤول الآخر وينزله بكل لهفة إلى المجالس التي تحته كأنه الخبر المقدس الذي جاء من مصادر التنظيم التي لا يأتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها، ثم يتلقفه الاخوان بكل تصديق مع التوصية بالنشر عل أوسع نطاق.
النميمة المنظمة دليل قاطع على الفشل التنظيمي والتربوي الذي آل اليه التنظيم، ولو كان الفلاح التربوي محصلا لما تجرأ عضو على النميمة داخل الجماعة فبالأحرى مسؤول كبير، ولو كان النجاح التنظيمي قائما لما كانت النميمة تتم بكل وضوح داخل المجالس التنظيمية المسؤولة، فكيف يأتي خير من مجالس تنظيمية تنفض في آخرها عن جيفة النميمة؟ لا أظن أن خيرا يأتي من مجالس تنفض عن النميمة، مجالس عوض أن يكون مضمونها ذكر الله والتواصي بالخير والاحسان فإذا بها مجالس تُتناقل فيها الأخبار الشخصية للمؤمنين وتُشوه فيها ذمة البعض الآخر وينتقص فيها من الكثير ويتآمر فيها على الرؤوس اليانعة فهما وتربية، والنتيجة تحطيم خيرة المؤمنين والتنكيل بهم وتشويه سمعتهم والتنقيص منهم لدى القاعدة، ثم ترفع البركة من مجالس التنظيم وتتسرب منها روائح زاكمة للأنوف.
كم من الحروب اشتعلت كانت شرارتها نميمة تنظيمية، كم من المؤمنين خرجوا من الجماعة بسبب مواقف محرجة جدا كان سببها نميمة تنظيمية، كم من مفصولين بسبب النميمة المنظمة؟ وربما كم من الدماء الزكية ستسيل مستقبلا إذا استمرت هذه النميمة داخل التنظيم في التوسع والانتظام والشرعنة؟ فإذا كانت الدماء لا تسيل الان توقيرا لحرمة المصحوب فهل سيستمر حقن الدماء إلى ما لا نهاية؟
لابد من وضع آليات تنظيمية تقطع مع النميمة التنظيمية المنظمة وتضع حدا للتساهل التنظيمي مع هذه الآفة الاخلاقية الخطيرة، التعدد في الزوجات الذي يحاربه التنظيم لا يمكنه بتاتا أن يدمر الجماعة بينما يمكن للنميمة المنظمة أن تفعل ذلك وتقتلع جذور الجماعة وتقطع أوصال الجماعة، وبالتالي فالتنظيم يجب أن يخرج من نفق محاربة الحلال إلى محجة القطع مع الماضي الوسخ الدي قُضيت فيه مآرب كثيرة بالنميمة الخسيسة، لابد أن يتوب التنظيم ومسؤولوه من هذه الجريمة الاخلاقية البشعة والكارثة التنظيمية المشتتة ويؤسسوا لتنظيم خلوق يحترم أخلاقيات العمل المنظم وأخلاقيات الدين الاسلامي الحنيف.
على التنظيم أن يقولوها صراحة: " لا نميمة داخل التنظيم بعد اليوم".
ثم عليه أن يتخذ التدابير التنظيمية من أجل ضمان ذلك.
📌 الهوامش
- [1] يقول عبد الله بن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: " مرَّ النَّبي صلى الله عليه و سلم بقبرين، فقال: إنَّهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمَّا الآخر: فكان يمشي بالنَّمِيمَة ".رواه البخاري 6052.
◀ الفصل السابق: النفاق التنظيمي
الفصل التالي: القاعدة الذهبية : “لا تكشف أسرارك للتنظيم” ▶
اترك تعليقاً