📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 75 من 77 — فهرس الكتاب
صلت وجلت في هذا الكتاب في مواضيع كثيرة، وأحببت أن أختمه بدواء قد يكون بلسما لمختلف أنواع المشاكل الناتجة عن تلاقي الأجسام داخل التنظيم، إنه الاحترام، وهو نوع من التقدير والاعتراف بإنسانية الآخر وكرامته عند الله [1]، الاحترام يولد السلام والسلام يأتي بالمحبة، بينما الاحتقار إذاية، والاذاية تولد الحرب، والحرب تقضي على المحبة، وباندثار المحبة ينهار التنظيم، لكن التنظيم لا يؤمن بقدرة البغضاء على تدميره، يعتقد أنه يقوم بالأوامر والضبط والصرامة والقسوة والمكر والحفر والكيد والتآمر والدهاء والركوب على التربية.
أعرف أن التنظيم يكره سماع كلمة محبة، اللهم تلك المحبة السياسية المخادعة، إنه لا يؤمن إلا بالمحبة الصفراء الفاقع لونها بهتانا ونفاقا، لا يحب التنظيم المحبة إلا إذا كانت في اتجاه واحد إلى مسؤوليه، لا يحب سوى المحبة التي تنتج الطاعة المطلقة، يستثقل الاحترام والحب المتبادلين الصافيين غير القابلين للاستثمار التنظيمي والسياسي المصلحي، الاحترام المجرد والحب الخالص في الله يزعج التنظيم، وأحيانا يراه خطرا على مصالحه وعلى مسؤوليه، خاصة عندما يوجه إلى أشخاص لهم جاذبية تربوية وروحانية ساطعة.
لكن الحقيقة أن الاحترام هو حق من الحقوق الطبيعية لأعضاء التنظيم ولجميع الانسانية، والاحترام لا يستلزم أن تكون للتنظيم فيهم حاجة تنظيمية أو سياسية، فهم يستحقون الاحترام لكون الشريعة تفرض ذلك بآية "ولقد كرمنا بني آدم"، ثم لأن الانسان كيفما كان دينه وجنسه ولونه ومرتبته الادارية والعلمية والمالية يستحق الاحترام بالمنطق الاخلاقي لمجرد نسبته إلى جنس الانسان، بل إن من الفقهاء من يقول باحترام مختلف الحيوانات والنباتات والجمادات، فكيف يحتقر التنظيم إنسانا بايع التنظيم وسخر جهده ووقته وماله لنصرة التنظيم؟ هل هو الطغيان التنظيمي؟
إن سير التنظيم المسترسل يتطلب أن يستشعر جميع أعضائه بالقيمة التي يكفلها لهم الدين والخلق، هذه القيمة تتجلى ظاهرا في الكلام المؤدب ونظرة التقدير والاسلوب اللطيف والمواساة الأخوية وتواضع الجميع مع الجميع، ثم إنها تتجلى باطنا في الدعاء والمحبة المكنونة في الصدور.
هذا الإحترام نفتقده في التنظيم الاسلامي، ذلك أنه يتعامل مع الاعضاء كما يتعامل مع الحيوانات الأليفة، يبتسم في وجوههم ظاهرا ويحتقرهم باطنا، ففي المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون التنظيميون عن الاعضاء كما يتحدثون عن قطيع الحيوانات أو عن بهائم لا تفهم وغير ذات قيمة، تنقيص واحتقار وإهانة وتكبر وعجرفة وتمختر وخيلاء وعنطزة فارغة وحركات لا مسؤولة، في المجالس المسؤولة يتحدث المسؤولون عن الاعضاء لكأنهم مخلوقات ناقصة القيمة، يشير المسؤول بيديه مستهترا بالأعضاء، يتحدث ضاحكا باستخفاف عن الاعضاء، يتخذ القرارات وهو على يقين أن قطيعا من الرجال التافهين سينفذون دون مناقشة مع تبجيل وتقديس للفهم التنظيمي الذي لا يخطئ، فهم تنظيمي تباركه السماء.
التنظيم لم يصل بعد إلى السلطة فكيف الحال لو بلغها.
كثير من المصائب التنظيمية كان من الممكن تفاديها بقليل من الاحترام، لكن التنظيم أمعن في الدعس على كرامة المؤمنين، عاملهم بطريقة فظة و عدوانية مبتسمة، يا سيدي المسؤول إني أتيت التنظيم عن طيب خاطر دون أي ضغط راغبا في رحمة الله وغفرانه، جئت سندا لدعوته منافحا عن كلمته، فلا تستغل طيبتي وصفاء سريرتي أيها التنظيم الاسلامي ولا تركب على الدين لترضي ساديتك وتتمتع بتعذيب الناس والتكبر عليهم، دع عنك الكبر وتعال، دع عنك النفخ الخاوي وتعال إلى أرض التواضع، دع عنك الهراء التنظيمي وتعال إلى أرض المحبة والتواضع والاحترام والتعاون على دعوة الله.
قلي بالله عليك أيها المسؤول التنظيمي ما الذي تجنيه من مشية العنطوز التي تمشيها بين المؤمنين؟ هل تزيدك احتراما مثلا بين الاخوان؟ هل تزيدك توقيرا؟ أم تزيدك هدايا وانحناءة قامات أمامك؟ أم أنها تزيدك متعة نفسية؟ ما الذي يمنعك من إبداء الاحترام للمؤمنين ومعاملتهم بلطف حقيقي وتواضع واحترام حقيقيين، هل سينهار التنظيم مثلا إذا عاملت المؤمنين باحترام؟ هل تراك درست في مدارس النازية وعلموك أن التنظيم لا يستقيم إلا بالنهر والقهر والاحتقار؟ أم هي طريقةٌ علمك إياها من هم أكبر منك في الرتبة التنظيمية فتلقفتها بفهمك الحرفي.
يبدو أن دراستك كانت في الكلية الخطأ، فمدرسة النبوة لا تؤمن بالأفكار العسكرية التي تهين الانسان وتعتبره مجرد آلة معدة للموت، هؤلاء المؤمنون قد باعوا أنفسهم لله من أجل إعلاء كلمة الله لا من أجل إعلاء صورة جميلة لك مستقبلا في مكاتب الدولة، فهم أولياء لله لما نصروا الله ودعوة الله، إنهم أسياد في دعوة الله لا كلاب من كلابك الاليفة تطعمها وتسخرها حيث شئت، فمن حقوق المؤمنين عليك أيها المسؤول التنظيمي أن تُعاملهم باحترام، ومن حقوق الانسان المفروضة عليك أخلاقيا أن تحترم إنسانية المؤمنين الذين يشكلون تنظيمك الآيل إلى السقوط بأفعالك الحقيرة، حقهم عليك أن توفر لهم سبل الامان والاستقرار النفسي والروحي والمالي والعائلي مثلما يجب عليك أن تستمع إليهم باحترام وإنصات وتوجه آذان قلبك ومنصات عقلك إليهم عندما يحدثونك أو ينتقدونك، لا تعتبرهم مساكين تافهين فقراء حمقى مجانين مدوخين، لا تعتبرهم مجرد حثالة لا يؤبه لحديثها ونصائحها وآرائها وتوجيهاتها.
إن من تمام احترام الانسان وتكريمه أن تستمع له وتنصت له عندما يحدثك أو يناقشك أو ينتقدك، النقاش حق مشروع، والحوار فرض مكفول، فلست سوى جسم متعجرف يحمل الخراء في أمعائه، فلا داعي للكبر صديقي المسؤول.
احترام المؤمنين يكون بالإنصات والمحبة والتقدير والتواضع والخدمة والتلاين، بالابتعاد عن أسلوب التحقير والتنقيص والاهانة والتقليل والاستهزاء والاذى، والاعضاء عندما يشعرون بالقيمة التي يعطيها لهم التنظيم حقيقة لا ابتسامة صفراء يعطون كل ما لديهم من طاقة، يشعرون أنهم بين أهليهم وعائلتهم وإخوانهم، تتحقق في قلوبهم الاخوة الحقة لا الاخوة المزيفة التي تنفضح عند أول اختبار، فالاحترام ليس حيلة تنظيمية، بل هو حقيقة قلبية واقعية عملية تصدر عن كامل القوى العقلية والبدنية تتمثل في احترام ذات الشخص واحترام أفكاره ومعتقداته وآراءه المختلفة.
إنه لا خوف من الافكار المخالفة أيها التنظيم الجبان، لا خوف من الافكار ولا خوف من النقاش ولا خوف من الحوار، الخوف كل الخوف من تكبرك وتقديسك وتفردك بالطاعة المطلقة.
المسؤول التنظيمي يعتقد دائما أن التنظيم يقوم على الطاعة، ويظن أن الطاعة تأتي بالإرهاب التنظيمي، ثم هو يحسب أن الارهاب التنظيمي يأتي بسيف التنظيم و هو الفصل، ولذلك تجد التنظيم كله من ساسه الى راسه مفزوع من الفصل، تتحدث مع مسؤول تنظيمي عن حقوق أو خروقات فيحدثك بخفوت "رد البال راك كتهضر في السياسة، هاد الشي خطير"، تجد نفسك في التنظيم الاسلامي كأنك في نظام دكتاتوري، فما الفائدة إذن من هذا التنظيم إذا كان سيعيد نفس دولة الحكرة والظلم.
إن السيف التنظيمي لم يكن يوما مجلبة للاحترام، بل كان بالعكس من ذلك دائما إرهابا ومذبحة تربوية وتنظيمية لها ما بعدها من الاشكالات القلبية والتربوية والتنظيمية والاجتماعية والدعوية والسياسية.
كنت أرى التنظيم يستعمل سيف الفصل فأخاف، أخاف من فقدان محاضن الايمان وفقدان الاخوان الطيبين الذين نعاشرهم وفقدان الجو الاخوي الذي نعيشه بين المؤمنين، لكني وجدت التنظيم كل مرة مُصرا على ضلاله، غير مرتدع عن جريمته، لا منته عن تكبره، لا متوقف عن تغوله، أصبح التنظيم يحتقر الجميع ويراهم عبيدا خاصة عند توسعه وتمكنه من بناء هياكل سياسية وتنظيمية ونسائية جديدة، حتى إذا عاملهم باحترام ظاهر طعنهم في الخلف إذا استلزمت ذلك المصلحة، لكأن أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن سيطرة الآلة على الانسان قد تحققت، آلة التنظيم الان تتحكم في المؤمنين.
يا سيدي ما الفائدة من احترام أصفر وقتل من الخلف، حتى اصبح المسؤولون التنظيميون يدخلون على نساء الاخوان وهم في بيوتهن بينما أزواجهن في منهمكون في جلب لقمة العيش، قمة في انتهاك الخصوصية وحرمة البيوت وانتهاك صارخ لقيمة الرجل وتقليل من هيبته واحترامه لدى أسرته ولدى الناس.
لم أعد اليوم أخاف من سيف الفصل ولا من التهديد بالفصل، ولا حتى من السيوف، وإذا دعت الضرورة سأحمل سيفي لأفصل كل مجرم تنظيمي فصل كثيرا من المؤمنين الكثير ودمر حياتهم.
إن العمل المشترك يتطلب الاحترام وتعاضد الجميع من أجل إنجاح المشروع، وإذا لم يحصل الانجماع القلبي فعلى الاقل يجب أن يبقى الاحترام قائما بين الاخوان، لكن التنظيم نظرا لحقارة ذاته لا يُبقي للاحترام وزنا، فهو إما أن تكون معه أو ضده، كأنه في حرب صليبية، وفي كلتا الحالتين يحتقرك، فعندما تكون معه يحتقرك بأسلوب جميل، وعندما تكون ضده يعاملك باحتقار ظاهر وخسة بائنة.
التنظيم يعتبر من معه من مؤمنين مجرد أرقام في دفتر أو أوراق في لعبة ورق أو بيادق في رقعة شطرنج، وهو مستعد لفصلهم في أية لحظة وعلى أتفه سبب، وحتى إذا عرف خطأه فهو لا يعتذر، فالتنظيم خُلقه الكبر والتعجرف، لا يتنازل ولا يعترف بأخطائه ظنا منه أن التنظيم سينهار إذا اعترف المسؤول بخطئه، معنى ذلك اذبح أخوك كي يبقى التنظيم قويا بالإرهاب التربوي وهيبة الفصل، أحاسيس الاخوان ومشاعرهم وقلوبهم آخر ما يفكر فيه التنظيم.
إن مشاكل التنظيم لا يمكن حلها إلا بسيادة ثقافة الاحترام بين جميع مكونات التنظيم عن طريق إحياء خلق الاعتذار والتقدير ونظرة المحبة وتقدير مجهودات المؤمنين والتغاضي عن بعض هفواتهم واعتبارهم بشرا يخطئ كباقي البشر من سلالة بني آدم الذين أمر الله بتكريمهم وتقديرهم إكراما لله واحتراما لـقبس الروح الالاهية التي نفخها في أجسامهم.
إن الانسانية التي نراها في النصارى لا نلمسها في التنظيم الاسلامي الذي من المفروض أن يعطي صورة حسنة عن تعاليم الاسلام التي تحض على تكريم الانسان واحترامه وتقديره وإنزاله المنزلة المكرمة التي أمر الله بها، إنه لا يتعامل باحترام حتى مع الذين خدموه عشرات السنين وبذلوا في سبيل بناء مؤسساته وكوادره الغالي والنفيس من أموالهم وأعمارهم، يحتقرهم في آخر أيام عمرهم كأنهم حثالة ومغفلون وساقطون أو مُتساقطون لا يفهمون.
نُكران العشرة وجحود الأخوة مصيبة أخرى وكارثة أخلاقية عظمى يعاني منها التنظيم الاسلامي.
الاحترام طاقة كبيرة تولد الخيرات داخل التنظيم وتجعل منه تنظيما قويا تربويا وسياسيا ومجتمعيا، احترام المؤمنين وتقديرهم يشكل الطاقة المعنوية التي يمكن أن تنقل التنظيم من حضيض كبرياء الانذال إلى علياء تواضع الكبار، من سفالة العجرفة إلى معالي المحبة والصفاء والاخوة والبذل والعطاء والتعاون على دعوة الله.
هي نصيحة إليك أيها التنظيم، إحترم تُحترم، احتقر تُحتقر، اقهر تُقهر، اظلم وسيأتي الله بمن يظلمك، فكما تدين تدان.
📌 الهوامش
- [1] "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا، وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا" الاسراء. 70
اترك تعليقاً