فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

العقبة الجماعية

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 76 من 77 — فهرس الكتاب

بعد سنوات من العمل داخل التنظيم الاسلامي نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى الرجوع إلى الأصول، والاصل اقتحام العقبة، فعودا على بدء نريد أن نستحضر معاني اقتحام العقبة التي أمر بها الله في سورة البلد بقوله سبحانه وتعالى: " فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ" [1].

على أن هذا الاقتحام لا يمكن حصره في بُعده الفردي بل نريد أن نرتقي بالاقتحام من شكله المنعزل إلى النموذج الجماعي الأخوي، يدا في يد نقتحم عقبات السلوك وعقبات الدعوة، اقتحام جماعي للأنانية المستعلية وتقويض لها بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للغفلة عن الله بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للطبقية الاجتماعية بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للبغضاء بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للمغريات الدنيوية بالتربية والتنظيم، اقتحام جماعي للدكتاتورية الفكرية والتربوية والتنظيمية بالتربية والتنظيم.

اقتحام يدا في يد تعاونا، قلبا على قلب محبة، نسير نحو الوجهة الله، والوجهة الخلافة الثانية على منهاج النبي الكريم محمد ومنهاج صحبه المكرمين، كوكبة يباركها الله ورسول الله، تستقي من معين الصحبة ومددها ببركة اجتماع القلوب وصفاء السريرة وسلامة الطوية وضياء المحبة ونور الاجتماع وقوة الاتحاد ونكران الذات، ولعمري إن السلوك الأشعري أحب إلى الله ورسوله وأسلم للمنضوين فيه، فالسلوك الجماعي أكثر أمانا وأوفر بركة على مستوى السلوك الفردي وأفضل نتيجة على مستوى الدعوة والتدافع السياسي.

مفهوم الاقتحام الفردي يختلف كثيرا عن مفهوم الاقتحام الجماعي الذي نرجو أن يكون القاطرة المستقبلية نحو الكمال الفردي والسياسي.

العقبة عقبتان، عقبة تربوية وهي قضية كل منا مع خالقه، هذه العقبة هي جنة المرء أو ناره أو فوزه بالله، ثم عقبة سياسية ذروة سنامها الدولة الاسلامية على منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، العقبة الاولى عقبة نفسية روحية، تتكون في مجموعها من عقبات كثيرة تربوية روحية ونفسية، تجتمع كلها في نقطة واحدة وهي الارتقاء بالنفس من حضيض خبثها ونفاقها إلى علياء تزكيتها وصدقها مع الله، يضاف إلى هذا البعد الروحي بُعد نفسي أخلاقي يرمي إلى السمو بالأخلاق من دركات الانحطاط والوحشية إلى مقامات الرقي والاحسان، أما العقبة الثانية فهي مكونة أيضا من عقبات مختلفة، تدور كلها حول إكراهات مقارعة شياطين السياسة وملاعبة دهاة الدولة.

العقبة التربوية أقوى العقبات على الاطلاق رغم أن معركتها تدور داخل الانسان، قال عنها سبحانه وتعالى: " وما أدراك ما العقبة"، معنى ذلك أن فك رقبة النفس من شهواتها من أشد العقبات التي يمكن تصورها، ينضاف إليها عقبة الشيطان الرجيم الذي أخذ على نفسه العهد ليتخذن من عباد الله نصيبا مفروضا، وبذلك فإن كل رجل وامرأة عقبتهما الفردية هي طريق إلى الكمال، امتحان جعله الله لمن يريد وجهه.

طريق صعبة المراس تتطلب مجهودات نفسية وقلبية وروحية كبيرة، العدو فيها عدوان، نفس المرء التي خلقها الله في الحضيض الاخلاقي ثم جحافل الشهوة والشياطين القابعة على طول الطريق تنتظر الفرصة للانقضاض، وكلما ارتفع السالك في مقامات التربية كلما عظمت العقبات واشتد البلاء وظهرت شراسة النفس وتبين مكر الشياطين وتعرض صاحبنا لمختلف النيران التي يريد بها الله رغم ظاهرها القاسي أن يصفي معدن نفسه المشوب بالخسة حتى يصير ذهبا خالصا صالحا لأن يكون جليس الحضرة.

مشاق كثيرة تدور كلها حول سؤال كيف يتخلص المرء من نعلي نفسه والشيطان ويتركهما خارج الواد المقدس طوى.

وهنا يُطرح سؤال الوسائل التي يُستعان بها والاسلحة التي يُدافع بها في مواجهة النفس الخبيثة والشيطان اللئيم، هذه الوسائل ذاتية وخارجية، ذاتية من قبيل قوة الشكيمة و حِدة العزيمة والصبر على الألم وشدة المراس ثم باقي الملكات الاخلاقية النفسية، وأيضا التعاويذ الدينية التي لها من قوة الدعم النفسي والروحي الشيء الكثير، الأدعية والتحصينات والاذكار التي تستجلب التأييد الالاهي والمدد النبوي والمؤازرة الملائكية والمعاذ النوراني لها دور كبير، وأخيرا إخوان الآخرة الذين يشدون عضد السالك وأزره وهم كل رجل صالح يحتضن ويحمي ويغذي، ولا ننسى أهمية كل تنظيم يُنظم ويُرتب ويُنصح ومحاضن تُؤنس وتُدفئ.

اقتحام العقبة الفردية يتطلب جهدا نفسيا وجسديا كبيرا بما أن العقبة ليست نزهة، وعندما تنضاف إلى هذه العقبة عقبة أخرى وهي عقبة البناء والمساهمة في تشييد صرح الاسلام المنهار تزداد المعاناة ويزداد الجهد المطلوب تحمله أثناء اقتحام العقبتين، وإذا كان مدار العقبة الاولى داخل خوالج نفس الانسان وقلبه، فإن ساحة العقبة الثانية مدارها على ساحة العقل والتنظيم والسياسة، عقبة جماعية لا ينفع فيها العمل الفردي بل تتطلب اقتحاما جماعيا منظما قد لا يتوقف بانتهاء حياة الفرد بل قد يستمر أجيالا وأجيال.

العقبة الجماعية مرتبطة بالتنظيم وقدرته على تعبئة الافراد وتنظيمهم وتحقيق الأهداف التربوية والسياسية للجماعة، ونحن نريد أن يرتقي التنظيم ليصبح قائما على الاهداف التربوية للأفراد المكونين له وإلا كان في نظرنا تنظيما استغلاليا يركب على عرق الجماهير، مقولة أن الاعضاء خدامين مع الله هي مقولة أثبتت الأيام أنها مجرد هراء وكذب لاستغلال الناس من أجل تحقيق مآرب الطغمة الحاكمة في التنظيم، وبالتالي فالعدل يقتضي أن يساهم الافراد في تحقيق غاية الجماعة السياسية أولا امتثالا لأمر الله في القتال في سبيله صفا كالبنيان المرصوص، وثانيا لأن الذئب يأكل من الغنم القاصية والتنظيم مطالب بحماية نعاجه واحتضانهم والوصول بهم الى بر الأمان لا الرمي بهم إلى الذئاب مع أول منعرج.

الاقتحام الجماعي المنظم الذي نتصوره اقتحام يحرص على آخرة المقتحمين ودنياهم بنفس القدر الذي يهتم بتحقيق البرامج الدعوية والسياسية، اقتحام سلوكي جماعي أشعري تتظافر فيه الجهود من أجل أن يربح الجميع، سياسة رابح رابح، وإلا فما معنى أن يربح التنظيم مواقع على رقعة السياسة والدعوة ويخسر الافراد مواقعهم على سلم الاخلاق والتربية والمال والمجتمع، الاقتحام الذي يدفع بالأفراد إلى الهاوية ليصعد المسؤولون على جثثهم إلى مراكز المسؤولية والرئاسة اقتحام مشؤوم.

الاقتحام الجماعي أسلوب ناجح في غد الاسلام حيث تغزو كتائب الدعوة عقبات الدين والدنيا مجتمعة قلبها على شريعة الله السمحة وسنة نبيه المطهرة، رأس شوكة تنافح عن كيان الأمة ودينها ورزقها، على أنه من المتوقع جدا أن يتفرغ التنظيم الاسلامي للسياسة ويترك الافراد ينافحون فرادى في جبهة عقبتهم الفردية، ثم يؤدي هو نفسه ثمن ذلك تساقطهم على طول الطريق، لكن ربما يكون مضطرا لذلك اعتبارا لكون السياسة لا تترك المجال لتضييع المال والجهد والوقت في إشكالات تربوية فردية لا تعني التنظيم في شيء كونه لا يدير أصلا هذه الموارد البشرية إلا من أجل برامجه لا من أجل سواء عيونها.


📌 الهوامش

  1. [1] سورة البلد 11-18.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية