📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 54 من 77 — فهرس الكتاب
المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن ريحانتا ولي الله، كان يوليهما الرجل عناية مستمرة ويُكن لهما محبة خاصة، كان لا يتوانى عن رعايتهما والتأكيد على التنظيم ليتعهدهما بالعناية والاحتضان، لكن التنظيم ضرب ضربته وغدر بالرجل ذابحا ريحانتاه اللتان كان يحبهما، لقد كان التنظيم يولي الاهتمام فقط بالسياسة والسياسيين ويعلمهم فنون المكر لشغر المناصب السياسية عندما تسنح الفرصة ويهتم بالقلوب زبر الحديد الذين يعدهم لشغر مناصب التنظيم ويعلمهم الابتسامة التربوية الصفراء.
كان الهم التربوي حاضرا بقوة عند ولي الله، تقاسم معه هذا الهم بعض المسؤولين، بينما كانت التربية مجرد هراء عند عموم مسؤولي التنظيم، لذلك أنشأ الرجل المحاضن الاربعينية ومدارس القرآن ليتعلم المؤمنون دينهم ويكتسبوا المعاني الايمانية ويكتسبوا روح الدين، وأوكل إلى التنظيم بعد سجال مهمة تنظيم هذه المحاضن والسهر على إنجاحها، لكن التنظيم الغدار الحكار اعتبر هذا الامر لاحقا خطرا على قيادييه ومضيعة للوقت والجهد والمال وعرقلة للزحف السياسي والجلوس مع الدراويش والفقراء و”حمقى التربية” مُددا طويلة للوصول إلى المقامات التربوية التي يراها التنظيم غير نافعة في برنامجه السياسي، لقد كان التنظيم يتأفف من هذه الرباطات والمدارس القرآنية وينظر نظرة احتقار الى المرابطين وطلبة القرآن المنضوين فيها، لقد كان التنظيم متوجها بكليته إلى الواجهة السياسية، فهو يُكرم السياسيين ويحترمهم ويدعم برامجهم في المقام الأول بالمال والاهتمام ويدفع بهم الى واجهة الجماعة وقيادتها، ثم يشح الابتسامة والدينار على أصحاب القبلة والقرآن ويجعلهم تحت قدميه تاركا إياهم في الصفوف الاخيرة للجماعة يموتون تهميشا.
قبل أن أتحدث عن الجيل المرابط القرآني الذي صفاه التنظيم، لابد أن نفهم المنطلق الذي ينطلق منه ولي الله وحواريوه والمنطلق الذي ينطلق منه التنظيم وزبانيته، إن الشخص الرباني المعلق قلبه بالله يحضن المؤمنين بصدق النية ورغبة في الانتقال بهم من حضيض النفس إلى علياء خلة الله، من الطينية إلى الروحانية، من الحقارة إلى التكريم، من الجهل إلى المعرفة، هذا هو منطلق وغاية ولي الله الذي يحضن المؤمنين، بينما التنظيم شيء آخر، فهو عبارة عن أشخاص لا حظ لهم من الله، جفاة قساة كالحجر تسلموا قيادة التنظيم في فراغ الساحة فزادتهم المسؤولية التنظيمية كبرا وطغيانا، نفوس متعجرفة خبيثة ماكرة ملتحية متحركة على ساحة الواقع، لا ذِكر لهم ولا أوراد إلا تكلفا، لا صحبة لهم ولا تعلق بالصالحين إلا مجاملة، تربية لا تعرف من التربية سوى ابتسامة صفراء توحي للمنخدع بها بأن صاحبها في أعلى مقامات التربية، تثاقل عن العبادة، نوم حتى مطلع الشمس، همة ساقطة عن طلب وجه الله، قلوب غير معلقة بالله، إرادة مرتبطة بالشُعبة والمال والتقارير والتجسس على الاخوان.
مسؤول تنظيمي كبير وله “هيلالة” أي نعم لكنه يدور في قاع المعاني التربوية للجماعة.
أمثال هؤلاء الحضيض التربوي هم من يحب التنظيم ويعشق ويرفع إلى مقام المسؤولية، وفي الاتجاه الاخر يطحن الجواهر النفيسة، الاشخاص النقية المعلقة بالله وبولي الله، العناصر التي تحب أن تغنم من معين الصلاح وتنشر الصلاح، العناصر التي تريد أن تحقق المعاني الايمانية وتجمع القرآن الكريم ومعانيه في صدرها، هؤلاء هم المرابطون الاربعينيون وطلبة القرآن، حاربهم التنظيم بقسوة ومكر وبُغض، لكأن التنظيم مُسلم الظاهر كافر القلب، لكأنه عدو لله مبثوث بين صفوف الجماعة، وهنا أتأمل كيف صبر ولي الله كل هذه السنين على هذا التنظيم الجبار الخوار، كيف تحمل زبانيته الذين يسيرونه، لابد أنه أراد أن يستفيد من هذه الحثالة في حربه على معاقل الفساد الكبير ويترك الاطهار على باب الله يرجون الفوز بالله أن يوسخهم بالدنيا، أراد أن يستعمل الحثالة الصغيرة لمحاربة الحثالة الكبيرة، لكنه كان يغامر، كان يلعب مع النفوس النارية، فقد تأتيه الضربة التي لا شفاء منها من هذه الوحوش البشرية الضارية الغادرة التي يريد أن يستعملها، فهذه الكلاب التنظيمية خطرة، تتمسح بأقدام ولي نعمتها وصانع هياكلها ومهندس دهاليزها دهرا، لكنها تعض عندما يغفل، إنها أحقر الحيوانات الملتحية على الاطلاق.
أعرف أن الكلاب التنظيمية تعوي الآن وهي تقرأ هذه السطور قائلة : انظروا إنه يسب، إنه يسب، إنه شخص قبيح، إنه شرير، إنه عميل، إنه شخص لا يعرف التربية، قاطعوه ولا تقرؤوا أوراقه، إنه شخص قبيح، المؤمن لا يسب، المؤمن لا يلعن، المؤمن لطيف، رسول الله لم يكن لعانا، رسول الله كان رحيما، وهل تمثلت أنت أخلاق رسول الله؟ وهل تمثل تنظيمك أخلاق رسول الله؟ هل كنت أنت لطيفا مع المؤمنين؟ هل حافظت على قلوب المؤمنين؟ هل كنت رحيما مع المرابطين وحملة القرآن؟ هل ساعدتهم في عقبتهم التربوية أم أنك طعنتهم في ظهورهم؟ كيف تتلو علينا الآن آيات الرحمة والايمان والاخلاق ويدك لم تجف بعد من الدماء المعنوية للمؤمنين؟
ثم من قال لك أيها الحثالة التنظيمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيتركك تلعب في تنظيمه وتقتل أصحابه، وهل المؤمن يذبح أخاه في الجماعة يا عدو الله؟ دبلومك في التنظيم مأخوذ من الكوفة بميزة حسن جدا، دبلوم المروق من الدين والنفاق والشقاق، إنني أعرف أن هذه الحيلة لم تعد تنطلي الان على أحد، فالجميع يعرف أن التنظيم الذي ذبح معنويا خيرة المؤمنين لا يحق له أن ينتقد السب، السب شيء قليل في حقك يا مصاص الدماء، إن الذي قتل الحسين لا يحق له استنكار السب، ولا يحق له طلب فتوى قتل البعوض، فالسب ليس بالجرم الكثير مقارنة بالجرائم المنظمة التي سهر تنظيمك على ارتكابها، العدل هو السن بالسن والجروح قصاص، العدل أن يحاسب مسؤولو التنظيم على تصفية جيل من خيرة المؤمنين من المرابطين وحملة القرآن وينالوا العقاب العادل الذي يستحقون.
فلا يشوشننا زبانية التنظيم وعواؤهم عن رؤية الحقيقة، ولـنر كيف قاموا بتصفية الرباطات الاربعينية وحملة القرآن.
بينما كان ولي الله يشحذ التنظيم لإنجاح برنامجه التربوي، كان من المفروض أن التنظيم أداة تربوية بيده، فولي الله هو صانع التنظيم وهو مُنظر حركاته وسكناته وهو مهندس مؤسساته وروابطه التنظيمية والمعنوية، وهذه القيادات التنظيمية لم تكن لتوجد على رقعة السياسة والدعوة لولا القوة الروحية والعقلية والنفسية التي استطاع بها ولي الله جمع هذه الحثالة ليُعلمها حب الله، جـمع النطيحة التربوية والمتردية الاخلاقية وما استغنى عنه سبع النظام من الذمم المريضة ثم صهرهم ولي الله في بوتقة التنظيم ليصنع منهم رجال الغد وحملة الرسالة، فالأصل أن قادة التنظيم شتات لولا ولي الله، لكن هذا الشتات أصبح اليوم قوة منظمة، فكيف يسيطر ولي الله على هذا الوحش الضاري المنظم والكلب المسعور على الرئاسة، لابد له من جنود ربانيين يعملون بين يديه يستخدمهم بصدق الولاء لله والولاء للصحبة وليس الولاء لآلة التنظيم.
التنظيم كان يعلم هذا، وهو بنفاقه العميق المعشش في قلبه كان يتعامل بطول نفس مع ولي الله، كان يُظهر أنه حريص على التربية والقرآن والرباطات تماشيا مع الموجة لكنه في حقيقة أمره كان يكره المرابطين وحملة القرآن، وفي انتظار القضاء على هذه المؤسسات التربوية كان يستعملها لتركيع المؤمنين تنظيميا مستغلا الكلام التربوي والرقائق الصوفية والابتسامات الصفراء المخادعة، وفي مجالس الرباط والقرآن يسرب أفكاره السياسية والتنظيمية مستغلا انفتاح القلوب تحت تأثير رحمات الذكر والصيام والانجماع على الله، خلط للدين بالسياسة في انتظار القضاء على روح الدين، فالمظاهر التربوية التي كان يبديها التنظيم لم تكن سوى ذر للرماد في العيون، تماما كما تفعل بعض الانظمة عندما تلعب بالدين، تطلق الفضائيات الدينية ويظهر الرئيس على التلفاز مصليا، لكن الحقيقة أن المدافع القانونية والآلة التنظيمية تعمل عملها ليل نهار لقصف الناس بالترسانة القانونية التي تدك معاقل الدين والاخلاق في المجتمع المسلم، ثم تحكمه وتضبطه وتوجهه وتفسده وفق النموذج المستورد.
كنت دئما أرى بوضوح كره التنظيم للتربية واستغلاله لها، لكني كنت أسمع من بعيد التسريبات الافظع على مستوى القيادة، بل إنني وقفت على لحظات سوء أدب في حضرة ولي الله هممت فيها أن أقوم وأضرب صاحبها على وجهه، ولي الله يدعم الرباطات وناهض حاله بها والتنظيم متلكئ متثاقل الى الارض يتلوى لكأنما تجر يهوديا إلى مسجد المسلمين، لكن الحق يقال وللإنصاف وحتى لا نظلم أحبة لنا في الجماعة، هناك في التنظيم رجال كانوا يسهرون بكل تفان على نجاح الرباطات الاربعينية والمدارس القرآنية، ذلك أننا عندما ننتقد التنظيم ننتقده في فلسفته وتصرفات بعض مسؤوليه، ذلك أننا كنا نصادف أحيانا داخل التنظيم جواهر بشرية لا تقدر بثمن، هذه الجواهر كنت دائما على يقين أنها لن تُعمر طويلا داخل التنظيم، وفعلا كنت أسأل عنها بين الفينة والفينة فأجد التنظيم قد قام بتصفية بعض أفرادها تنظيميا أو قام بتهميشها بهدوء ورميها إلى الزاوية عندما لا يجد مبررا لفصلها، التنظيم دائما يضرب في الصميم، يطعن في القلب، يقطع الرؤوس العارفة ويطعن الارواح الطيبة.
إن أول ما فعله التنظيم هو التحايل على ولي الله ليوقف هذه الرباطات، كان يحاول إقناعه بعدم جدواها وقد فشلت محاولته، كان يجر نحو السياسة والانخراط في العمل السياسي والابتعاد عن هذه “الترهات” التربوية التي لا فائدة منها، كان يدعم النماذج الناجحة في حياتها وفي دراستها وتجارتها ووظيفتها على حساب الاشخاص الناجحة في أورادها وقيامها وحفظها للقرآن، التنظيم كان يعمل للدنيا بينما كان ولي الله يعمل للآخرة، ولذلك كان أول ما فعله التنظيم هو تهميش الطاقات التربوية وترميز أصحاب المال والوظيفة، مع احتكار الصحبة التي استأمنه ولي الله عليها حتى لا تبقى سلاحا بيد رجال التربية، بعد ذلك صارت العناصر التربوية تتسول الصحبة من التنظيم وتترجاه عدم حرمانها منها، أصبحت تتمسح به كي لا يمنعها من ولوج المحاضن الايمانية التي تقتات منها روحيا، ويا له من منظر بشع، مؤمن طيب يتسول المجالس من مسؤول ماكر متعجرف، يتملقه كي يسمح له بولوج مجالس النصيحة، ومسؤول يتعفر وأنفه في السماء مع ابتسامة شيطانية قائلا سننظر في الأمر.
هذا الاقصاء كان طعنة خنجر في ظهر أبناء ولي الله، بل وفي ظهر ولي الله نفسه، فالحرمان من المجالس الايمانية التي هي في الاصل “ماركة مسجلة” باسم المصحوب وليس باسم التنظيم ثم عدم دعم هذه الفئات من المؤمنين وتهميشهم بل والتعبئة ضدهم وتشويههم والتقليل من شأنهم كان ضربة قوية تحت الحزام من التنظيم إلى أشخاص حاملين لواء التربية وعازمين على اقتحام أهوال التربية بحيث جعلهم لا هم واصلين إلى كمال التربية ولا هم محققين للجاه الدنيوي من مال ووظيفة، فصار المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يعانون على رصيف التنظيم من الاحوال التربوية والبطالة والفقر والامراض النفسية والجسدية والروحية والتهميش التنظيمي والنكران الاجتماعي، صاروا في أسوأ حال، لا هم مع الله ولا هم مع الشيطان، العذاب من كل جهة، والضرب من كل جهة، حتى الاخوان “القاضيين حاجة” أصبحوا يطعنونهم في الظهر خذلانا ونميمة، الشيطان يطعنهم في الجسد مسا، والنظام يطعنهم في جيبهم فقرا، والتنظيم يطعنهم في قلوبهم استهزاء وتشفيا وقهقهات استخفاف واحتقار وتوصيات مقاطعة.
لقد حقق التنظيم الوصاية على التربية ومحاضن التربية ورجال التربية، فالمسؤول التنظيمي الغافل عن الله الحسود الحقود النمام الغدار أصبح مُربيا وصارت بيديه مفاتيح محاضن التربية وعيون الصحبة، يُدخل من يشاء ويحرم من يشاء ويفتي في النوازل التربوية، وأول ما قطع هو رأس المرابطين وحملة القرآن الذين عانوا من التهميش سنين طويلة حتى فاحت من جروحهم رائحة المرض، وإذا كانت العناية الإلاهية قادرة على علاجهم من قروحات التنظيم إلا أن الجريمة السياسية – التنظيمية لا يمكن نفيها، لقد كان المرابطون الاربعينيون وحملة القرآن يخرجون ملائكة طاهرين من الرباط الاربعيني يشع نورهم بين أيديهم قبل أن يحول التنظيم بعضهم الى شياطين، ذلك أنه كان لا يخفى على أحد نظرات الحسد والحقد التي ينظرها مسؤولو التنظيم إليهم، كانوا كالكتاكيت الفتية الجميلة التي خرجت من عش ولي الله، في حاجة إلى عناية ورعاية من التنظيم بما أنه مستأمن على مجالس التربية ومكلف باحتضان المؤمنين، فكان لزاما على التنظيم أن يكون على قدر المسؤولية ويعتني بالكتاكيت التربوية حتى تصير ديكة قوية تصيح بقوة وتطير حيث شاءت دون خوف، لكن التنظيم أجهض المولود المرابط القرآني.
لقد أبان التنظيم عن غدرة في نفسه وخذلان فظيع عندما ترك المرابطين يعانون، بل إنه كان يطالبهم بالعمل داخل التنظيم والتخلي عن الرباطات بدعوى أنها تصوف ودروشة، والأنكى من ذلك أنه كان لا يتوقف عن السخرية منهم ومناداتهم بالمجاذيب والحمقى والمرضى والكسلاء وينعتهم بأبشع النعوت ويحتقرهم احتقارا، دائما يقلل منهم، يحتقرهم أمام الاخوان كي لا يتبعوهم إلى الرباطات، كان يتشفى فيهم كلما ظهرت عليهم أمارات إخفاق تربوي، لقد عانى المرابطون من التنظيم أشد الويلات، وحملة القرآن كذلك، فالسياسة بالنسبة للتنظيم كانت هي مناط التكريم والاهتمام، أما المرابطون وحملة القرآن فحثالة بالنسبة إليه وكم زائد لا يصلح إلا لملء المظاهرات، يتم استدعاؤهم تحت تهديد النعت بالتصوف والجذبة وإيثار النفس على مصلحة الأمة والتخلف يوم الزحف كلما قررت الجهات السياسية المكرفطة مظاهرة في العاصمة.
المرابطون وحملة القرآن كانوا بالنسبة للتنظيم كما سياسيا ورقما تنظيميا لا غير، لا تهمه معاناتهم التربوية ولا مآسيهم السلوكية، كان التنظيم الحقير يتمنى سقوطهم في الزنا والسرقة والحمق والابتعاد عن الله، والبقية التي كانت ثابتة كان ينظر إليها على أنها كم سياسي يجب أن يستغل في التدافع مع الفرقاء السياسيين، وبالتالي كان يدفعهم إلى أخطر المهام السياسية وأوسخها وأتفهها، فيما يحتفظ لنفسه بالمراكز التنظيمية المفصلية والمهام ذات الشعبوية التي فيها ظهور قوي على الساحة.
والحقيقة أن قوة التنظيم الحقيقية كانت بين جنبات الدراويش، فالقوة التربوية الروحية التي يمتلكها الدراويش الذين يحقترهم التنظيم وعلى رأسهم ولي الله كانت هي سبب الكثير من نجاحات التنظيم، فهي القوة الحقيقة التي كانت تسير بالتنظيم وتحرك دواليبه التنظيمية والسياسية من وراء حجاب.
لقد ضرب الشيطان المرابطين في قلوبهم بعد أن منعهم التنظيم من المجالس الايمانية، ثم خذلهم التنظيم بعدم احتضانهم تربويا وماديا، ثم بعد أن مرضوا روحيا منعهم من زيارة ولي الله وصاية عليهم وحصارا له، وبعد أن استفحلت معاناتهم الروحية والمادية فصلهم بدعوى أنهم يخلطون في الاذكار والمشايخ، لم يكتف بهذا بل شن عليهم حملات تشويه منظمة داخل التنظيم، بل إنه كان يفرض على الاعضاء المقاطعة المالية لهم، لكأنه كان يساعد النظام على ضرب جيوب الدراويش، والفقر مدخل آخر تشفى فيه التنظيم في المرابطين وفرح أيما فرح بتفقيرهم.
إنه عوض أن يساهم التنظيم في حماية المرابطين ويوفر لهم المحاضن والعناية حتى يشتد عودهم، وعوض أن يظهر المودة في حملة القرآن ويفتح لهم مدارس القرآن ويدعمهم ماديا حتى يقفوا على أقدامهم وقفة صحيحة، كان التنظيم يحفر لهم الحفر ويقتنص منهم الزلات، وكان لا يتقي الله فيهم غيبة ونميمة وتشويها، صحيح ان الكثير منهم ارتد عن خط الصحبة، وضاع في غياهب الدنيا باحثا عن كسرة الخبز كي لا يذله التنظيم نميمة واحتقارا، لكن وجوههم ما زالت ماثلة أمامي، بمعاناتهم التربوية، بحرقتهم الايمانية، برجولتهم الاخلاقية، بأحوالهم الروحية، ببساطة معاشرتهم، بصفاء قلوبهم في الخلوة.
لقد كانوا رجالا.
ما زلت أتذكر أنينهم في جوف الليل ومناجاتهم لله في الخلوات، وما زلت أتذكر احتقار التنظيم لهم وطعنه لهم في ظهورهم وخذلانه لهم، لا زلت أتذكر كل شيء، لا زلت أتذكر كلمة المجذوب التي يطلقها المسؤول على الدرويش الصافي الطاهر الرجل الشهم ليُضحك بها قرناء السوء من المسؤولين، ضحكات وقهقهات هوت بأمراء التنظيم إلى حضيض الأخلاق والدين، وهوت بالتنظيم إلى قاع التربية والسياسة والتنظيم.
ومع كل ذلك لا زلت أتذكر نظرة الأسى من بعض أمراء التنظيم على قلتهم، نظرة تختزل حرقة على المؤمنين ورفضا لما يقوم به بعض رؤساء التنظيم، كاظمين غيظهم، صابرين لعل عناية الله تتدخل في الوقت المناسب، يقولون أن بحر الجماعة يلفظ الفاسدين، سلبية تنظيمية لم تؤدي أي دور سوى إطالة عمر زبانية التنظيم، فلا الدراويش أمسكوا خيط التربية، ولا بحر الجماعة لفظ زبانية التنظيم، بالعكس لقد لفظ بحر الجماعة الرجال الطيبين ورمي بهم شر رمية واحتفظ بالفاسدين والعملاء والمخنثين، ومع ذلك لا نزال نؤمن أن عناية الله ستظهر آخر الأمر، حاشا لله أن يذر على الأرض تنظيما ظالما طاغيا مجرما، وحاشا لله أن لا ينتقم لعياله الطيبين الذين قتلهم التنظيم.
لقد خلت الساحة الان من أي رباطات اربعينية ومن أي مدارس حقيقية لتخريج حملة القرآن، لقد انتصر التنظيم في حربه على التربية، لكن لابد وأن الله مُظهر كيده ولو بعد حين، ولابد أن الله ناصر أحبابه بعد حين، سيأتي اليوم الذي يقلب فيه رجال الله طاولة القسمة الضيزى على أمراء التنظيم الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، إن ربك لبالمرصاد.
اترك تعليقاً